يتابع فيصل درّاج في كتابه الجديد »الرواية وتأويل التاريخ« (المركز الثقافي العربي، بيروت الدار البيضاء، 2004) جهده النظري، حول الرواية ونظريتها في الأقلمة العربية، الذي ميّز كتابه السابق »نظرية الرواية والرواية العربية«، مستنداً إلى ثقافته النظرية في الرواية، وإلى ما أنتجته النظرية النقدية في الفلسفة والتاريخ والسياسة والنظرية الأدبية. وبالنظر إلى التراكم الذي أحدثه اشتغال دراج على الرواية، يلمس القارئ مدى تمثّله لنظريات الرواية الكثيرة، من غير أن يرتهن إلى واحدة بعينها، ومفضلاً الكتابة الحرّة الهاربة من القيود، حيث يسكنه همّ النفاذ إلى معنى الرواية، وكيفية تحقق أقلمتها العربية، من خلال الوقوف عند أبرز نماذجها ومبدعيها. ويقوم متن الكتاب على المقارنة بين كيفيتين، تخص الأولى تناول المؤرخين وقائع الحياة في البلدان العربية، فيما تخص الثانية تناول الروائيين هذا التاريخ، وتنهضان على اعتبار الرواية »ذاكرة المقموعين«، من جهة كون الرواية تكتب الحياة الاجتماعية من طرف المقموعين الذين »لا يحسنون الكتابة«، إذ ينهض جوهر العمل الروائي الأكثر عمقاً، ويعبّر عن ذاته في سؤال ما هو الإنسان؟ وفق تعريف جورج لوكاتش، وبما يجعل الرواية على النقيض من كتابات المؤرخين السلطوية التي تنهض على مقولة تقول بأن التاريخ يكتبه الأقوياء، أو مقولة التاريخ ملك المنتصرين. تذهب الرواية، إذاً، إلى تلك الأماكن المهملة والمهمشة، وتفتش عن الجوانب المنسية في كتابات المؤرخين المقيدة بالكثير من الشروط التي تخل بالحقيقة والموضوعية. فقد »استدعى الروائي العربي المؤرخ وطرده لأكثر من سبب. فالمؤرخ يقول قولاً سلطوياً نافعاً، ولا يتقصى الصحيح، يهمش تاريخ المستضعفين ويوغل في التهميش إلى حدود التزوير وإعدام الحقيقة...«. لذلك يرى دراج أن الروائي العربي يقوم بتصحيح ما جاء به المؤرخ، وبذكر ما امتنع عن قوله، مؤكداً أن الكتابة الروائية هي علم التاريخ الوحيد أو هي، في أضعف الأحوال، كتابة موضوعية تسائل ما جرى من دون حذف أو إضافة »على الرغم من أن الإبداع الروائي تطور في شرط مقيد يهمش الموضوعية والإبداع معاً«. وإن كان كل فن حقيقي يدعو إلى الحرية ويحقق وجوده بعلاقات حرة، فإن ما يميز الرواية ليس قولها الأخير، بل العلاقات الجزئية التي أفضت إليه. إن الرواية قول حداثي يتطلع، ضمناً، إلى مجتمع قائم على تساوي الحقوق والواجبات، وعليه لم يكتب محمد حسين هيكل روايته »زينب«، التي تعتبر أول رواية عربية، إلا ليدرج فيها أفكار جان جاك روسو، الذي استنكر الاستبداد، وطالب بمجتمع »العقد الاجتماعي«. كما أن نجيب محفوظ، وهو يكتب ثلاثيتّه، لم يكن مشغولاً ب»سادة القوم«، بل بهؤلاء المنسيين، الذي قاتلوا من أجل ثورة لم تورّثهم الشيء الكثير. الروائي والمؤرخ وإذا تأملنا المنظور الروائي للعالم، نجد أنه يبدأ من »الإنسان« من حيث هو، بلا مراتب ولا ألقاب ولا منازل، وهو يقول بالتعدد والتنوع ومساواة العلاقات المتعددة والمتنوعة، وآية ذلك اللغة الروائية التي تحتقب لغات متنوعة تحاكي التنوع الاجتماعي. وإذا كانت الحداثة الروائية لا تستقيم إلا في مجتمع يعيش الحداثة في علاقاته المختلفة، فإن عليها أن تجابه الاستبداد، الذي هو نقيض للحداثة، وأن تعيد الاعتبار إلى المنسيين المضطهدين، لأن تحرير المنسيين والمضطهدين شرط ولادة »المجتمع المدني«، الذي لا تصعد الرواية، مُجتمعياً، إلا به، وبالتالي فإن التزام الرواية بقضايا المضطهدين لا يفسر أخلاقياً، كما لو كان الروائي واعظاً مختلفاً، وإنما يفسر بنيوياً، ذلك أن التنوع والتعدد وحوارية العلاقات المختلفة هي قوام البنية الروائية، التي تختلف عن نصوص نقيضة، أحادية الفكر واللغة والتفسير. ويمكن القول إن النص الروائي وجه أو وجوه من الأمل الإنساني، حيث يرى المستبدون إلى الواقع اليومي المعيش كواقع ثابت متجانس أبدي وحيد، بينما تتعامل الرواية مع الواقع بصيغة الجمع، فالواقع كان، والواقع يتكوّن، والواقع يخلق ويتطور ويتجدّد، فقد أعاد الغيطاني خلق واقع مضى في »الزيني بركات«، ورأى محفوظ في »ثرثرة فوق النيل« إلى واقع لم يصل، وخلق إدوار الخراط »واقعاً موازياً« في »الزمن الآخر«. الواقع الذي تقول به الرواية متعدد متنوع محتمل، أي واقع ينقض التصور المستبد لواقع لا يتغير ولا يتبدل. ولعل استمرارية الاستبداد الطويلة هي التي أفضت في النهاية إلى ثنائية: السلطة /المؤرّخ، وما خارج السلطة /الروائي. لا غرابة، والحال هذه، أن تكون العلوم الاجتماعية العربية المسيطرة إيديولوجيا سلطوية عامة، وأن يكون الإبداع الروائي، كما أشكال الإبداع عامة، الموقع المعرفي الصحيح، يغاير النص السلطوي من ناحية، والذي يضيء الواقع المعيش العامر بالمهمشين الذين لا يحسنون الكتابة، ولا ينتبهون إلى النص الروائي الذي ينطق عوضاً عنهم. وإن كان ثمة سياقات أخرى للتجارب الروائية، فإنها غالباً ما تكون سياقات شكلانية، كأن يقرأ الناقد إشكالية الذكورة والأنوثة أو أزمة الجنس أو المخيال.. كل هذه المقاربات ممكنة ومحدودة في آن، لأنها تستبدل بالواقعي الشكلاني وبالجوهري الثانوي. فالرواية العربية ولدت في صراع مع الثقافة المسيطرة، منذ أن شكا بعض رجال الدين محمد المويلحي إلى والده، لأنه ارتضى كتابة قريبة من »أدب العوام«، وصولاً إلى قضية نجيب محفوظ في »أولاد حارتنا«. أكثر من ذلك أن الرواية العربية تكونت في صراع القديم والجديد، بلغة طه حسين، أو في صراع الحداثي والتقليدي. لكن الرواية العربية تحيل على شكل إيديولوجي مراوغٍ، واجه، ولا يزال، ثقافة تقليدية مسيطرة مأخوذة باليقين والركود والمطلقات. لهذا لا يمكن النظر إلى المحاولات الروائية عند هيكل وتوفيق الحكيم وطه حسين بمعزل عن صراع الحداثة والتقليد، في مستوياته الفكرية واللغوية والسياسية المتعددة. بل إنه لا يمكن النظر إلى بعض الابتكارات الروائية، مثل الرواية الوجودية العربية في الستينيات بمعزل عن »مدرسة الواقعية الاشتراكية« العربية، حيث كان على القوميين أن يخترعوا رواياتهم في مقابل الماركسيين الذين اطمأنوا إلى رواية خاصة بهم. وفي الحالات جميعاً، فإن الأدب لا ينفصل عن الوقائع الاجتماعية والسياسية. وما الحديث القديم الجديد عن ثنائية الحداثة والمروق إلا حديث آخر عن ثنائية القديم والجديد، الأمر الذي يقرر الرواية علاقة اجتماعية في جملة من العلاقات الاجتماعية الأخرى، ويقرّر التاريخ الروائي عنصراً متمرداً في تاريخ ثقافي اجتماعي لا يميل إلى التمرد. في كل ذلك، يحاول دراج أن يبرهن على العلاقة العضوية بين التاريخ الروائي والتاريخ الثقافي العربي، فلولا هذه العلاقة لما أمكن، موضوعياً، المقارنة بين محمد عزت دروزة وغسان كنفاني، ولا مواجهة براغماتية المؤرخ، حتى لو كان لامعاً مثل قسطنطين زريق، بموضوعية العمل الروائي الذي يكتبه جمال الغيطاني ومحمود الورداني ورضوى عاشور وغيرهم. فضلاً عن أن المعرفة الروائية، من حيث هي معرفة موضوعية لا ترتقي إلى مستواها قط »المعرفة التاريخية«، كما لو كانت الرواية هي التي تستولد وحيدة معنى التاريخ، بلا حواش ولا إضافات. من هنا تأتي العلاقة بين الرواية وتأويل التاريخ، فهي تكتب وتحلّل وتؤوّل وترفض، رافضاً تاريخاً كابوسياً بتاريخ غائب مرغوب وشاهرة في وجه المدن المزورة مدناً حقيقية فاضلة لا تزال في طيّ الغيب. إن مصائر أبطال ثلاثية نجيب محفوظ، المحاصرين بالعجز والمرض والاضمحلال، هي التعبير »التاريخي« الأدق لثورة 1916، مثلما أن مصير الفلسطينيين في »رجال في الشمس«، كما مصير الإنسان العربي في »ستة أيام« لحليم بركات، هو التعبير النافذ عن بنية الوعي السياسي العربي. إذاً، كتبت الرواية العربية فعلاً تاريخ المقموعين، أو لنقل تاريخاً مقموعاً، وأدمنت عليه، لكنها كتبته في شرط يقمع شروط الإبداع الروائي من تعددية وتنوع، لذلك تنزع بعض التجارب الروائية إلى لغة الاختصاص والمنفعة والنخبوية نتيجة انتفاء الحريات، لذا يتجدد السؤال: هل كتبت الرواية العربية فعلاً تاريخ المقموعين؟ غير أن ما يثير الانتباه في كتاب دراج هو نزوعه إلى البرهنة عن أفكاره بشكل تطبيقي، مستعيناً بكتابات الكثير من المؤرخين المعاصرين مثل قسطنطين زريق ومحمد عزت دروزة وماهر الشيف وغيرهم، إلى جانب أنه كان مدافعاً أو لنقل محامياً عن الرواية، فهي »ديموقراطية«، تجابه الاستبداد وتدافع عن المضطهدين، فضلاً عن كونها »موضوعية« تتفق مع ما يقول به الواقع، خلافاً لكتب التاريخ التي تسجل ما ترضى عنه السلطات، هل يتحقق هذا القول في الرواية العربية عموماً؟