تتقدم يسرى مقدم الى النقد، الروائي تحديدا، من شغف في الأساس، ومن فضول، ومن تحريض واشتغال على الذات وايضا من كون الروايات على ما تقول ديارها الكثيرة والبديلة. في رغبة الى تعزيز أحكام القيمة، والابتعاد عن الاستسهال والارتجال، أنجزت مقدم كتابها النقدي الاول »مؤنث الرواية« عن »دار الجديد«، حوله، وحول مسائل ثقافية شتى كان لنا معها هذا الحوار. ÷ يبدو ان الكتابة النقدية وتحديدا النقد الروائي هو ساحتك التي تلعبين بها. كيف جئتِ الى النقد؟ وكيف ترين الى العملية النقدية؟ { شغف نهم انعقد بيني وبين الروايات منذ يفاعتي، حملني على التهام كل ما يقع منها بين يدي، أقرأها بمتعة تنشيني وتكفُّني عن تقصد أي لهو آخر، وأشهد اني ما قرأت مرة رواية إلا وصيّرت من عالمها، إذاك، عالماً أفترضه لنفسي ويخصني وحدي، أعيد فيه ترتيب أشيائي، إقامتي ورغباتي. قرأت الروايات اذن وسكنت فيها، ومن مساكني القديمة هذه تعلمت الكثير، كالتطواف مثلا في عوالم الدهشة، اللهو، الكشف، التلصص والتآمر ايضا، وبالطبع كنت أميز بين إقامة قصيرة عابرة واخرى أمكث فيها زمناً طويلا وأود لو تدوم أكثر. الروايات كانت دياري الكثيرة والبديلة، ولطالما حدّثت عنها واصطحبت اليها شفاهة صديقات وأصدقاء حرضني بعضهم لاحقا على الكتابة، وفي السر احتفظت بكتابات خجولة ضمنتها انطباعاتي النقدية، أذكر يوم أشرت الى بعضها أمام أستاذتي المشرفة على رسالة الدكتوراه قالت: تملكين فضولاً نقدياً لافتاً عليك بتهذيبه وتأصيله. واقعاً، اشتغلت على نفسي وقرأت ما راقني وما لم يرق من كتب النقد، وأيقنت ان فضولي المزمن لن يكفيه عمراً إضافياً أعيشه وأمضيه في القراءة لأعرف وأبلغ مرتبة اليقين بأن ما أكتبه هو نقد ناجز وصاف. لذا لا أعتبر ما أكتبه نقداً. هو ببساطة قراءات أو لنقل انطباعات وهواجس كتابية تورثني إياها نصوص روائية منها ما يستدرجني وفي أحيان اخرى أستدرج بعضها وفي الحالين أقبل على قراءتها بمثل شغفي القديم أستطيبه وأستجلب عبره الأنس اللذيذ الذي أدمنته زمن قراءاتي الاولى، فضلا عما بات يصاحبه الآن من تمعن وتفكر ومسؤولية أدرك تماماً دواعيها وأسبابها، وفي اعتقادي ان الكتابة النقدية المتمرسة تستلزم امتلاك خبرات جادة ومعمقة لا أدعيها لنفسي كما لا أفترضها للكثيرين من مدعيها، فالناقد الحقيقي فنان متعدد المواهب يتقن الكشف الفني إتقانه للعلم والمعرفة وإن خُيّل إليّ أحيانا ان الناقد يحسن الى هذا النميمة ايضا. أقصد النميمة الايجابية، الموظفة وغير المغرضة والتي لا تكذب ولا تنساق لغير الحق فلا تهادن سلطانا ولا ترتهن لغاية. هذا الوجه بالذات ما يحيد عنه النقد الادبي السائد حاليا، يجنح في معظمه، باستثناء بعض الكتابات الرائدة والرضية، نحو الاستسهال والارتجال أو التقليد والاتباع لغير مرجعيته الفكرية، الثقافية والاجتماعية قد يسقط عنها البعض جدوى خصوصيتها ويتفّه أهميتها بحجة سقوط الحواجز بين جهات الارض قاطبة، في زمن تحول فيه العالم الى قرية كونية واحدة تحكمها معايير وقيم إبداعية مشتركة، لا فرق فيها بين شرق وغرب أو جنوب وشمال. هذا توازياً مع ما نشهده اليوم من خفوت أحكام القيمة وانحسار سلطتها، وما يستتبعه من تهافت المعايير الفنية، حيث يجترأ على الابداع الادبي بمخالطته بما لا يقربه أو يدانيه، اذ يمضي كل يكتب على هواه، وينسب ما يكتبه الى جنس الرواية التي بشر »محفوظ« منذ ما يزيد على نصف قرن، بزهو زمنها يوم قال »بأنها شعر الدنيا الحديثة«. في هذا الصدد أود أن أسوق ملاحظة أخيرة، فما تشهده الساحة النقدية أو الادبية غير منقطع الصلة عن المشهد العام يتطابقان في سلبهما وإيجابهما، في سعيهما الانساني أو في غربتهما عن الانسان. شمولية أم جنسوية ÷ المتابع لما تكتبين يلحظ انهماكك بقضية المرأة وبكل ما يتعلق بهمومها وشجونها، فهل تطرحين نفسك داعية نسوية؟ { لست داعية نسوية على الاطلاق، بل اني على النقيض من هذا، من المناهضات للتيار النسوي المتشدد، أرى فيه انقلاباً على المقاييس واستبدالاً لواقع السلطة الذكورية المهيمنة بواقع سلطة بديلة ومشاكلة ان لم تكن أشد عسفاً واستبداداً وتفرداً من سابقتها. فضلا عن ذلك لم أقصر كتاباتي على النساء انحيازاً لهن، فقد تناولت ايضا نصوصاً روائية لكتّاب رجال، وإذ كانت قضية المرأة تشغلني، فلا يعني هذا استهتاراً أو تجاوزاً للقضية العامة، بالنظر الى ارتباطهما الحتمي على قاعدة ما تنشئه في العادة علاقة العام بالخاص والعكس صحيح. أطل على كتابات المرأة باعتبارها جزءاً من المشهد الادبي السائد، يسيطر فيه خطاب مستبد حول المرأة وتهيمن عليه أحكام متعسفة لا تلحظ الوجود الكتابي للمرأة تبقى مقصية ومهمشة ولا تستدخل في المواقع المركزية الادبية إلا بمقدار ما تنصاع لهذه الاحكام. هذا علما بأن بعض الكتابات الرائدة قطعت شوطاً بعيداً في الواقع. أبدعت فيها المرأة ما يفوق إبداع الرجل أحياناً ومع ذلك لم يتزحزح بعد الخطاب الشائع والمهيمن حولها. ÷ في كتابك »مؤنث الرواية« تسقطين عن الأدب السائد شموليته الانسانية وتؤكدين على عنصريته الجنسوية. كيف تسوغين ذلك؟ { على غفلة تامة بخصوصية التجربة الادبية الفنية المحكومة بشرط النوع، على قاعدته يتعين الاختلاف بين أدب امرأة وأدب رجل، باعتبار ان الادب مرآة الذات بما هو علاقة مع الذات. يسقط البعض عن الادب جنسويته ويجزم بأن إبداعاته لا تنتسب لغير الاصالة الانسانية لا نفرق فيها بين كاتب أو كاتبة. بهذه الذريعة الموهومة يعزو هؤلاء للأدب شموليته الانسانية ويبرئونه من عنصرية جنسوية تستأثر بأحكامه ومعاييره فتنتجها وفق ما تشاؤه الذكورة المتألهة والمتفردة، هي الاول والاصل ولها الامر والطاعة والغلبة، ولا مراء بأن شمولية الادب غاية إنسانية مبتغاة بحد ذاتها، إنما غير متحققة وستدوم كذلك ما دامت الانوثة فعلا منتقصاً وفرعاً ملحقاً أو تابعاً. أوضح فأقول استطراداً بأن قواعد اللغة ليست مجرد أحكام ملتزم بها في الكتابة والقراءة وحسب، بل هي قواعد تشريعية تحكم عيش الناس في اجتماعهم وثقافتهم وتفكيرهم، بمعنى انها جماع فكر أنتجها وعينها منهجاً للحياة. هذه الاحكام أفتت بها سلطة ذكورية متفردة ومهيمنة استأثرت بالملك فسنّت الشرائع ودونت التاريخ ووضعت أصول اللغة لتقيم الحد بين مقام النساء وجمعهن ومقام الرجال وجمعهم في اللغة والعيش على حد سواء. بين هذين الجمعين ثمة تمييز فاضح ابتنى البلغاء على أساسه تمييزاً مرادفاً بين ذكورة اللفظ وأنوثة المعنى، فضلا عن تمييز استتباعي آخر يفصل بين تعبير المرأة لا يجاوز الانشغالات الوجدانية وتعبير الرجل يرحب ويتسع هامشه ليطاول العالم بأكمله، على هذا النحو انسحبت سلطة الاحكام اللغوية على كتابة المرأة وحقوقها الابداعية ظلت مهمشة أو محكومة بالتماثل. فهل يصح بعدها القول بأن الادب منجز إنساني وشمولي؟ ثم أي شمولية ناقصة ومعطوبة هذه التي تنعدم فيها الثنائية الجنسوية وتقوم فقط على خاصية مفرد؟ ÷ تنفين عن الكتابة النسائية تعدد الاصوات، بل اكثر من ذلك تنفين عنها حتى الصوت الواحد (صوت الذات) كيف برأيك تستعيد المرأة صوتها في الكتابة؟ { في الكتابة، عموما ما تكتب المرأة صورتها لا ذاتها المكفوفة عنها منذ اختزلتها فتاوى السلطان الى مجرد رحم منجب أو »حيوان للمتاع والشهوة« بل منذ صدقت المرأة صورتها في الاسطورة الابوية، جعلت منها ضلعا اقتلع من أضلع آدم/ الرجل الذي أنجي من وحدته بأن سوي الضلع المخلوع بشراً يؤانسه، مذاك استلحق وجود الانثى في كل ما يتصل بها بوجود آدم/الذكر، منه أتت وعنه فاضت كينونتها الفرعية، ومذاك ايضا صودر تعبيرها وأمسى نطقها حراماً. أبكمت الاسطورة المرأة وأفقدتها ذاتها، صيرتها صورة بلا صوت ولا ذاكرة سوى ما يمن به عليها صوت الآخر وذاكرته، تتبع إملاءاته وعنه تحفظ معارفها في الحياة كما في الكتابة التي جاءت اليها المرأة من عتبة الظن الواهم بأفعال الذات الكاتبة، وفي جانب منها تبدو الكتابة ذاكرة الذات تستنبش ما تعرفه أو ما لقنته عن هذه الذات. نحن نتذكر أفعالنا ونؤسس عليها ما نريد استكماله منها تحقيقاً لكينونة كاملة غير منتقصة، أو نفكر في المقابل هذه الافعال حين لا تشبه توقنا أو تكفنا عنه، بتعبير آخر أفعالنا هي ذاكرتنا التي نسمع صوتها في الكتابة، وفي اعتقادي ان المرأة لم تؤسس بعد لذاكرة. بمعنى إرث كتابي مبرأ من غلّ الصورة وسلطة الصوت المحاكى وإملاءات الذاكرة الموروثة، أي انها لم تراكم من التجارب الكتابية المنقطعة عن تجربة الاتباع، ما خلا كتابات قليلة مضيئة تحررت من خوفها وعجمتها، ما يكفل لها تمثيلا فعليا مؤثرا في مواقع القرار، يلحظ خصوصيتها بحيث لا يجرؤ أحد بعدها على تهميشها أو إلزامها بالكتابة خارج الذات بصوت ليس صوتها أو بوحي من صورتها. ÷ في مقدمة الكتاب »مؤنث الرواية« ثمة اتهام للكتابة النسائية بأنها »شبهة كتابة« ألا ترين في هذا التعميم نزعة استبدادية؟ { »شبهة الكتابة« ليس اتهاماً، بل هو توصيف للكيفية التي يرى بها الرجل الى كتابة المرأة، لا تنفصل في نظره عن جسدها، بهذا المعنى تتحول الكتابة الى وشاية أو محل اشتباه يفضح منازع الذات الكاتبة تفصح في النص عن تمردها، فتدان نصوصها بجريرة الخروج عن طوع المعجم الكتابي المتعسف الذي حاصر طويلا تعبير المرأة واستبد بكتاباتها. الامر المفارق ان المرأة في المقابل ترى الى جسدها بعين الرجل لا بعينها فتكتب ما يشتهيه هو وما تظنه شهوتها، فنقرأ عن جسدها استظهارات »معلّمه« في كتابات تدعي ملكية ليست لها أو معرفة منحولة نشتبه بأصالتها بمعنى أمانتها التعبيرية في نقل خصوصية كاتبتها. هذا في الغالب على كتابات المرأة التي تستعير أدوات الرجل ومعرفته ولا تتجاوز فيها النقل والاتباع. في حال مشكلة وملتبسة كهذه تصبح الشبهة على ما أظن أمراً مسوغاً ومشروعاً طالما لا تبلغنا يقيناً ولا أمانة. ولا مكان فيها لما تسمينه تعسفاً واستبداداً، وربما كان الاستبداد الحقيقي هو المضي في التواطؤ والسكوت عن واقع »انكتابي« مكرس في الخطاب الذكوري المهيمن حول كتابة المرأة يبطن ازدواجية تبدي خلاف ما تضمره فتحالف بإبداعات موالية ومزعومة للمرأة وتغفل عن كتابات مضيئة تبدع اختلافها وتبشر بتهافت السائد وزواله. مثل هذه الكتابات الواعدة. أشرت اليها وذكرت، من باب التخصيص لا التعميم، في متن الكتاب كما في بعض المقاربات، أسماء كاتباتها يؤسسن لخطاب ينشئ ذاكرته، معرفته ويقول خصوصيته ترسُّماً لإبداع إنساني شمولي تأتلف أصواته حتى في اختلافها. الى ان يعم ذلك ويتحقق آمل ان يتحول الاستثناء قاعدة ويؤثر الخاص في العام، كما في أحيان مفارقة، فينجيه من خراب يشمل الاثنين.