As Safir Logo
المصدر:

رحيل عارف الريس فنان الضحك الأسود

المؤلف: بزون احمد التاريخ: 2005-01-28 رقم العدد:10005

ظل عارف الريس يصوّر الموت في لوحات قديمة له وحديثة حتى حلّ فيه، وظل يداعب الطبيعة بألوان الفرح والحب ويفتّح ألوان الزهور على قماشات بيض، حتى باتت ضحكته علامة فارقة في وجهه، حين كان ندياً، وحين تحول إلى ذكرى جارحة. قد يكون عارف الريس من أبرز الأمثال اللبنانية على الفنان المثقف، الذي خاض الأفكار والإيديولوجيات مثلما خبر التقنيات وعالج المواد. لهذا كان غنياً في فنه وجريئاً في تجريبيته إلى أبعد الحدود. فنان مغامر يقطع المسافة بين الواقعية وتجريدها بلمح البصر، وبين الجدية والهزل بضربة ريشة، وبين اللوحة الفكرية واللوحة العفوية الغريزية بغمزة لون. لم تكن حياة فنان لبناني بهذا الصخب، ولا بهذا التماوج الحار المتوتر. لا يطمئن إلى تيار أو مدرسة، ولا يطمئن إلى نفسه، يتخطى ويجدد ويرفض ويتمرد. يذهب من النقيض إلى النقيض، متحدياً نفسه وقدرته على تطويع التقنيات والرؤى الفنية لأفكاره وهفواته ونزواته الفنية. مزاجي بامتياز، لكنه متشدد إذا اقتنع بلوحته، من دون أن تشكل القناعة استغراقاً وخنوعاً فنياً. ويترك للجدل والحوار متسعاً. ترتكز عفويته وغزارة إنتاجه على عراقة تجربة، بل على معرفة واطلاع بما يجري في العالم، وهو العابر بفنه من أفريقيا إلى فرنسا إلى أميركا وإيطاليا وإنكلترا وعواصم الفن، لا تحد طموحه حدود جغرافية أو لغوية. منذ أكثر من أربعين عاماً حلّ تمثاله »الفينيقي« في نيويورك، حائزاً جائزة معرض دولي، ومنذ تفتحه الفني كانت له حظوة التتلمذ على فنانين كبار في العالم، أمثال زادكين وفرنان ليجيه وأندريه لوت. صوّر بخطوطه وألوانه ونحته الوجوه والحالات والحرب والبؤس الأفريقي والصحراء، واتخذ من غانيات شارع المتنبي مثالاً للسخرية من المجتمع. خلط السياسة بالفن، فجعل السياسة، تارة لعبة الفن، والفن، طوراً، لعبة السياسة. ولعل سخريته المرة كانت أكثر تجلياً في أعمال الكولاج التي اتسعت لها تجربته مؤخراً، فوضع الغانية بجانب عالم الدين، ولاعب كرة القدم بجانب زعيم الدولة، وعارضة الأزياء بجانب المتسول. وكان يضحك كثيراً حتى لا نشعر بألمه، تنفجر ضحكته مدوية أينما كان، حتى لا تخنقه الخطوط السود والتحبير المتوتر الذي يلف أشكاله وصور الكولاج والمشاهد التي كان يعلقها أمام الأبصار. عارف الريس من الفنانين اللبنانيين الكبار.. نكرمه إذا أقمنا متحفاً لأعماله المكدسة في قبو بيته، ليستمر ويبقى. (راجع ص 12).

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة