As Safir Logo
المصدر:

القدر والإنسان القادر في الفكر الغربي

المؤلف: فراج عفيف التاريخ: 2005-01-07 رقم العدد:9989

ما هو القدر؟ ومن هو الإنسان القادر؟ في محيطه اللغوي الجامع »لسان العرب« لا يذكر ابن منظور فعل القدرة إلا ويسارع، بتأثّم باد، إلى قرنه باسم الفاعل أي »القادر« الذي هو الله وحده. »فإذا شاء الله شيئاً قدره« كما يقول، ذلك أنّ القدرة والقدر هما القضاء والحكم، الإرادة الإلهية ونفاذها. ولا يذكر ابن منظور في معجمه المشيئة والإرادة إلا ويسارع إلى التذكير بأن »كل شيء يتم بمشيئة الله« وأن من قال »ما شاء الله وشئت« يشرك بالله، لأنه يجمع إرادته مع إرادة الله، فحرف الواو يفيد الجمع ويلغي الترتيب، ولهذا وجب القول »ما شاء الله ثم شئت« بدلاً من »ما شاء الله وشئت« ذلك أن »تقدم الله على مشيئته من عداه«. ويفرغ ابن منظور في معجمه كلمة عبد من المضمون الاجتماعي الحصري ويشحنها بمضمون إطلاقي شمولي تصبح معه مرادفاً لكلمة إنسان. إنّ نقيض الإنسان الحر في رأي صاحب لسان العرب هو »المملوك«، ذلك »أنَّ العبد هو الإنسان بالمطلق، حراً كان أم رقيقاً، بمعنى أنه مربوب لباريه جل وعز« ولا يجوز لمالك المملوك أن يقول له »عبدي« أو »أمتي« لأن هذه الأسماء تتضمن الاستكبار عليهم ونسب عبوديتهم إليه، بينما مستحق العبودية هو الله وحده، وعليه بالتالي أن يقول »فتاي وفتاتي«. الله وحده إذن هو الملك والمالك، الإرادة والقدرة والمشيئة، والله ليس كلّي القدرة وحسب وإنما هو كلّي العلم أيضاً. وابن منظور يعبّر في معجمه المذكور عن وجهة نظر جبرية حيث يؤكد أن علم الله هو علم مسبق بمصائر البشر وهو بالتالي مقررها. فالله، يقول الجبريون »بلسان ابن منظور« »علم من البشر قبل خلقه إياهم وكتب فيهم علمه السابق وقدره تقديرا«. إنّ تعريف ابن منظور للقدر والقادر والمشيئة يوضح وجهة نظر الجبريين الذين نفوا عن الإنسان حرية الإرادة ونسبوا مصيره لأقدار جبارة تكتب على الإنسان قبل ولادته وتشرط وجوده. فالإنسان، من وجهة جبرية، ليس فاعلاً في كل ما يفعل بل منفذ لقضاء وهو ليس مشروعاً يكتمل في زمن مستقبلي مفتوح على كل الاحتمالات. وباختصار إنه لا يختار نفسه بالفكر والفعل بقدر ما يقرأ روزنامة عمره المبرمج بسبب القدرة. الإنسان إذن هو المكتوب وليس الكاتب، القارئ وليس المؤلف. وهذا المفهوم ساد الوعي الشعبي اليوناني، وانتقص من غنى ثقافة الإغريق، ووجد تعبيره النموذجي في مسرحية »أوديب ملكا« ل(سوفوكل) حيث نجد بطلاً محكوماً قبل ولادته بقتل أبيه والزواج من أمه. ولا ينجح أوديب في محاولاته اليائسة لتفادي قدره إلا بتحقيقه ولا يسعفه ذكاؤه الذي أنقذ المدينة من أبي الهول في إنقاذ نفسه من المصير الذي قدرته عليه الآلهة قبل ولادته. نكتفي بهذا القدر من الإضاءة للمفهوم الجبري للقدر وننتقل إلى إيضاح الموضوعة المضادة التي يتناولها هذا البحث، موضوعة الإنسان القادر. إنّ الإنسان القادر هو الذي استرد له أنصار الإرادة الحرّة قدرات وضعها الجبريون في قوى خارجية مستقلة عنه ومتعالية عليه. والذين تصدوا للتيارات الجبرية في الفلسفة العربية الإسلامية عُرفوا للمفارقة، بالقدريين، أي بالصفة التي ألصقها بهم أعداؤهم الجبريين بحجّة أنَّ أصحاب الإرادة الحرة »نفوا القدر عن الله وأثبتوه في أنفسهم«، وقد انحازت التيارات الغالبة والفاعلة في الفكر الغربي، منذ عصر النهضة الأولى في القرن الخامس عشر، لهذا المفهوم الإنسانوي الذي يموضع قدرة الله في الإنسان، ويجعل التكوين البيو نفسي و/أو الاجتماعي الثقافي، رديفاً للقدر الغيبي الخارجي. وقد عبّر تروتسكي عن موقف مبدئي صارم نموذجياً في انطباقه على الثقافة الغربية المعاصرة حيث قال معلّقاً على مسرحية »أوديب ملكا«: »لن نقبل بعد هذه المسرحية بتراجيديا، الله فيها هو الآمر والإنسان هو المطيع، وعلى أي حال لن يكتب إنسان بعد سوفوكل مسرحية تراجيدية كالتي كتب«. وقد دلل تروتسكي على صحة تصوره بالإشارة إلى مسرح شكسبير وغوته الذي نقل القدر من خارج الإنسان إلى داخله متخذاً شكل عاطفة كبيرة أو هوى عنيف يعصف بإنسان لا يسعفه العقل والإرادة والذكاء بما يكفي لضبط هواه والتحكم بمصيره. إذا كانت السمة المبدئية العامة للفكر الإسلامي هي الفصل والقطع بين المملوكية الاجتماعية المكروهة، والعبودية الدينية الإلهية المرغوبة، وإذا كانت العبودية لله السماوي الواحد تتضمّن رفض المملوك لكل أشكال مملوكيته الأرضية، فإن الاتجاه الغالب للفلسفة الغربية الحديثة بشقيها، الليبرالي البرغمائي (النفعي العملي) والماركسي الجدلي، اتخذ منحى مغايراً يتبدّى في تأكيد الفكر النهضوي الغربي على الترابط والتواصل بين العبوديّتين والمملوكيّتين، السماوية والأرضية، الدينية والدنيوية. تحالف الدين والدنيا وهنا، وقبل الدخول إلى عالم الفكر الغربي المتجاسر على السماء بلغة ونبرة قد تخدش سمع المؤمن المرهف ويعتبرها كفراً صريحاً، وعذري في نقلها أن ناقل الكفر ليس بكافر. في سياق تأكيد الترابط بين العبوديتين الأرضية والسماوية يقول هيغل: »الله يستعبد البشر بالموت، والسيد الأرضي يستعبده بالسوط« السماء إذن لا تحمل للعبد تحرراً أو بشرى »إنّ العبد المسيحي الراغب في نفي سيده الأرضي يلجأ إلى الله لكنه يجد فيه سيداً جديداً« ولا شكّ في أنَّ إدخال الله في اللعبة السياسية من جانب ملوك وبابوات وأرستقراطيين ادّعوا أنهم يستمدون شرعيتهم من الله هو الذي جعل انهيار المؤسسة الدينية وآلهتها يتواقت مع انهيار المؤسسات الاقتصادية السياسية الثقافية الإقطاعية. إنّ السياسة هي لعبة الحصول على القدرة، وبالتالي خاضت البرجوازية الأوروبية النشطة صراعها ضد سلطة الدين ودين السلطة، ضد الملك الإله والإله الملك. وقد اجتهد الفكر الغربي في دفع الإنسان إلى نفي أبيه السماوي وسيده الأرضي في آنٍ ليفوز بالدنيا التي كان البرجوازي الغربي يتذوّق متعها الوافدة مع الثورة الجديدة التي راكمها الاتجار مع الشرق ونهب مناجم القارة الجديدة (المكسيك، بيرو وفنزويلا خاصة). إنّ معظم فلاسفة عصر الأنوار والثورة الفرنسية والعقلانيين الألمان أمثال كنت (KANT)، وهيغل، وفويرباخ، وماركس، وفرويد وغيرهم يحدّدون الدين وعيا »بدائيا« »زائفا«، وعي اللاوعي على حدّ تعبير فويرباخ. وإذا انتفى الله كهدف انتفى الدين كوسيلة. ولا شكّ في أن البرجوازية الغربية لم تنفِ الله كهدف إلا لأنها أرادت القضاء على المؤسسة الكهنوتية التي نصّبت نفسها وسيطاً أو حداً بين البشر »الخطاة« والله الكلي الجبروت المتربص بكل من لا يصل إليه عن طريق الممر الإجباري الكنسي. إنّ المؤسسة الكنسية التي تاجرت بالأملاك والأرواح، وباعت أراضي الجنة بصكوك الغفران لكل القادرين على غسل خطاياهم وخطايا أمواتهم بالمال النقدي أو العيني، وجعلت من التفكير العقلي رذيلة والإيمان الأعمى فضيلة، وقاتلت العلم والعلماء، وأحرقت آلاف النساء بتهمة السحر والتواصل السري مع الشيطان (وهي ممارسة تابعها البروتستانت): هذه الطبقة الكهنوتية التي دفعت بالمستضعفين إلى الخضوع لقدرهم الاجتماعي ودعتهم إلى طاعة سادتهم طاعتهم لله، هي التي جعلت المسيح عير مسيحي وقوّضت عرش الله أكثر من أي فلسفة عقلانية ناقدة. ولأن المؤسسة الكنسية الإقطاعية كانت طرفا »رئيسا« في اللعبة السياسية، لعبة اكتساب وسائل القوة، فقد وجد فلاسفة عصر الأنوار في فرنسا (القرن الثامن عشر) أنفسهم ملزمين بأن يسقطوا قناع القداسة عن نجاسة السياسة، وحين قتل الفرنسيون ملكهم »المقدس« الملك الشمس لويس السادس عشر عام 1793، فإنهم لم يسقطوا عن العرش ملكاً فحسب بالمعنى السياسي الحصري، وإنما أسقطوا شكلاً من أشكال الوعي أيضاً، ذلك أنّ قتل الملك الإله كان يعني في الوقت نفسه قتل الإله الملك، وإسقاط تحالف الدين والدنيا، الخرافة والمظالم. هذا الحدث الفرنسي الذي اتخذ بعداً قارياً إنْ لم يكن عالميا جعل هيغل يقول: »إنّ فلاسفة الثورة الفرنسية هم الذين دفعوا الله دفعة واحدة وفي لحظة شاهدنا الله ملقى على الأرض«. وهو قول لا يخلو من المبالغة، وإن كنا نفهم الخلفية التاريخية التي صدر عنها. والحقيقة هي أن فلاسفة الثورة الفرنسية لم يستهدفوا أساساً قتل الآلهة أو قطع الرؤوس بمقصلة الإرهاب، وإنما استهدفوا أصلاً بناء العقول كي يمكنها أن تضرب بأجنحتها وتنعتق من المسبقات والأقدار الغيبية وإرهاب السلطة الفكري والسياسي لتفتح حواراً حاداً بين الإرادة الإنسانية من جهة وما يمتنع على هذه الإرادة من جهة أخرى، وهو توجه تتقاطع عنده تيارات الفكر الغربي الرئيسية المعاصرة من ليبرالية ووضعية وماركسية وعقلانية. وقد عبّر هيغل عن توجه الوعي الغربي إلى اقتحام السماء والارتقاء بالمخلوق إلى مرتبة الخالق حيث قال: »من طبيعة الإنسان المتناهي أن ينفي تناهيه ويصبح لامتناهيا«. وهو طموح قاله البابليون في ملحمة جلجامش 1500 ق.م.، قبل أربعة آلاف سنة من ولادة هيغل، لكنه طموح قطع الإسلام مسار تطوره، بينما تتابع وترسخ في الفكر الغربي مترافقاً مع تنامي قوة البرجوازية تنامياً لم ينقطع منذ أكثر من سبعة قرون. إنّ موضوعة هيغل الجدلية التي ينفي فيها الإنسان المتناهي تناهيه ليصبح لامتناهياً، أي إلهاً، تتكرر في مترادفات وتنويعات كثيرة في الفلسفة الألمانية أشهرها ربما إعلان نيتشيه »ان الله مات«. وهذا ما جعل الشاعر الألماني هاينه يقول: »الفرنسيون قتلوا الملك، لكن الألمان قتلوا الله«. بروميثوس وفاوست والحقيقة هي أن جريمة قتل الله يرتكبها الألمان كما يقول هاينه، كما لم يرتكبها فلاسفة الثورة الفرنسية، كما يقول هيغل، وإنما هي في الأساس من صنع البرجوازية الأثينية التي صنعت لأثينا عصرها الحضاري الذهبي في القرن الخامس ق.م.، وهو عصر بركليس. إنّ البرجوازية هي الفردية في أشكالها الإرادية الأشد تطرفاً. وهي الأنا الأنانية التي لا تتعايش مع أي سلطة دينية أو خلقية يمكن أن تحد من نزوعها العدواني لتأكيد الذات. إن الفكر الغربي النهضوي الإنسانوي، بشقيه الليبرالي والماركسي، يرى صورته في ثورة العملاق الأسطوري »بروميثوس« على الإله المستبد »زيوس«، ويتماهى في هدف هذا العملاق النبيل في نقل أسرار المعرفة مرموزة بسر النار، من الآلهة إلى الإنسان، كي يتمكن هذا الأخير من التأله. أثينا إذن هي بداية هذا التمرد البروميثي على الآلهة وأقدارها الظالمة. فهي المدينة الأولى التي شهدت كما قلنا ازدهار المجتمع والسوق وازدهار التبادل السلعي وتراكم المال، سلعة السلع، في أيدي الطبقة الجديدة المعادية للأرستقراطية التقليدية. إن فائض المال الذي راكمته البورجوازية الأثينية أولاً، والغربية لاحقاً، من الاتجار والاستيطان الاستعماري فتح مجالات الثراء وأطلق المطامح والشهوات داخل الجرم الإنساني الأصغر فانفتح وراح يزأر في وجه التقاليد الثقافية التي كانت تحد من طموحاته بشعارات من نوع »اعرف نفسك« أو »فكّر كبشر«. في سوق أثينا ولد الإنسان الاقتصادي النفعي وارتفع صوته ليحدث في أثينا بركليس ضجة في صف الفلسفة، مشوّشاً على أفلاطون وسقراط وأرسطو وفيتاغورس وأبيقور وزينون وعلى الثقافة اليونانية وقيمها الشرقية التقليدية. إن أثينا قدّمت النموذج المصغّر لأوروبا المتمدنة المعاصرة حيث يتجاوز الإبداع المتسامي بالجهد البشري إلى المستوى التقني الأعلى، مع مستوى خلقي بالغ التردي، وحيث يتحكم الكشف العلمي الإنسان الذئب، إنسان مجّدته أثينا القرن الخامس ق.م. والغرب المعاصر باسم الكفاءة والذكاء والطموح والنجاح. هذه البورجوازية التي خطت المسودة الأولى لديموقراطية الغرب المعاصر، ديموقراطية الأفراد المتساوين في الحقوق السياسية واللا متساوين اقتصادياً، هي التي أطلقت عصر النهضة الأولى في تاريخ أوروبا الحديث، بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر، في إيطاليا أولاً، ومنها إلى بقية القارة. وهي التي أطلقت ودعمت ثورة لوثر البروتستانتية في ألمانيا ومنها إلى بقية القارة، وهي التي أطلقت العقيدة القومية وكفت يد روما عن عائدات الكنائس »القومية« لتستأثر بها وتوظفها داخل كل أقطارها، وهي التي فجرت الثورتين الفكرية والسياسية في فرنسا القرن الثامن عشر، وأسقطت كل المقدسات والسلطات التي تدعي القداسة كما أسقطت آلهة ومذاهب دينية وأقدارا وملوكا وبابوات كان قد مضى على تحكمهم بالأرواح والأجساد عشرات القرون. »إنّ كل ما كان تقليدياً ثابتاً يطير ويتبدد كالدخان، وكل ما كان مقدساً بات يعامل باحتقار وازدراء«. لكن هذه الطبقة التي حركت السواكن وزلزلت الثوابت ونفخت في أشرعة الغرب دافعة بها إلى أبعد الشواطئ، كانت تنطوي على تخلف ماثل في تحويل كل العواطف والقيم والعلاقات الاجتماعية التكافلية إلى علاقات مالية صرف. ومن رماد المتحد الاجتماعي القديم انبعث »فاوست« ذلك الفرد المشتعل طموحاً لامتلاك العالم بمفرده بكل ما فيه من متسع وثروات تخاطب الحواس. ومن أجل هذا الطموح المستحيل يوقع مع الشيطان العقد الشهير الروح الأبدية مقابل السلطان الأرضي والمتعة الجسدية. وهكذا كان فاوست مخالفاً لموضوعة هيغل. فالبرجوازي لا ينفي تناهيه ليصبح لامتناهياً كالله، بل قوياً وشقياً ومشقياً كالشيطان، ومطامحه تتعدى حدود الأرض وتحني رقاب الشعوب بقوة السحر الجديد: سحر التقنية والعلم المسخر لتطويرها. لقد احتفل الأدب الأوروبي مرتين بشخصية فاوست: مرة في عصر النهضة الأولى على يد الشاعر المسرحي الإنكليزي مارلو معاصر شكسبير، ومرة أخرى على يد غوته في القرن الماضي، عصر الثورة البرجوازية الثانية عصر الثورة الصناعية. ذلك أنّ فاوست الأسطورة الجرمانية الأصل كان روحاً حيّة في عصر كل منها، وواقع العصر هو الذي دفع بالأديبين إلى استحضار روح فاوست. إنّ الغرب يتحدث اليوم عن المشروع »البروميثي« و»الفاوستي« وكأنهما مشروع واحد، هو مشروع الغرب الحضاري، رغم الفارق الهائل في الغايات بين »بروميثوس«الذي، بدافع حبه للإنسان، حمل إليه سر النار من مجلس الآلهة كي يدفعه إلى تجاوز بؤسه البدائي إلى حضارة تصنعها آلة معدنية تصهرها النار ويعطيها الإنسان شكل حاجته، وفاوست الذي استبدل كل المعارف الإنسانية بالسحر، بالتقنية، بالفن الأسود، يضع السحر في خدمة الأنا الحسية. ولا شك في أنّ فاوست هو الذي هزم بروميثوس في الممارسة التاريخية لدول الغرب الاستعماري. لنتجاوز هذا الاستدراك ولنحاول استبانة الأسباب التي يبرر بها الغرب المعاصر تأصله الثقافي في أثينا »بركليس« أي أثينا البرجوازية الأولى في القرن الخامس قبل الميلاد. فما هو القاسم المشترك الأبرز بين البورجوازية الأولى ووريثتها المعاصرة؟ برتراند رسل يقدّم لنا عنوان الإجابة عن سؤالنا: »في إيطاليا النهضة كما في اليونان القديمة، وُجد مستوى عال من الحضارة مع مستوى بالغ التدني من الانحطاط الخلقي. فالعصران يظهران أعلى درجات العبقرية وأكبر درجات النذالة، وفي المرحلتين لم يكن الأنذال والعباقرة على طرفي نقيض بأي حال، وفي العصرين ترافق ازدهار الفن والأدب مع الإجرام وذلك على امتداد مئة وخمسين سنة«. ولادة الفرد إذا كانت مضامين مسرح اسخيليوس وسوفوكل لا تسعف البرجوازي المعاصر في التأصل الثقافي، أكثر مما يسعفه هوميروس أو أفلاطون وأرسطو اللذان جعلا السياسة جارية في خدمة الأخلاق، إلا أن هذا السعف لا يخيب السفسطائيين اليونانيين الذين كانوا نتاجاً فكرياً مباشراً للتيارات المادية التي استحدثها التوسع الكولونيالي والتجاري وفائض عمل العبيد. إنّ الطبقة التي أفادت من تحول أثينا إلى إمبراطورية بعد انحسار المدّ الفارسي عن اليونان، وجدت العقل الماكر واللسان البليغ الحاذق في السفسطائيين، أولئك الفلاسفة الذين ادعوا أنهم امتلكوا حكمة العصر، وراحوا يعرضون العلم والحكمة للبيع في السوق التجاري الصاخب. وكانت سلعتهم المطلوبة الرائجة هي الخطابة وفن الجدل أي فن التأثير الديماغوجي المباشر في المواطنين الأحرار الذين منحهم دستور أثينا حق التصويت والنقاش والمشاركة في اتخاذ القرار. وكانت الغاية من فن الجدل والبلاغة الخطابية كما جددها السفسطائيون هي تعلم تحويل القضية الرابحة المحقة بالقوة إلى القضية الخاسرة بالفعل«. »إنّ السفسطائي تراسيماخوس يعرِّف العدالة بأنها »حكم الأقوى« »ولا شيء غير ذلك«. »فالطبيعة تنتدب الأقوياء للحكم وأي قانون وضعي يعترض على حكم الطبيعة باطل. فالقانون هو حق »الأقوى في الحكم«. وهكذا يسبق السفطائي تراسيماخوس ليس فقط الانتهازي الفلورنسي مكيافيلي الذي قال »إنَّ الحق هو القوة«، وإنما أيضاً الفلسفة الداروينية الاجتماعية التي اصطنعت في القرن التاسع عشر توازياً بين قانون الغاب، قانون البقاء للأصلح وقانون المجتمع. هذا عن العدالة، فماذا عن الحقيقة؟ يجيب زعيم السفسطائيين بروتاغوراس »ليس هناك من حقيقة موضوعية ثابتة ومطلقة فكل شيء نسبي، والحقيقة هي بالتالي ما يعتقد الإنسان أنه حق. وهذا يعني الانحطاط بالحقيقة الموضوعية إلى مستوى المصلحة الذاتية. لم تعد الفلسفة إذن هي حب الحكمة، وأداة البحث عن الحقيقة، ولم تعد الحقيقة هي الفضيلة والمثل الموضوعية الجامعة التي يحتكم إليها السلوك الفردي، ولم تعد السياسة هي فن إحياء المُثُل في الفرد والمجتمع، ولم يعد الله هو مجموعة المُثُل ومقياس الأشياء، »فالإنسان (الفرد) أصبح مقياس الأشياء كلها الموجود منها وغير الموجود«، كما يقول زعيم السفسطائيين بروتاغوراس، وهو معلم بركليس الحاكم. وبهذا القول ومثله كان السفسطائيون يشرعون لكسر كل قيد خلقي جماعي ورفع كل ضاغط معنوي تقليدي عن الإنسان الاقتصادي. إنّ مقياس بروتاغوراس النسبي والذاتي يجعل الفرد حراً في الاعتراف بالآلهة أو إنكارها فإذا اعتقد أنها موجودة فهي كذلك، وإذا اعتقد العكس، فالعكس هو الصحيح. لقد أعدم السفسطائيون المرجع الموضوعي للمعرفة ورموا كل شيء في ميزان التقدير الذاتي. إنها الأنا الفردية تُخضع العالم الخارجي لمعاييرها الخاصة المنحازة وتسقط مشروعية كل العوائق المعنوية التي تحد من ضراوة جورها. إنّ بروتاغوراس هو الأب الفكري لفاوست العدواني البرجوازي المعاصر الذي يطبع العصر بطابعه، وبروتاغوراس هذا يستبق ولادة الألماني فيشته الذي قسم العالم إلى اثنين: »الأنا« و»اللاأنا«. اللاأنا هو كل ما عداي، وكل ما هو خارج عن حدود ذاتي يصبح موضوعاً للتملك والاستعمال وتأكيد الذات. إنها ذات نيتشه الذاهبة إلى الحرب، لا دفاعاً عن قضية، فالحرب هي غاية تتجه إليها ذات تسعى لتأكيد شجاعتها وتفوّقها. إنه الجرم الفردي الصغير يفلت من مداره الكوني، يخرق قانون الانسجام في الطبيعة والجماعة ويحدث النشاز التصادمي بإرادة القوة كما عند نيتشيه وفيشته أو بقوة الفكرة كما عند ديكارت. إنّ ما سماه هيغل »مكر العقل« ليس في الواقع سوى قبول العقل بلعب دور الخادم للعواطف والأهواء والرغائب، وسطوة الهوى على العقل هي التي جعلت الشر الخلقي مبدأ التقدم التاريخي كما يلاحظ هيغل نفسه، ومن بعده انجلز. وكان اليونانيون قبل عصر بركليس وأساتذته السفسطائيين حريصين على ضبط هذا العقل المسيّر بالهوى وإبقائه في مداره المحدد على الانسجام مع اللوغوس، هذا الانسجام الذي تابعت البورجوازية خرقه باستمرار منذ نشوئها وحيثما وجدت بمبدأ السيطرة والإخضاع للطبيعة والبشر الذين أدركهم الفكر الغربي المسيطر وتقنياته وهم في وضع طبيعي. الإلحاد والإيمان لقد ردّد ماركس قول بروميثوس، ذلك المخلص الأول المصلوب على صخرة الإله الظالم »زيوس« »أنا ضدّ جميع الآلهة« معتبراً أنها صرخة الإنسانية المعذّبة بمجملها، لكن بروميثوس كان بالواقع إلهاً تنكّر لآلهة لا تتقن الإصغاء لعذابات البشر. لقد اشتهر عن ماركس قوله »الدين أفيون الشعوب« وحسب إنصاف المثقفين أن ماركس هو نبي الإلحاد المعاصر. والحقيقة هي أن الإلحاد والإيمان ترافقا في المسار التاريخي الواحد. إنّ صبر أفلاطون ينفد من الشعراء اليونانيين »الملحدين« وعلى رأسهم »هوميروس« ونفيه للشعراء المتعاملين بخفة مع الآلهة من »الجمهورية« مسألة معروفة. ولكن السفسطائيين الذين دخل معهم أفلاطون في جدل ساخن هم الذين نقلوا الإلحاد إلى المستوى الفلسفي. إننا نجد السفسطائي »كريتياس« مثلاً يحدّد وظيفة الدين الاجتماعية بالقول »الدين أداة تستخدمها الطبقة الحاكمة لتبقى طبقات الشعب في حالة خضوع لتشريعاتها وأحكامها«. وهو رأي يستعيده ماركس، وكثيرون قبله، بعد ما يقارب ألفين وثلاثمئة سنة. والمسافة نفسها تفصل بين بروديكوس الذي عرّف الدين بأنه »النتاج النفسي للتطور البشري« وفرويد. بل إنّ أفلاطون هو المؤسس لمفهوم فرويد عن الله بوصفه مجموعة مثالات ثقافية. إنَّ الموضوعة الماركسية القائلة بأن الإنسان هو الذي خلق الله على مثاله لا العكس، هي موضوعة عرفتها أثينا ثم روما. وإذا شئنا استعارة بعض مصطلحات فرويد الذي أراد تحرير الإنسان الجنسي لا الاقتصادي قلنا إنّ الذي خطّ مسار الفلسفة الغربية هو ابن يثور على أبيه السماوي ليقتله ويتزوج تلك الأم الغنية بالدفء والرفاه. إن الفلسفة اليونانية التي أسّس الغرب فيها بداياته تحمل بشكل جنيني بذور كل فكر لاحق. وفي ما يختص بموضوعنا نقول إن هذه الفلسفة تتكشف عن نوعين من الإلحاد أو الإيمان ما زالا يتعايشان ويصطرعان: إلحاد حسّي، نفعي، دنيوي، سوقي وسطحي وهو الذي أعطانا سفسطائيو أثينا مسودته الأولى التي تنطبق على تفاصيل الحياة اليومية في الغرب المعاصر، وإلحاد مثالي، فلسفي، جاد وعميق يدرك مخاطر سقوط الله عن عرش الوعي، فيبحث بالتالي، بكثير من الجد والعمق والقلق، عن ديانة إنسانية جديدة وبنية خلقية وإنسان أعلى يملأ الفراغ الممتد بين الأرض والسماء. وعنوان هذا التوجه الجاد هو قول نيتشه »إذا لم نجعل من موت الله انتصاراً متواصلاً على أنفسنا فسنندم على قتله«. ولا بدّ من التأكيد هنا على موضوعة هامة هي أن الإلحاد الفلسفي الإنسانوي العميق المتمرّد على الآلهة الظالمة على طريق بروميثوس، الرافع لمجد الإنسان في وجه قوى تذلّه تحت شتى العناوين القدرية، هذا الإلحاد الذي يبدأ بأثينا القرن الخامس، ويتواصل في مفكري وأدباء الثورات البرجوازية بدءاً بالقرن الخامس عشر مروراً بفلاسفة عصر الأنوار الفرنسيين وصولاً إلى الألمان فويرباخ وماركس ونيتشه وفرويد، إنّ هذا التيار الفكري الزاخر كان يعمل بنسب مختلفة وطرق متباينة على ابتكار النظم والبنى والقيم التي تقرّب السماء من الأرض والإنسان من الله. وهذا التيار الإلحادي الجاد والعميق، القلق والمقلق والخلاق في قلقه، لا يجوز أن يختلط في وعينا بإلحاد الأمر الواقع الذي يضرب مفاصل وتفاصيل الحياة اليومية في الغرب المعاصر. ويجب أن نعطي أذناً صاغية للنداء الذي كان »غارودي« قد أطلقه في السبعينيات والذي يستعيده (هارنيغتون) في كتابه الهام »Politics At Gods Funeral« نداء يدعو إلى حوار في العمق ينتج تحالفاً بين الملحدين الإنسانيين والمؤمنين الإنسانيين لمواجهة إلحاد الأمر الواقع الذي ينشره البرجوازي المعاصر عبر ثقافة التسلية الرخيصة والسلوك الأناني الغريزي التلذذي والربحي. وهي فكرة أشدد على ضرورة إعطائها القدر الكافي من التأمل والتفكر إذ لا بد من التمييز الواعي بين ما يعرف بدين العقل أو دين الطبيعة أو دين الإنسانية من جهة، وإلحاد الأمر الواقع الاستهلاكي من جهة أخرى. إن الإلحاد الفلسفي بشقيه المثالي والمادي هجس بتأسيس دين الإنسانية القائم على العقل بديلاً من المسيحية التي عرفتها أوروبا على مدى ألف عام وعُرفت بالقرون الوسطى طالب خلالها كهنتها بجعل العقل جارية في خدمة الإيمان. إن فلاسفة الثورة الفرنسية والفلاسفة الألمان لم يقتلوا الله بالمطلق، وإنما قتلوا الإيمان التقليدي بالله، والزندقة الفلسفية تكفر بصورة الجمهور عن الآلهة لا بالآلهة كما كان يقول اليوناني »أبيقور«. أما المهاتما غاندي فلخّص مسار بحثه عن الله بقوله »ظللت أربعين سنة أبحث عن الله قبل أن أكتشف أنّ الله هو الحقيقة«. »إنّ قتل الله لم يكن هدف الفلسفة، وإنما كان الهدف إحياء العقل الحر، وتنشيط الإرادة الواعية وبعث الضمير الشخصي الخلقي. وباختصار كان الهدف تحرير الإنسان من الشعور بالصغر أمام قدرة تتربص به، وقدر أعمى يترصده »إن القدر الأعمى« يقول مونتسكيو، »لا يمكن أن يحدث موجودات عاقلة«، وبالإضافة إلى هذا كان فلاسفة الأنوار الفرنسيون (فولتير، روسو، ديدرو، هولباخ وغيرهم) يؤكدون أن هدف الفلسفة الأساسي هو الانتقال بالوعي من ملكوت الله إلى ملكوت العقل، والانتقال بالحكم من نظرية الحق الإلهي إلى الحق الفردي. ولأن الكنيسة زجت بدينها وكهانها إلى جانب الملوك وحقهم في حكم تجعله المباركة الكنسية مقدساً ومطلقاً في استبداده، رفع فلاسفة الثورة الفرنسية شعار »شنق آخر ملك بأحشاء آخر كاهن«. لقد نقض هؤلاء الفلاسفة الدين المسيحي بالدين الطبيعي (Deism) واستبدلوا عبودية الأقدار بقوانين الطبيعة التي تحدّد للكون آلية حركته، وسخروا من عقيدة الثالوث المسيحي واستبدلوها بمبدأ الإنسان العاقل، المتكامل، المتوحد، المتصالح مع طبيعته والطبيعة الخارجية، ونقضوا عقيدة التقشف الكنسية التي بشّر بها كهّان يدعون إلى التقشف ولا يتقشفون بمبدأ حرية تفتح الشخصية العقلي وتحقق الرغبة والفرح عبر الجسد بصدق وبساطة وعلنية تسقط النفاق الخلقي المقيم. وباختصار، كانت مهمة فلاسفة الأنوار تستهدف تحرير العقل أولاً من ثقل التقليد الديني انطلاقاً من قناعة مشتركة لديهم بأن »الأفكار الدينية والقدرية هي الأعمق تجذراً في الوعي، وهي لذلك الأشد خطراً والأفدح ضرراً. وفي حماستهم للعقل رفضوا كل معتقد يصله الإنسان عبر دروب تشتقها العاطفة أو الإيمان. فالدين ليس عاطفة أو إيماناً وإنما هو عقل يقول هيغل، والإيمان ارتهان والعقل استقلال، وهيغل المتأثر بعقلانية عصر الأنوار يقول في هذا المجال قولاً مزلزلاً: »إذا كان الدين يحدد كعاطفة خضوع وتعلق وارتباط بإرادة خارجية (Dependence) فالكلب إذاً هو المسيحي الأفضل«. وعلى طريقة فلاسفة الثورة الفرنسية يرفض هيغل عقيدة الثالوث ويحل ثنائية الأب والابن في الإنسان المقدس، ويعلق الشاعر الألماني شيلر على فلسفة هيغل بعد قراءتها قائلاً: »أدركت بعد قراءتي لهيغل أن الله ليس هو الذي تحدثني عنه جدتي بل إنني أنا على هذه الأرض الله« وقد ترك هيغل في ماركس الأثر الذي يتركه عادة المعلم الموسوعي المنهجي في تلميذ متميز مبدع. الإنسان الكامل لقد تشارك كل من هيغل ونيتشه وماركس وكومت وفولتير وروسو وتروتسكي وفويرباخ وبرودوك في القناعة بأن الإنسان الكامل لم يوجد بعد لكن كل واحد سيصبح كذلك وكان شعارهم »أيها الإنسان كن ما لم تستطع أن تكونه بعد«. إن أوغست كومت مؤسس الفلسفة الوضعية في القرن الماضي قد دعا إلى تحويل كل الكنائس إلى أكاديميات تدرس دين الإنسانية المتألهة بالعقل العلمي وكان طوباوياً إلى درجة التنبؤ بأن العالم الوضعي سيبشر بالعلم الجديد في كنيسة نوتردام قبل عام 1860. أما فويرباخ الألماني الذي تأثر ماركس بنظرته إلى الدين فقد قال »إن إيمان الفرد بنفسه سيحل محل الإنجيل، والسياسة محل الدين والأرض محل السماء، والعمل محل الصلاة، والإنسان محل المسيح، ولا جهنم إلا على هذه الأرض، وضدّ هذه الأرض الجهنمية يجب أن نجري الكفاح«. أما ماركس فقد اعتبر الدين وعياً مقلوباً لعالم مقلوب، وكان هدفه إيقاف المجتمع المقلوب على قدميه كشرط مسبق لاستقالة الوعي. وكان العقلانيون يقولون عن الإنسان المؤمن بقدر غيبي انه إنسان يفكر بقدميه ويمشي على رأسه »إن كل ما يعطيه الإنسان لآلهته« يقول ماركس »يفقده من ذاته«، وماركس لم يكن معنياً بالنضال الإلحادي ضد أشباح الأفكار، وإنما ضد العالم الواقعي المولد للأشباح. فالدين كما يقول، هو الكمال الوهمي لمجتمع ناقص فعلاً، إنه قلب عالم لا قلب له، وروح عالم لا روح فيه، إنه أفيون الشعوب«. لكن الأفيون هو مسكن الوجع وليس الوجع، والدين لا يمكن قتله فإما أن يموت بشكل طبيعي ودون ضجة وإما أن يبقى على مسرح الوعي لعجز الإنسان عن الانتصار على نقائص تكوينه الذاتي و/ أو نقائص وجوده المجتمعي الموضوعي. وقد عبّر تروتسكي بأسلوب شاعري عن حلم الاشتراكيين المثاليين، وربما كان الشيوعيون أكبر الحالمين بينهم، بجنة اشتراكية أرضية تصنع إنساناً جديداً من مادة ثقافية جديدة وفي إطار كل الانعتاق الاقتصادي الاجتماعي السياسي الكامل وتتنبأ مخيلة تروتسكي بالشكل الذي سيكون عليه إنسان المستقبل الشيوعي كما يلي: »سوف يصبح الإنسان أقوى وأعقل وأرهف بما لا يقاس وسوف يغدو جسمه أكثر تناسقاً وحركاته أحسن توازناً، وصوته أكثر شجواً وسوف تكتسب أشكال وجوده صفة درامية عميقة وسوف يكون الإنسان المتوسط الذكاء في مستوى أرسطو أو غوته أو ماركس وفوق هذه الذرى سوف ترتفع قمم جديدة«. إنّ هذا الحلم بعالم واقعي مثالي يجعل الدين فائضاً عن الحاجة، عالم يحل العالم محل الكاهن، العقل محل الإيمان، الإرادة الشخصية مكان القدر، هذا الحلم شكل ولم يزل إنجيل حضارة تعهد البورجوازي ثم الماركسي بناءها، كل على صورته. ومن السهل القول إن الواقع الذي عاشه ويعيشه الغرب بشقيه الاشتراكي والرأسمالي لا يعطي الحلم مصداقية كافية. فالعنف المدمر الذي مارسه الغرب في سلسلة طويلة من الحروب بينهما حربان عالميتان قد حوّل الحلم إلى كابوس، كما أن الآفات الاجتماعية ومأزق الفراغ الروحي الذي يعانيه الغرب يجب أن يدفعنا إلى الانصراف نهائياً عن تقليده وخلق حضارة إنسانية جديدة تستوحي ثقافتنا وقيمنا الإنسانية وعلاقاتنا الاجتماعية التكافلية كما يقول فرانز فانون. إنَّ نقدَنا للغرب له مصداقيته التاريخية والواقعية، والغرب على كل حال ينتج ثقافته الناقدة لذاته ومن السهل الطعن في الجزء الميت من جسد الغرب العملاق، ومن السهل القول إن الحلم الغربي بتقدم ثابت نحو المطلق يصنعه العلم والتقنية، العقل والإرادة الحرة وإنسان إله يملأ الفراغ الممتد بين الأرض والسماء، من السهل القول إن هذا الحلم الغربي هو حلم ليلة صيف بدّده نهار التاريخ المحرور. لكن التحدي الصعب الذي يواجهنا نحن أبناء هذا العالم المصاب في أكثر من مفصل، التحدي، هو أنّ ننهض لنقدم البديل الحضاري على أرض الواقع. إنّ الاستجابة للتحدي الذي يطرحه الغرب على العالم لا يكون إلا بتوليد الإنسان الجديد، في إطار مجتمع جديد حرّ موحّد. عندها فقط نثبت فعلاً الموضوعة القائلة انّ ثقافتنا هي عماد حضارة المستقبل. وإن لم ننجز هذا المشروع الحضاري على أرض الواقع التاريخي فسيقول الغرب عنا: »إنَّ الشرقيين لا يحلمون حلم ليلة صيف واحدة، وإنما يغطون، من جديد، في أحلام ألف ليلة وليلة«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة