الكتاب: »أيام باريس« الكاتب: رينيه الحايك الناشر: »المركز الثقافي العربي« شخصية رنده في »أيام باريس« رواية رينيه الحايك عن »المركز الثقافي العربي« وإن حاولت الكاتبة تقديمها مجرد شخصية من ضمن الشخصيات الثلاث التي يتناولها السرد، إلا انها تشكل حياة الرواية الخفية. حياة امرأة تعيش تفاصيل ايامها بألم الحب وألم الانتظار، ألم القلق والكوابيس المباغتة. حياة صعبة ببذلها الشعوري، جوهرها الأرق، الحر والبرد، والخوف المستديم كسمة اساسية. حياة مؤقتة دائما، مؤثرة حتى البكاء. حياة قليلة ومرفوضة. حياة باريسية وبيروتية مُستلة من الحاضر ومن ذكريات بعيدة، ترقبها الكاتبة في هيئة المنومة وفي عادية الايام، قنوطها وعصبيتها. الجملة القصيرة المقتضبة عند رينيه الحايك، هي جزء من مزاج الرواية الناحي الى لملمة التفاصيل الكثيرة من حياة محددة سلفا برغبة صاحبتها وعالمها القليل. لا تحتمل جملة الحايك أية زخرفة او إضافة او استدراك، لأن المشهد تحت عينيّ الكاتبة هو هكذا كما كتبته تماما، ولا يستدعي إطالة ما. »أيام باريس« تتناول سرد شخصيات ثلاث، كل من وجهة نظره وإحساسه، رنده، وميرا، وإبراهيم في يومياتهم الحميمة التي تروي مشاهدات خاصة جدا، ومشتركة احيانا، سمتها التداعي والوساوس والاحاديث والإحساس العميق والقاتل بالعزلة، سواء في أماكن إقامتهم وعملهم في الوطن، او خارجها. تستعين الشخصيات على عزلاتها. تحب إحداها الاخرى بالهوس نفسه وإن اختلفت درجات التعبير وانفردت الشخصية بحبها كل على طريقتها. عيش رقيق وهش ومعرض لقسوة الخارج. سرد لدمار التواصل بين الشخصيات الثلاث وبين العالم، في البوح المتصل والمتشابه في عمقه وفي تفاصيله المتألمة والمحبطة. حتى في الفرح الاقصى، والضحك في هذا السرد، ثمة الذعر الكامن من الفراق، بمعنى آخر من الموت، الذي تتوزع اضغاثه بين رندة (الأم) وميرا (الإبنة) الذي يتبدى في حواراتهما الثنائية الداخلية، التي تظهرّها رسائلهما المتبادلة ما بين بيروت وباريس. التفاصيل منذ اولى إصداراتها، بدت رينيه الحايك كاتبة متمرسة في سرد التفاصيل. سردها غير مستغرق ببهجة الحياة، ولا يغفل مقاومة إغوائها الشكلي. تصنع الحايك بهجتها على قياس عالمها الذي تُحب، وتكتب في الارتداد الرائق الى دواخل الذات، بعفوية المتمكن من مشهده ولغته. رينيه الحايك تُصغي الى الحياة اكثر مما تكتبها. إصغاء واضح في الجمل القصيرة وفي المشاهدات وفي السرد بين السطور وفيها وخارجها. لا تشترط الحايك زمانا ومكانا فعليين للسرد. ليست في الحقيقة بيروت، ولا باريس. إنها غرفتها المعتمة أبدا، وصداعها المؤلم الذي لا يبارح رأسها. من عتم غرفتها تكتب، ومن وجع ظهرها، ومن الظنون والاشكال الغريبة التي تبين وتختفي، وأبدا لا تحلم الحايك أحلاما زهرية تحمل الايام خفيفة، بل هي نهب الكوابيس ونذر الخوف الدائم المستعلي على الطمأنينة. تكتب الحايك في الحياة التي تحول فيها الصمت الى موت حقيقي، وأصبحت العزلة تتردد في الروح قبل ان تطال الجسد. العزلات أحسب ان كتابة »أيام باريس« ومتنها، هي هذه العزلات المختلفة المتوزعة الشخصيات الثلاث. وهي ايضا، ولكي يكتمل المناخ المر للرواية، تنسحب (العزلة) على شخصية الطبيب الذي يعجز عن العثور على أخيه المفقود، كما على شخصية حسين بشكل اساس، حين صنعته الكاتبة من عزلة موحشة، لاعبا حنانه ونزقه وخوفه في عيشه الباريسي، لينتهي في تلك العزلة الى الأبد، كضباب تبخر واختفى. ايضا، المشهد العام لسرد رينيه الحايك، يجسد مع ذلك، افتتان هذه الشخصيات بعزلاتها، واختيارها طوعا ورغبة في المسافة بينها وبين العالم. افتتان بالأمكنة، وافتتان بالسفر بلا انتهاء. الشخصيات لا تكف عن السفر والحلم حتى وهي في اماكن استقرارها. كتابة الرسائل المتبادلة الشاغلة حيّزاً ونكهة في »أيام باريس« هي بدورها كتابة في السفر، حيث انى رحلت الشخصية، تحمل طقوسها معها، فنجان قهوتها، مخدة سريرها، وصمتها الذي لا يقطعه شيء او احد، بينما الاستثناء هو الرفقة القليلة (كما في حياة الابنة في باريس) حيث يغدو السفر طريقة حياة وإشباع تخييلي، فيما الاقامة حالة مؤقتة مرضوضة بالقلق وانتظار سفر جديد. على هامش هذه الاسفار المتتالية (بيروت باريس) وفي الرسائل المتتالية وإحداها: »حبيبتي ميرا، للأسف لم يصل ال"E. Mail" الطويل، بل المختصر. احلم بصفحات لا انتهي من قراءتها. احب طريقتك في الكلام، جميلة مثلك. افرحتني اخبارك، لكن متى ترسلين رقم حسابك المصرفي يا كسولة؟ يبدو ان السفر سيعلمك الطبخ اخيراً. اخبريني فيما بعد عن المعكرونة والسلطة التي حضرتها مع لولو وكاميليا لابن عمك، هل عانى المسكين ليلتها من الجوع؟ كما قلت لك في رسالة سابقة، بدلنا ديكور البيت. واسترجعت هوسي القديم بالمعلومات الطبية. اعلم ان غيابك هو السبب. ابراهيم ايضا يشغل نفسه، غالباً ما اقرأ عليه المعلومات التي اكتشفها، عن ضرر الاسمدة، وعن المواد المستخدمة بالتصنيع، وأي الزيوت افضل. هو يكتشف طرقاً اجمل لتوزيع الاثاث في الغرف. حبيبتي الصغيرة ليست هنا لتنبش الكنبات والأسرة والخزائن. غرفتك ساكنة، لا روح فيها، رأيتك في منامي مع ابراهيم. كنّا ثلاثتنا في اول شقة استأجرناها في قبرص عند Andreas، نظل على مشاهد تتبدل كلما تحركنا خطوة: بحيرات تتماوج بكل ألوان الازرق والبرتقالي، اشجار وتماثيل أراها في ضوء نهاري قوي، في اللحظة التالية يحل الليل. مشاهد كحقول قمح وبساتين وعصافير وغربان ويمام تقومين مع ابراهيم بتصويرها، الكاميرا تعجز عن ملاحقة الصور والألوان المتبدلة في كل لحظة«. (ص 44). تكشف الرسائل تعاقب الازمنة (المراهقة والنضج) ويكشف السرد عن عوالم بعين مراهقة وعين ناضجة. عوالم وأحداث واشياء في صمتها المرهق، وفي غموضها واستغلاقها على الضحك بمعناه المفتوح: الاقامة الموحشة في قسوة الانتظام الباريسي، وفي الغرف الباردة الخالية من الروح حيث الخيال على اشده ما يستدعي »الآخر« الحبيب، كتعويض بديهي. وهكذا فإن »أيام باريس« تستمد جاذبية نسيجها من ترفعها، ومن المنظور العاطفي للمكان البعيد وناسه، ومن محاولة تلمس ما يراكمه البعد في هذا القلب وذاك.سرد رينيه الحايك يضج بالتفاصيل التي هي ظلال الحياة الفعلية، انما كتب باقتضباب وتجاوزه لكل ما هو عام، وتجريدي الى ابعد الحدود. ثمة، اعني ما اعتقد، آلية حذف هائلة عملت في السرد المكتوب فعلاً، وذاك المضمر بين السطور. التنقل في الأمكنة او السفر، موضوعة شديدة الثراء، عرفت معها الحايك، إماطة اللثام عن العواطف الفردية المحتجبة والمتأججة مع ذلك. موضوعة مترعة بالامكانيات لمطلق سرد يراد له التميّز، عبر صقل ملامح شخصياته الروائية، كما عند الحايك في »أيام باريس«.