كان انطون المقدسي في الثانية والثمانين حين قال إنه وقد بلغ هذه السن فإن الموت لا يثير فيه اي انفعال. إذا كان موت الآخرين يهزه الا انه لا يفكر بموته الشخصي على هذا النحو. ما الحياة بالنسبة له سوى مشاريع ومشاريع ثقافية بالدرجة الاولى. كان المقدسي ينحّي سؤالاً كهذا لم يجد له وقتاً بعد، فالارجح انه يكره ان يسأله احد عن موته وكأن لم يترك له العمر ما يفعله سواه. مشاريعه الثقافية تستغرقه ولا تترك له فرصة للتفكير بالموت. لعل الموت سرقه وهو في غمرة انهماكه. اما ما يستغرق المقدسي كل هذا الاستغراق فليس كما يخطر لاول وهلة الكتابة والتأليف، فهذا المعلم الحقيقي لم يضع كتاباً واحداً. لقد أمضى حياة سقراطية في القراءة والتفكير والنقاش والسؤال والجواب. كان مشروعه الذي لا ينتهي هو أن يفكر ويعرف ويكثر من التأمل والمعرفة. مشروعه الثقافي كان الثقافة نفسها بلا حاجز، او كان مشروعه الثمين ان يلحق ما يحدّ، وان يعرف الواقع المتغير لنفسه وإنسانه ولحظته وعالمه. لم يضع المقدسي كتاباً، كان كتابه مكنوزاً فيه، بل كان في نفسه كتاباً مفتوحاً ومن حضره قرأ واستزاد وسأل وتلقّى جواباً. من حضر وسمع فكتاب المقدسي في رأسه، بل إن رأسه »كتاب الكتب«. وأما وقد رحل فإن التراب الذي يحويه سيحوي مكتبة ومحاكمات وخرائط فكرية وعوالم وخطابات، سيحوي »مشروعاً« بل مشاريع ثقافية كاملة، فالرجل الذي كان يجمع في حديث واحد افلاطون وهيديغر وبارت وبيكاسو وشوينبرغ وادونيس، والذي كان ليله ونهاره يعلم حق التعليم ويمنح افكاره لكل طالب. هذا الرجل سيُدفن ككنز وسيترك بعده حلقة من الذين حفظوا علمه وربما دوّنوه. لكن أمثال المقدسي يعرفون ان الوريث الحقيقي هو المجتمع وثقافته وما لم يقم المجتمع وثقافته بما تنزل إليه من افكار وتجارب فلا امل ولا مناص. وسيان عندئذ ان يبقى الكلام طي الصدور او طي الكتب. الأرجح أن المقدسي في ثمانيناته لم يسترح وظل يزداد نقدية واستنارة. كان يتجاوب مع الأكثر طليعية، ويتبنّى الأطروحة الأكثر جذرية ويذهب إلى أبعد في نقده للعقل الديني والبدوي والعربي. كان في هذه يشعر بأن مدننا تدار بعقل البداوة وبمثالات نازية، كما يشعر بأن العرب اطرّحوا الى أمد غير منظور كل عقل نقدي وأنهم تركوا أمورهم وزعماء مصادفات. كان يحدّث بذلك في أحاديثه ولقاءاته وكتاباته ومداخلاته وفي هذه السنّ كتب بعض قطع احتجاج فريدة، في هذه السن ازداد صلابة ونقدية. الأرجح أن المقدسي الذي لم يشعر بالموت الشخصي ما كان ليهتمّ بالثقافة كحدث شخصي، كمؤلف فردي وكتاب خاص. كانت الثقافة بالنسبة له عقل المجتمع وسلوكه ومساره، لذلك لم يعنه كثيراً أن يدفن أفكاره في كتاب لا مجتمع له ولا قراء. ربما لذلك آثر الطريقة السقراطية، أن يعلّم ويتعلّم ويتساءل ويفكر في الهواء الطلق والعلن والملأ. فعل ذلك بوفرة وزرع أسئلته وأفكاره حيث استطاع. كان يزداد اعتراضاً وسلبية لكن أيضاً تجاوباً مع أفضل ما في عالمه. وفي الثمانين استحال المقدسي نوعا من نبي مرجوم، من معلم بلا مقعد، ومن صائح في الريح. لكن من قال إنه زرع حقاً في الريح، نعرف أن أكثر الفاعلين في ثقافتنا اجترحوا ذلك بحضورهم المباشر وتعليمهم وكلام فمهم ومداخلاتهم. لن نسمّي. لكن ابن يبرود المولود 1924 هو من هؤلاء الذين خلقوا بحضورهم فضاء أوسع من ذلك الذين كان يمكن أن يخلقوه بكتابهم. كان سقراط وأفلاطونيوه كثراً، بل ان أفكاره عن اللغة والتراث والعقل العربي المعاصر نجدها مبثوثة في كتب شتى، إنها دعوة أكبر من أن يحتملها كتاب وأن يحتملها رجل واحد، وقد قام المقدسي بها وتركها في هواء ثقافتنا ومسارها. الفتى الذي ذهب من يبرود إلى باريس وعاد إلى دمشق، عرك السياسة وقتاً ثم تركها نهائياً الى الثقافة. درس الفلسفة وأدار في وزارة الثقافة برنامجاً ثرياً للترجمة كوفئ بطرده من الوزارة، كان شيخاً ومعلماً وأباً للثقافة في سوريا وبعد رحيله ولو في هذه السن نشعر نحن مع المثقفين السوريين بشيء من البرد، بشيء من اليتم.