ينقل أحد أصدقاء الرئيس الراحل حافظ الأسد عنه أنه عندما زار موسكو للمرة الأخيرة في العام 1999، كان يدرك تماما كم تغيرت روسيا، الحليف السابق الطامح إلى نفوذ على المياه الدافئة للمتوسط. ولكن الأسد ذهب حينها ليقول وداعا لعالم عاصره ول»الأيام الطيبة خلال العصر الذهبي للاتحاد السوفياتي«، ولذلك وبعد أن أنهى الأسد لقاءاته السياسية (مع الرئيس الروسي بوريس يلتسين ) خرج على غير عادته من مقر إقامته في الكرملين متجها إلى شجرة »صنوبر« كان قد شهد زراعتها في السبعينيات قرب مقر إقامته المعتاد، ل»يقول وداعا لها، ولمرحلة سياسية كاملة معها«. والآن، بعد ست سنوات على ذلك الوداع، وإذ يقوم الرئيس الحالي بشار الأسد بأول زيارة له إلى العاصمة الروسية (في الرابع والعشرين من الجاري)، يتبادر إلى الذهن السؤال عما إذا كانت دمشق تحاول أن تستند في بناء مستقبل العلاقة إلى »الماضي العاطفي« بينهما. وفي هذا السياق تقول مصادر دبلوماسية روسية ل»السفير« إن الأسد أبدى حماسته الدائمة لزيارة موسكو، وقال مستجيبا لدعوة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في شهر أيلول الماضي »إن ثلج موسكو لا يخيفني«، في إشارة إلى شتاء موسكو القاسي في هذا الوقت من السنة. ويبدو أن ديون سوريا للاتحاد السوفياتي السابق لم تعد تشكل عائقا ايضا، إذ ستساهم زيارة كل من رئيس هيئة تخطيط الدولة عبد الله الدردري (اليوم)، ووزير المالية محمد الحسين (في الخامس عشر من الجاري) إلى العاصمة الروسية في وضع حل نهائي لهذه القضية. ووفق المعلومات المتوفرة لدى »السفير« فإن الديون السورية المترتبة التي تقارب ال12 مليار دولار سيتم دفعها بطرائق متعددة منها استثمارات داخلية للروس في سوريا، وتسديد جزء بشكل نقدي إضافة إلى تصدير البضائع السورية إلى روسيا. الزيارة ستكون »زيارة دولة«، وهي أرفع أنواع الزيارات الرسمية لدى الروس، كما أن »إصرار« الأسد على النزول في الكرملين فيه من الرمزية ما يغني معانيها. ويتضمن برنامج الأسد حتى اللحظة لقاءات سياسية واقتصادية مع المسؤولين الروس والجالية السورية، كما سيكون لعقيلة الرئيس أسماء الأسد برنامجها الخاص أيضا الذي ترافقها فيه زوجة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ويعترف الروس، ومن خلفهم السوريون، بأن هذه الزيارة قد »طال انتظارها« لدى الجانبين، إذ كان ضروريا منذ وقت طويل تنظيم لقاء »تعارف« بين رئيسي البلدين، خصوصا أنهما يتفقان على أغلبية القضايا »الإقليمية والدولية، ويمثلان بشكل أو بآخر امتدادا ذا وجه مختلف لحقبة سياسية مميزة«، إضافة إلى كونهما من الجانب الشخصي »غير أيديولوجيين، وارتبط مجيئهما للسلطة بحملات للإصلاح ومكافحة الفساد ومواجهة الكثير من التحديات الداخلية«. وتراهن المصادر على »الكيمياء الشخصية« بين الرئيسين ل»دفع العلاقات من فوق«. وترى المصادر أن لدى الجانب الروسي »رغبة جدية في انطلاقة جديدة للعلاقات، ولكن على أسس جديدة، وذلك مهما كانت العواطف التي نكنها تجاه سوريا كدولة صديقة وحليف سابق«، مضيفة أن »القطاع الخاص الآن هو الذي يدير العلاقات الاقتصادية ويبنيها على المنفعة المتبادلة (حجم التبادل التجاري بين البلدين 200 مليون دولار)«. وتلفت المصادر إلى أن »مصالح روسيا اختلفت الآن، والعنصر الجيوسياسي يفرض على روسيا حضورا في هذه المنطقة، وذلك عبر عقود اقتصادية تجارية ومشاركة في المشاريع الكبرى في سوريا والعراق وتركيا وإيران، ولكن ليس هناك توجه للاصطدام مع المصالح الغربية في المنطقة«.