ما هو الفن؟ لماذا نغني، نرقص أو نمثل؟ لماذا نكتب؟ وعندما نكتب ماذا نقول؟ لمن نقوله؟ أنكتب لنكتب؟ إلى أي شيء نهدف؟ أنعكس واقعاً؟ أننتقده؟ أنعيش حلماً؟... أسئلة نختار ألا نسألها. ثمة أسئلة أخرى أبسط وأبعد عن التنظير: ما الذي أرادت الكاتبة جنفياف عطا الله معالجته في »عيون خائنة«؟ ماذا قالت؟ كيف قالت؟ لمن قالت؟ وماذا استنتجت؟ »عيون خائنة« مسلسل عرضته شاشة »إل بي سي« على مدى خمس حلقات (انتهى أو انتهينا منه الأربعاء الماضي). قام ببطولته كل من فيفيان أنطونيوس، طوني خليفة، وعارضة الأزياء دومينيك حوراني. أما عن المستوى الفني للمسلسل فلن نتكلم لأننا سنكون كمن »ينفخ في قربة مقطوعة«، أو كمن يجتر نفسه مردداً الأسطوانة الممجوجة نفسها التي تصلح لكل المناسبات وتنطبق على كل الأعمال »الفنية« المعاصرة.. يكفي القول إنه منسجم تماماً مع العصر، عصر الفوضى والاستعجال والاستهتار والاستخفاف والاستغباء. عصر انسحاب الجيد من المواهب والمؤهلات خوفاً من الاحتراق أو الانسحاق بين السيقان الماردة والأثداء العارمة.. وهي كل ما تملكه حوراني مثلاً من مقومات، جذبت المشاهد وسمحت لها بالتعدي على »التمثيل« أسوة بزميلات لها في »الجمال« تعدين على »الغناء« وغيره من المجالات التي أصبحت يتيمة. أما طوني خليفة فوضعه مختلف، إذ أن المقومات التي سمحت له بالتعدي على هذا ال»كار«، تتعلق بالاعتبارات الترويجية التي راهنت على تجيير مشاهدي برامجه الحوارية لمصلحة المسلسل، يعني كحافز يدفع بالمشاهد الفضولي إلى متابعة المسلسل، من باب الحشرية أو حتى السخرية. اللافت هنا هو الانفصام الذي ميز المسلسل المتحرر شكلاً، المحافظ الى درجة التحجر مضموناً. فمن جهة، تفاجئنا ثياب حوراني ومشاهدها الساخنة في السرير مع خليفة، والتي تعد خارجة نسبياً عن »أخلاق« المسلسلات اللبنانية. ومن جهة أخرى يفاجئنا الخطاب الحجري والشخصيات المنتمية إلى عصور غابرة. ففي عصر ال»دي إن آي« والاستنساخ، الخلوي والإنترنت، ثمة إمرأة »بنت عيلة وفي معها فلوس« تنصاع لأوامر زوجها وتلتزم بعدم زيارة الطبيب للبحث عن سبب عدم إنجابها رغم مرور تسع سنوات على زواجها؟ من تمثل تلك المرأة؟ وهناك رجل، في هذا العصر، ما زال يخلط بين قدرته الجنسية وقدرته على الإخصاب، ويعتبر أن زيارته للطبيب هي تشكيك في »رجولته«! من يمثل هذا الرجل؟ في عصر الكليبات والفوضى الإباحية، يبدو »الحل« الوحيد لحمل غير مرغوب فيه هو الزواج لا الإجهاض مثلاً. وأي زواج؟ المدني تحديداً، الذي لم يزج به هنا إلا لتشويهه وخلق أوهام حوله لا تمت إلى الواقع بصلة! (لن نضيف إذ يكفي تعليق الزميلة سعدى علوه في مقالة سابقة حول الموضوع). ثم، تصوروا أن نتواطأ مع المؤلفة فنتغابى ونصدق أن رغبة رجل في إخفاء طفله (إبن الحرام على حد تعبيرهم) عن زوجته تدفعه إلى الزواج بأم الطفل لتسجيل الأخير على اسمه؟ أي إخفاء هو ذاك الذي يتم بالتسجيل والإشهار؟! و.. »بنتك مجرمة وإبني رجّال وضعف«.. »بس شفتو وحملتو بين إيديي (ابنها) رجعت للفضيلة يا ماما«.. »كيف الرجّال بيقدر يسفّر إبنو بلا موافقة الإم وهي ما فيها، شو هالقوانين مين عمل هالقوانين؟«. ربما تظن جنفياف عطا الله أنها كتبت مسلسلاً اجتماعياً توجيهياً ناقش الخيانة والزواج المدني والموقف الذكوري من العقم وقوانين الأحوال الشخصية. ربما تظن أنها كتبت مسلسلاً مسلياً وأحداثاً مشوقة، وهذا حقها الذي يقابله حقنا كمشاهدين في »التفاعل«. والحال: شعور بالسخافة لمجرد الكتابة عن هذا المسلسل، شعور بالخسارة لإضاعة ساعات في مشاهدته وكتابة مقال ندمت منذ الآن على كتابته.