أطلق استهداف »القاعدة« للولايات المتحدة الاميركية، سلسلة من التحليلات وجملة من التساؤلات، وصار الحادي عشر من ايلول نقطة تأريخ ما بين فاصلي »الما قبل والما بعد«. جيل كيبيل، في كتابه: »الفتنة: حروب في ديار المسلمين، (الصادر عن دار الساقي في بيروت، ترجمة نزار اورفلي)، يحاول ان يرسم اطارا مرجعيا، في السياسة وفي الاجتماع، »للحدث النيويوركي« الخطير، كما يحاول ان يرسم »افكارا« عامة للخروج من الازمة الثقافية والسياسية، التي باتت سمة للتخاطب العنيف، بين طرفي التناقض، »الجهادي والغربي« وفي القلب منه الولايات المتحدة الاميركية، وانفلات نموذجها الاحادي على العالم. لماذا كان الحادي عشر من ايلول؟ يجد جيل كيبيل الاجابة في ثنيات بعض الخطب »الاسلامية« ويستخلصها من تأويلها. فعلى الارجح، انتقل »الاسلاميون« من استراتيجية ضرب العدو الاقرب، الى نظرية ضرب العدو الابعد، وذلك بعد ان فشل »الجهاد القريب« في تحقيق اهدافه. لقد اوحى الإخفاق في ساحات الاهل، بعجز »التشدد«، وأشاع مناخا من الركود، لذلك كان لا بد من »قضية كبرى« تعيد استنهاض الوضع الداخلي »الاسلامي«، وتشحن المحيط الاجتماعي بجرعات توتر اضافية، بما يؤدي الى »التعجيل في الاحداث وتسريعها«. تلك كانت الاهداف، او المضمرات العامة، لكن ما هو الاطار السياسي العام، التاريخي والمباشر الذي أحاط بتلك »الاستراتيجية الاسلامية«؟!. شكل المسار الفلسطيني جزءا مهما من هذا الاطار. فلقد رأى جيل كيبل في انهيار اتفاق اوسلو، وفي العنف الشديد الذي اعقبه، عاملا مهما في صعود »الاسلام السياسي الفلسطيني«، وهو ربط ربطا اكيدا بين »العمليات الانتحارية في فلسطين« والعمليات التي استهدفت رموز المال والسلطة الاميركية. ففي نظر المنفذين كان الغرب عموما وأميركا خصوصا، شريكين في الجريمة الاسرائيلية، وفي ظل رعايتهما نما التفوق الاسرائيلي التكنولوجي والعسكري، الذي يُرد عليه الآن بتفوق »الارادة الاستشهادية«. في المقاربة السياسية لممهدات اتفاق »اوسلو« ولعوامل انهياره، تعوز الكاتب المعرفة العميقة بآليات الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، مثلما يفتقد ايضا الى القراءة السياسية العارضة لأحوال الانتفاضة الثانية، ولكيفية الأداء القيادي الفلسطيني قبلها واثناءها ويغيب عنه (الكاتب) معنى الرمزية القيادية للرئيس الراحل ياسر عرفات، ومكامن قوتها التي مكنتها من ادارة سياسة التعبير عن المحصلة الوطنية الفلسطينية الجامعة. في هذا المجال يبدو جيل كيبل »مستشرقا« بمعنى الغربة عن الموضوع، لذلك يظل اقرب الى ترداد الشائع من السياسة، حول مجرى المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية، وحول »وعود باراك، والفرصة التي اضاعها ياسر عرفات في عهد الرئيس الاميركي بيل كلينتون...«. يوحي الكاتب بأنه مسكون »بالتوازن« حيال طرفي الصراع، فيسير بتؤدة، بين حقائق غير متوازنة في الواقع. هنا الخلل اساسي بين الجلاد والضحية، لذلك فان المعالجة تقتضي ان تنهض على معيار اخلاقي موضوعي اولا، ومن ثم يعمل »قلم السرد« الموضوعي في جنباتها. جزء آخر من الاطار السياسي، وفره المشهد العراقي. لقد أثبتت الوقائع، ان الاسباب الحقيقية لاستهداف العراق كامنة في هدفين استراتيجيين: تأمين واردات النفط وضمان امن اسرائيل. لقد اطلقت كوامن الاجتماع العراقي وجرى تمزيق نسيجه، من خلال حملة »عصرنة اميركية كاذبة«. لقد جاء الرد من منوعات »مقاومة« غلب عليها الطابع الاسلامي، وتقدمت »هيئات مختلفة« من هذا الطيف الديني، لتحل محل »هيئات التعبئة البعثية« التي انهارت مع انهيار النظام. لم يكن الامر بلا مقدمات، فالنظام السابق، افسح في المجال امام »الديني« ليتقدم، على خلفية تطلب تأمين شرعية ما لاستمراره. ولمواجهة الحصار الذي كان مفروضا عليه. في امتداد ذلك تابع »الديني« هذا مقاومته للتهميش الذي رآه زاحفا عليه، في ركاب الهجمة الاميركية الغربية، وما حملته من »تمكين لفئات عراقية اخرى« كان النظام قد قذفها الى الهامش، في امتداد تمزيقه لكل مقومات المجتمع المدني العراقي. بيئة اخرى، في العراق، توفر اسباب الصعود »للصحوة الاسلامية« وتسمها بميسم العنف المضاد، كرد على عنف اصلي مارسه »الغرب الكافر« ضد بلد »اسلامي آخر«. الحاضنة السعودية أبعد من فلسطين والعراق، يعود »جيل كيبيل« الى الحاضنة السعودية التي وفرت كل اسباب الرعاية »للأصولية الاسلامية«. في هذا المجال يرصد الكاتب مسوغات العلاقة بين الحكم السعودي وبين »رجال الدين«، ويفسرها في بعديها الداخلي والخارجي. فنجد في مكان تنفيسا للاحتقان الاجتماعي وضبطا له. من خلال تكثيف »التربية الدينية وإطلاق يد العلماء« ونجد في مكان آخر، »تحصينا للنظام« في وجه الطروحات »القومية والعلمانية« التي مثلتها الموجة الناصرية، وموجة حزب البعث في اقطار عربية اخرى. لقد شكلت اراضي المملكة السعودية، بحسب الكاتب، ملاذا لكل »الاسلاميين« الذين تركوا بلادهم الاصلية، طوعا او قسرا، وهي شكلت بالتالي، وبالتحالف مع اميركا، »قاعدة للجهاديين« الذين اطلقوا باتجاه افغانستان، مزودين »بالتقوى الضرورية« وبالمال الفائض ايضا. هذا الدور السعودي، لم يسلم من الاتهام بعد احداث الحادي عشر من ايلول. فوضعت »المملكة موضع المساءلة« وفي السياق عينه وضعت موازين العلاقة السابقة بين اميركا والسعودية، والدور اللاحق لهذه الاخيرة، وفق الرؤية الاميركية الجديدة، التي بات »المحافظون الجدد« يصيغون تفاصيلها ويحددون اهدافها. كإطار دولي، يحرص جيل كيبيل على تظهير صورة المحافظين الجدد في السياسة الاميركية، كتعبير أعلى عن سياسة القطب »الواحد« بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، او امبراطورية الشر كما سبق للاميركيين ان »اطلقوا« على منافسهم الدولي. لقد جاء هؤلاء المحافظون »ليغيروا العالم بدل ان يؤولوه«، وذلك وفقا للنموذج الاميركي، في »الدمقرطة وفي الالتحاق باقتصاد السوق«. لقد صارت الارض مهيأة بالنسبة لهؤلاء لاثبات »التفوق الاميركي، الذي يكتسب معناه حين يوضع في خدمة قيم مثبتة بوضوح«. لقد ازيحت مع المحافظين »الواقعية السياسية« لتحل محلها »الخلقية العالمية وقد وضعت في مركز القيادة«. في هذا المجال، لم يعد مهما النقاش حول ماهية هذه القيم ومعاييرها ومرجعياتها الحضارية المختلفة. لقد اسقطت وفق هذا المنطق حضارات بكاملها، فاختزلت الى »مناوأة عامة« تدفع باتجاه »صدام حضارات لدى صموئيل هنتنغتون« واعاقة تحقق نبوءة »نهاية التاريخ لدى فرنسيس فوكوياما«... حيال ذلك انكر »ليوشتراوس على الديموقراطية ان تأنس الى الضعف، فهذه ينبغي لها استخدام القوة في مواجهة الشر حفاظا على بقائها«... لقد خرج المحافظون الجدد الاميركيون مع »إيرفينغ كريستول، من التأمل الفلسفي، الى النضالية«، وهم اذ بالغوا في اسقاط نظرياتهم وقنابلهم على المجتمعات الاخرى، قيض لهم ان يواجهوا »بإرهاب فكري ونضالي« مضاد، يقول غير قولهم الحضاري، ويرى غير رؤيتهم في مآلات التاريخ. لقد وسعت »اميركا« رقعة حربها في »الرد على الارهاب«، من افغانستان الى العراق، الى فلسطين، (دعم اسرائيل)، لذلك كان من البديهي ان يتجاوز »الرد الجهادي« حدوده المحلية ايضا ليشمل بعنف اكبر، الساحة الاوروبية، في بعض عواصمها المقررة. الاقصاء المتبادل في اوروبا، وبعد رصد تطور الحركة الاسلامية فيها، نضالا واعتناق ديانة اسلامية، يبدو جيل كيبل مسكونا بهاجس الادماج الذي ما زال قاصرا في القارة الاوروبية، ومعه. ما زالت تلح مسائل من قبيل »عقد المواطنية، ودلالة الاندماج في المجتمع، والتعدد الثقافي، والنجاح او الاخفاق فيها«. هذه المعضلات تجد مقاربات مختلفة لها من قبل »الاسلاميين«، تختزل احيانا في رؤيتين: تقوم احداهما على »الانقطاع الثقافي الكامل عن المحيط الكافر« انقطاعا »عنفياً«، فيما تخالفها الاخرى في مسألة العنف، رغم التقائها معها على ارضية الانقطاع الواحدة. في »الاقصاء المتبادل« يتبادل طرفا المعادلة المضمرات. لدى »الاوروبي« ميل الى جعل »الاسلامي المندمج« في روح العصر الاوروبية، نموذجا، او سفيرا »للنوايا الحسنة« لدى الاسلاميين الآخرين، وبالمقابل، نجد لدى »الاسلامي الاوروبي« ميلا، لتجذير موقعه ضمن اوروبا ليصير قاعدة »مرتبطة بالمتشددين على ضفة المتوسط الاخرى«. بين فكرة الادماج والبعثة، وفكرة نقطة الارتكاز واستعادة »الأندلس«، تدور رحى صراع »هوية« من ادواته الثقافة، ووسائل التفجير ايضا. هل هذه هي نهاية المطاف؟ يقترع جيل كيبل في صالح مسار يخرج المجتمعات العربية والاسلامية من معادلة القطبين المتعارضين: الجهاد والفتنة. وذلك من خلال اطلاق وتحرير »القوى المحدثنة للدين« والتخلي عن النعت السلبي »الذي يلصق بالديموقراطية، باعتبارها ملحقا بالغرب«، وإشراك الشبيبة المسلمة »اشراكا كاملا في المواطنية الاوروبية« ذلك في رأيه، بعض من الوسائل التي تفسح في المجال امام »وجه جديد لعالم مسلم متصالح مع العصرنة ومتجاوز لوهم الجهاد والفتنة وحدود اوروبا«. بالطبع، تنهض دون هذه الرغبة معوقات، منها ما هو متعلق بالغرب عموما، ومنها ما هو متعلق بالشعوب العربية والاسلامية، لذلك يعود السؤال الى بدايته: ما امكانية قبول الآخر لدى الطرفين؟ وكيف يمكن اجتناب فرض المعايير الايمانية والحضارية؟ وبالتالي: كيف يفضح عري الاهداف السياسية والاقتصادية المتسترة بلبوس الحضارة، ايا كان مستندها الثقافي والديني؟ وبكلمة اخيرة: هل من سبيل الى ادارة العالم من غير سبيل الحروب والتغلب؟!