تسوّق المراجع وبعض الفرقاء لمصالحها في تقسيم الدوائر الانتخابية بالاستشهاد بقانون الانتخاب الصادر سنة 1960 معتبرة ان هذا القانون هو »المثل والمثال« لأي قانون عادل حتى بعد مرور 45 سنة على صدوره. والحقيقة ان الاجواء التي رافقت العمل بهذا القانون منذ مناقشته والنتائج التي انعكست من جرائه على البلد تدعو المسؤولين الى صرف النظر عنه وتجعل العودة الى تفاصيل ما جرى ذريعة بيد الذين يرفضون استحضاره من جديد بدلاً من ان تكون شهادة بيد الذين يطالبون بإحيائه. ومن المفيد هنا التذكير ببعض الحيثيات التاريخية التي رافقت هذا القانون كونها تعبر عن »هويته« بامتياز. فقد احيل الى المجلس بعد حوالى سنتين من بدء ولاية رئيس الجمهورية اللواء فؤاد شهاب وسبق ذلك تأكيدات متكررة من »المصدر المطلع« تقول إن المجلس الذي كان يجب ان تستمر ولايته حتى أواخر النصف الاول من شهر آب سنة 1961 سيحل فور صدور القانون وإن احداً لن يستطيع تعديله، ويتبين ذلك من محاضر المناقشات، ومنها قول النائب الاسبق هنري طرابلسي: »ان حل المجلس قد تقرر وأعلن بشكل شبه رسمي قبل عرض هذا القانون على المجلس والتصويت عليه«. وإحالة مشروع معجل الى المجلس يقضي بفتح اعتماد ب100 ألف ليرة لنفقات الانتخابات. واللافت ان اسباب حل المجلس اعتمدت على صدور القانون نفسه، اذ جاء فيها »بما ان مجلس النواب صدق على قانون جديد لانتخاب اعضاء مجلس النواب... حل مجلس النواب«. ومن مظاهر تلك الاجواء الديموقراطية يومها ايضا ان الحكومة احالت مشروع قانون يعدل مشروع قانون الانتخاب قبل ان يقره المجلس. هذه العينة من الاجواء التي رافقت ولادة قانون انتخاب سنة 1960 يمكن ان تقدم صورة كاملة عن كيفية اقراره وكيف حصل تسويقه، ولماذا. فإذا كان »الشيء بالشيء يذكر« كما يقال، يصبح السؤال التالي واقعياً: هل ان النجاح في استعادة القانون تعني بالضرورة احياء او تكريس لمثل الاجواء التي رافقت صدوره؟. أما من حيث النتائج التي انتهى إليها العمل بهذا القول فكان في المجلس، كما يوجد اليوم، نواب يستشفون اسباب ما يجري ويمكن اختصار تلك النظرة المتقدمة التي جاءت الوقائع لاحقا لتؤكدها بما قاله النائب بيار اده منذ مناقشته زيادة عدد النواب الى 99 وإحالة المشروع بصيغة الاستعجال بقوله: »كلنا يعلم ان حياتنا السياسية في هذا البلد لم تقم على اسس حزبية الى حد لا يمكن معه التكهن بأن هذا الحد سيتسع في الانتخابات المقبلة بل سنجد انفسنا من جديد امام مجلس اكثريته الساحقة فردية من حيث النزاعات والتقلبات تجاه اوضاع برلمانية مارسناها في الماضي، اننا نقول بأن اوضاعا من هذا النوع تؤثر على فعالية النظام البرلماني وتفضي الى الحكم على المؤسسة بعدم تمكينها من التمرس بسلطاتها...«. وهنا لا بد من الاشارة الى ان قانون 1960 ادى الى ظهور »حزب« ما عرف ب»النهج« الذي كان قد تشكل من نواب لا يجمعهم إلا ولاؤهم لرئيس الجمهورية. وإذا ما كان صحيحاً ان النظام البرلماني الديموقراطي يسمح بأي شكل من اشكال الاحزاب او ما شابهها فإن ما يطرحه »النهج« لا يتعلق بوجوده انما في تقهقره وتفرقه شتاتاً ووحدانا بعد ان انتهت ولاية الرئيس فؤاد شهاب، وكان من شأن ذلك ان »لا تتمكن المؤسسة من التمرس بسلطاتها« كما توقع النائب اده عند مناقشة القانون. وظهرت انعكاسات ما حصل جلية في المجلس المنتخب سنة 1968 الذي انتخب على اساس قانون 1960 وكان الشاهد على تجميع العوامل التي اشعلت الحرب في لبنان لاحقاً. ولعل هذا ما كان يتوقعه النائب اده عندما تطرق الى الاستعجال في درس القانون بقوله: »... إذا كان لنا من تحفظ على هذا الاستعجال فهو بكل صراحة متأت من تخوفنا مما سيكون لهذا الاستعجال من تأثير على زيادة اضطراب الأمن وعرقلة التقدم الاقتصادي والازدهار في البلد، ولا اظن انه باستطاعتنا ان نقف في قضية الاستعجال غير هذا الموقف وإلا لما كانت لنا الجرأة غداً لان نمثل امام الشعب لنطلب ثقته من جديد«. ويتبيّن من قراءة النتائج التي اتحف بها قانون 1960 البلد انه بعد ان انتهى عهد شهاب، وتحديداً في انتخابات سنة 1968 و1972 كانت اكثرية التمثيل النيابي تتمركز في اتجاهين: واحد لا دور بارزاً له وآخر من الذين لعبوا ادوارا بارزة في الحرب اللبنانية التي بدأت فعلياً اثناء ولاية مجلس 1972 الممددة، او من الذين شاركوا مباشرة ام غير مباشرة في تلك الحرب، ويمكن القول إن هذا الفريق المتعدد الانتماءات شكل ما يقارب ربع مجموع عدد النواب. فإذا كانت الوقود التي اشعلت الحرب معروفة للجميع واذا كانت الاهداف التي كانت تكمن وراءها في البداية لم تعد خافية على احد فيمكن القول إن قانون انتخاب سنة 1960 هو قانون فرز الطوائف عن بعضها والقانون الذي يعطي الطائفيين الافضلية على كل ما عداهم. انه قانون تجذير الوضع الطائفي بامتياز. ولعل النائب السابق اميل البستاني كان قد ادرك »سر هذا القانون« منذ مناقشتة قبل 45 سنة بقوله: »لو جاء القانون على اساس الدائرة الفردية من دون ذكر الطائفة لجاء التمثيل النيابي صحيحا، هذا هو عيب القانون الاساسي... ان صرختي هي للمستقبل... لقد وضع المصلحة العامة على اساس طائفي«. من هنا يتبيّن انه عندما انقلب »اتفاق الطائف« على قانون انتخاب سنة 1960 لم يكن بهدف اجراء تحديث ما في تقسيم الدوائر الانتخابية، انما من اجل ان يكون منسجما مع بقية احكامه خصوصا لجهة الحرص على العيش المشترك ورفض »فرز الشعب على اساس اي انتماء كان«، وكذلك رفض التجزئة والتقسيم، وفي مقدمة ذلك الحد من الواقع الطائفي لاعتباره »ان الغاء الطائفية السياسية« »هدف وطني يقتضي العمل من اجل تحقيقه«. وبهذا المعنى فإن الخروج عما نص عليه »اتفاق الطائف« بالنسبة لقانون الانتخاب من خلال استنساخ قانون 1960 ليس خروجاً عن بند من بنود الاتفاق انما عن الخطوط الاساسية التي تبناها، خصوصا لجهة التوازن الدقيق والمبدع التي قال بها عندما اوجد صيغة عملية لآلية إلغاء الطائفية السياسية في الوقت الذي حافظ فيه على النموذج الحضاري المتمثل في وجود الطوائف ضمن المواطنية الواحدة من خلال ربط الإلغاء باستحداث مجلس الشيوخ الذي تتمثل فيه جميع الطوائف. امام هذه المعطيات والوقائع التي رافقت إعداد قانون سنة 1960 والنتائج التي افرزها هذا القانون منذ تطبيقه لاول مرة وحتى انتهاء العمل به يصبح السؤال التالي ملحاً: هل إن عرابي المطالبة باستنساخ هذا القانون في الانتخابات المقبلة يعملون كي يعيد التاريخ نفسه في لبنان؟ هل يطمحون للاجهاز على اتفاق الطائف بضربة قانون الانتخابات القاضية؟.