ما هي العلة الفاعلة للحركة السياسية الراهنة في لبنان؟ وما هي العلة الغائية لهذه الحركة؟ من الناحية المنهجية لا يكفي السؤال عن العلة الفاعلة، لأنها لا تحيط بالعلاقة المتلازمة بين العلة والمعلول. لقد كان ذلك اعتراض الشيخ ابن سينا على تطبيقات منطق أرسطو في الميتافيزيقا، ولم يكتفِ ابن سينا في مقولة أرسطو الميتافيزيقية حول المحرك الاول الذي لا يتحرك، بل جعل من مبدأ الوجود، واجبا، وغاية، ومعشوقا في آن واحد. ثم تطورت هذه النظرية لاحقا عند الفلاسفة المسلمين، للقول بوحدة العلة والمعلول، وهو أمر على دقته، ورجاحته، خارج موضوع البحث، الذي نقصده في قراءة الحركة السياسية اللبنانية، على سؤال العلة الفاعلة، والعلة الغائية لهذه الحركة. العلة الفاعلة للحركة السياسية الراهنة في لبنان، يمكن حصرها وفق التيارات السائدة في هذه الحركة بالعوامل الداخلية والخارجية التالية: 1 قرار التمديد لرئيس الجمهورية في الانتخابات النيابية المقبلة، والسجال السياسي المزدهر بشأنها؛ توزع الحراك السياسي العام بين الموالاة والمعارضة، وهو توزع كان في مرحلة ما بعد اتفاقية الطائف متداخلا. ثم العامل الخارجي المتمثل بإشكالية الاصلاح السياسي وموضوع التنمية على المستوى العربي وفي الشرق الاوسط الكبير، وصولا الى طبيعة النظام الدولي الراهن وما ولده على المستوى اللبناني، من تدخلات سافرة، تمثلت في قرار مجلس الامن الدولي 1559... 2 امتلاك الموالاة والمعارضة، برامج معلنة لإدارة السلطات التي تؤول اليها، وتنفيذ عهودها التي انتخبت على أساسها، لأن »العهد كان مسؤولا«. 3 قبول الموالاة الجديدة، ما بعد الانتخابات، بحق المعارضة الجديدة، في ممارسة فعاليتها السياسية، لأن الديموقراطية، في مفهومها العام، تكفل حق الموالاة، كما تكفل حق المعارضة. 4 عدم اقتناص الفرص للانقضاض على الديموقراطية، او ما بات يعرف بممارسة الديموقراطية لمرة واحدة. إذا دققنا في هذه الامور اعلاه تتبين لنا اهمية طرح العلة الغائية الى جانب العلة الفاعلة، حيث تتبين العناصر المعوقة في العلة الفاعلة، باعتبارها ما تكشفه الغايات عن تهافت عناصرها، وهي في هذا الموقع، تتركز حول جانبين اساسيين: 1 التدخل الخارجي، المنوه عنه بالقرار 1559، باعتباره معوقا للقرار المستقل عند الموالاة والمعارضة على السواء. فإن ربط الغايات بالعلة الخارجية الفاعلة، يجعل من هذا المحرك الخارجي، غايتها ومعشوقها، وفق اصطلاح ابن سينا. 2 مسألة الاصلاح والتنمية، وتحدياتها، وهي الغائب الاكبر، على ما يبدو، عن برامج الموالاة والمعارضة على السواء، بل لعلنا نجد في هذه البرامج، ما يتجاوز مجرد التغيب وادارة الظهر، الى ما يشبه الموقف المعوق للاصلاح والتنمية من جراء التركيز على العامل الخارجي من ناحية، والى بروز مؤشرات، تزرع الريبة والشك في صدق النوايا حول موضوع الاصلاح والتنمية، في السجالات السياسية بين اطراف الحركة السياسية اللبنانية الراهنة، وعليه ينتفي موضوع الاصلاح والتنمية باعتباره علة غائية لها. كيف تتوزع قوى الموالاة والمعارضة الراهنة، من محركات العلة الفاعلة والعلة الغائية (وهدفها الاستقرار والتقدم او المصلحة اللبنانية في مكوناتها وأعرافها الاساسية)؟ لقد ركزت الموالاة على معوق العلة الفاعلة الخارجية، وتجاهلت معوقات الداخل، فأحاطت توصيفها لحركة الحياة السياسية في لبنان، باعتبار منشأ محركها من الخارج فيما سكتت المعارضة عن هذا المنشأ متراوحة في الأمر بين النفي والتأكيد (موقف وليد جنبلاط مقابل موقف العماد عون) وبررت ذلك بطبيعة تحالفها كجبهة عريضة، كما ركزت المعارضة على مفاعيل قرار التمديد وتشكيل الحكومة مقابل تركيز الموالاة على مشكلة التدخل الخارجي، وأهمية مقاومة القرار 1559. اذا كان من طبيعة السلطات ان تحذر دعوات الاصلاح، وهي في جوهرها دعوات لاصلاح السلطات القائمة، فإن برنامج المعارضة، جاء خاليا بدوره من هذا الشأن. وإذا أمعنا النظر، وجدنا في تركيبة المعارضة الراهنة، ما يشكل معوقا للإصلاح والتنمية في لبنان فهي تجمع قوى من اليمين (المحافظ غير الاصلاحي) ومن الطبقات السياسية ذات النفوذ العائلي شبه الاقطاعي المستمسك برؤية تشتط الى درجة التمييز الاجتماعي الثقافي الاقتصادي داخل المجتمع اللبناني، رؤية تتمحور حول المركز وتهمل الاطراف، هذا في أحسن حالها، تشاركها قوى من اليسار العلماني، التي لن تجد لنفسها مكانا في المجلس النيابي اللبناني القادم اذا كان قانون الانتخابات على اساس القضاء وفق النظام الاكثري. وهل تنبه هذا التيار داخل المعارضة الى مستقبله السياسي القريب؟ لا هو مقبول في اقتسام الجبنة، ولا معروض عليه شيئا من فتات مائدة الانتخابات. في ظل هذا التجمع المعارض، يلعب الاستاذ وليد جنبلاط، فيما يمثل دور الحلقة الرابطة. فهل تكون حصة جنبلاط هي حصة اليسار المشارك في المعارضة؟ وهل تمثل الرؤية الاستراتيجية لمستقبل لبنان عند قوى يمثلها الرئيس السابق امين الجميل، والعماد ميشال عون وآخرون رؤية هذا اليسار؟ ومتى كان هؤلاء حريصين على الديموقراطية في مفهومها الاحدث، ومتى كانت مسائل الاصلاح والتنمية، من اسباب حراكها السياسي وغاياته؟ ان القراءة المتأنية للخطاب السياسي عند بعض أقطاب هذه المعارضة يكشف عن اصولية سياسية مضمرة، تذهب الى نفي الآخر، وعدم الاعتراف به، والى امتلاكها وحدها قيما سياسية من نوع السيادة والاستقلال والحرية لا تتحقق عند غيرها. ولا نجد صعوبة في تلمس اتجاهات من نوع العسكريتاريا وسلب المواطنية عن الآخرين، ومجافاة فعالية المجتمع المدني عند كثيرين من اصحاب هذا الخطاب السياسي. لا يعني المشاركة في جبهة للمعارضة، وجود اصطفاء خالص في الخطاب السياسي لأطرافها، لكنه في المقابل، لا يستطيع ثوب اليسار الديموقراطي و»الاتجاهات الليبرالية المتنورة« وكذلك »الاشتراكية التقدمية« ستر المظاهر البائسة للاصولية السياسية والعسكريتاريا وارستقراطية النبلاء... وعليه فإن المعارضة تبدو متفقة على حاضر السياسة اللبنانية، مرشحة للاختلاف على المستقبل، فهل يمكّنها ذلك من ان تكون رافعة للنهوض؟ اذا كانت هذه حال المعارضة. فحال الموالاة اكثر عجبا! خاصة في الموقف من المسألتين الاساسيتين في نطاق العلة الغائية، وهما: الديموقراطية، والاصلاح والتنمية. انها في معارضتها للتدخل الخارجي، تقدم له على طبق من فضه كل اسباب تدخله، وذلك من خلال ممارسة السياسات الخاطئة. وهي في حراكها السياسي، تضيق الدائرة الى مستوى من النظر، يسمح لها بتجديد سلطاتها في الانتخابات القادمة. وتعلق على ذلك الآمال، ولا تعترف بالمعارضة إلا »كتحالف انتخابي موقت«. فالديموقراطية عندها فعل ساكن، لا يحمل معه موجبات التغيير، وقبل ذلك وبعده، موقفها من الاصلاح والتنمية باعتباره من نوع »لزوم ما لا يلزم« على جهلها بالأبعاد الفلسفية العالية للزوميات أبي العلاء المعري... ونجد في صفوف بعض الموالاة اتجاهات، تشارك على مستوى القيم السياسية، ما عند بعض المعارضة وبطريقة فجة يتصف بها عادة اثرياء الحرب الجدد ورغبة عارمة في مصادرة الحياة السياسية وقدرة فائقة على إشاعة الفساد الاداري واستغلال النفوذ وهدر المال العام. وعليه، سنجد تكتلا عجيبا خاصة في ما يتعلق بالغايات، ومفاده الاتفاق على قانون انتخاب يمنع حركة الاصلاح والتغيير ويعيد انتاج مجلس نواب نسخة طبق الاصل عن مجلس النواب الحالي. وعليه، تكون الطبقة السياسية، تعيد انتاج نفسها في الموالاة والمعارضة. (*) أستاذ جامعي