As Safir Logo
المصدر:

ليست رواياته كلّها تاريخية إلاّ أنه يقرأ التاريخ على أنه رواية بنسالم حميش: أدخل الرقيب في السرد فيغدو النص الغائب أفدح

المؤلف: جرجورة نديم التاريخ: 2005-01-04 رقم العدد:9986

منذ العام 1990، حين كتب روايته الأولى »مجنون الحكم« وأصدرها عن »رياض الريّس للكتب والنشر« بعد فوزه عنها ب»جائزة الناقد للرواية«، غاص الكاتب والباحث الفلسفي والأستاذ الجامعي المغربي بنسالم حمّيش في عوالم إنسانية متفرّقة، محوّلا الألم الفردي إلى قراءة مُعمّقة للواقع الجماعي، ونابشاً فصولاً من التاريخ لإضاءة أزمة الحاضر، ومستعيناً بالفلسفة والنثر الأدبي لإماطة اللثام عن البشاعة والقهر والانكسار. بلغة روائية متناسقة في سياقها الحكائي، وبشخصيات مأخوذة من التاريخ والذاكرة أو مصنوعة من الواقع والآنيّ، وبمناخ إنساني مشبع بالوقائع ومكتوب بسلاسة، أنجز حمّيش عدداً من الروايات المتنوّعة المواضيع والمتشابهة في التزامها همّاً إنسانياً يعيد صوغ الماضي كأنه جزء حيّ من الحاضر، ويبلور الحاضر كأنه انعكاس لرؤية المقبل من الأيام. من هذه الروايات: »محن الفتى زين شامة«، »سماسرة السراب«، »العلاّمة« (»جائزة نجيب محفوظ للرواية« في العام 2002)، »فتنة الرؤوس والنسوة« وغيرها، وصولاً إلى جديده الأخير »أنا المتوغّل« الصادر حديثاً عن »دار الآداب« في بيروت، مُتضمّناً مجموعة قصص تؤلّف في النهاية رواية عن القمع والمعاناة الفردية، مغلّفاً إياها بنماذج بشرية بدت وكأنها طالعة من عمق التاريخ العربي على الرغم من أنها حاضرة في الآنيّ. في العام 2003، نال حمّيش »جائزة الأونيسكو« في الشارقة، وبين الرابع والسادس من كانون الأول الفائت شارك في الندوة الفكرية التي نظّمتها المجلة الكويتية الشهرية »العربي« في الكويت بعنوان »حوار المشارقة والمغاربة، الوحدة في التنوّع«، فالتقته »السفير« على هامشها في هذا الحوار: ÷ ما الذي دفعك إلى كتابة رواية، وأنت الباحث والمفكّر والأستاذ الجامعي المتخصّص بالفلسفة؟ { لستُ أول من أجرى هذا الانتقال، إذ سبقتني أسماء مهمة ومعروفة عالمياً، كألبير كامو وجان بول سارتر ومارغريت يورسنار وهي فيلسوفة بتكوينها. القائمة تطول. هذا تبرير أول. أما التبرير الأعمق فكامن في رؤيتي أن الأدب عموماً، والرواية خصوصاً، أقدر على تشغيل قيمة الجمال وإشاعتها عبر ممارسة الكتابة الإبداعية. الرواية عندي، وهذا كلام قاله مُنظّرون قبلي، تعطي مساحة أوسع لحرية القول والتخييل بحيث أنها تفلت من قبضة المفهوم والمصطلح في الفكر الفلسفي والنسقي. اقتنعتُ بهذا منذ الثمانينيات عندما صرتُ أقرأ بنهم كبير أعمال دوستويفسكي وتولستوي بالدرجة الأولى. رأيتُ أن أساسيات الفلسفة الوجودية كلّها موجودة في أعمال هذين الروائيين الروسيين، واعتبرتُ أنهما يُعبّران عنها بشكل أنجع وأبلغ من فلاسفة الوجود الذين يظلّون يشتغلون في إطار المفهوم والنظريات. في الأحوال كلّها، لا أعتبر أن هذا التحوّل من الفلسفة إلى الرواية يحدث بمحض الاختيار والمداولة أو ما إلى ذلك، بل يفرض نفسه على المُبدع بشكل أكاد أقول إنه قسريٌ أو عفويٌ. هذا ما حصل لي بالفعل، مع الإشارة إلى ما ذكرته أعلاه أيضاً. السرد والشعر ÷ قلتَ إن الرواية »تعطي مساحة أوسع لحرية القول والتخييل«. ماذا عن الشعر وأنت كتبتَ بعضه، خصوصاً أن »مجنون الحكم«، روايتك الأولى، بدأت كقصيدة؟ { أقول هذا بعد أن جرّبته. إنه موقف لا ألزم أحداً به، و»كلٌ مُيسّرٌ لما خُلق له«. من باب تجربتي الشخصية، وفي ما يخصّ »مجنون الحكم« التي بدأت قصيدة لا أزال أحتفظ بها وقرأتها في مهرجان شعري في المغرب، شعرتُ أن القصيدة، التي أتحدّث فيها عن هذه الشخصية التراجيدية (الحاكم بأمر الله) وأتخيّلها، تضيق بها ولا تتسع لكثافتها ولعمق الأحداث الجارية حولها ومعها. بدتْ القصيدة لي طنجرةً تغلي وتفور وتكاد تنفجر بفعل ضغط المكوّنات كلّها التي تحيط بشخصية الحاكم وبعصره. هذا ما دفعني إلى الرواية، إذ رأيتُ أنها تمنحني مجالاً أوسع للتنفّس ولترجمة غنى هذه الشخصية وعمقها، وما يحيط بها. النَفَس الشعري ظلّ يصاحبني في لحظات معينة في السرد الروائي. هناك نصوصٌ في الرواية أقرب إلى الكتابة الشعرية منها إلى الكتابة النثرية أو السردية، وهي مرئية يُدركها القارىء عندما يقرأ الرواية في مجال شعري خصوصي. ÷ »أنا المتوغل« قراءة في حكايات أناس مُعرّضين للقمع. يُمكن قراءتها كمجموعة قصص مُنفصلة/مُتّصلة بمعنى ما، ويُمكن اعتبارها نصّا روائياً متكاملاً، فهي مكوّنة من حكايات تُشكّل رواية. { يحمل كتابي الأخير عنوان »أنا المتوغّل وقصص فكرية أخرى«. محقّ أنت حين تقول إن هناك قراءتين لهذا النصّ: الأولى تجزيئية، إذ يُمكن للقارىء أن يبدأ بقراءة قصة وينتقل إلى أخرى من الوسط إلى البداية، أو من النهاية إلى الربع الأول من الكتاب. لكل قصة استقلاليتها. لكن، في آخر المطاف، يُدرك القارىء أن هناك خطّاً رابطاً بين كل ما ورد في هذا النص من قصص (أي القراءة الثانية). ركّزتُ على أنها قصص فكرية، فهناك فكرٌ وفلسفة وراء هذه القصص كلّها، لكن من دون أن يظهر الفكر في الواجهة بل يبقى مُبطّناً. قيل لي إنها تسمية تُستخدم للمرّة الأولى. القمع كمادة روائية ÷ بعض رواياتك السابقة مهمومة بمسألة القمع، ومكتوبة بشكل فانتازي، خصوصاً في »مجنون الحكم« و»محن الفتى زين شامة« و»سماسرة التراب« و»العلاّمة« وغيرها. { هذا الموضوع/التيمة حاضرٌ بقوة من بين مواضيع/تيمات أخرى لا أعتقد أنها تختزل كل الأوتار. هذا الوتر موجود وبشكل متواتر وكثيف في الأعمال كلّها التي ذكرتَها. القمع أنواع وأصناف: هناك قمع ذاتي تمارسه الشخصية على نفسها بسبب مكبوتات ومحظورات، وتغليب المراسة والعقاب المنظّمين من طرف المجتمع والدولة على جانب الجرأة والجهر بالحقيقة وممارسة الحرية، إلخ. هذا مجال يظهر في القمع الذاتي المرتبط بالقمع الذي يلاحظه كل مواطن وإنسان يعيش في مجتمعاتنا، ويتجلّى في أصناف التحكّم والاستبداد والعسف. هذه مظاهر لا تحتاج إلى برهان عليها أو التعب في إظهارها، فهي مُقترنة بطبيعة المؤسّسة السياسية ومظاهر التقليد في مجتمعاتنا العربية. إن تشريح هذه الظاهرة يجعلنا نفهم آلياتها وأدواتها. الفهم مفتاح المعرفة، والمعرفة مفتاح محاولة تخطّيها (الظاهرة) أو تجاوزها. ثم إن المغلوب على أمره أو المنكسر أو المقموع في الأحوال كلّها له وسائله الخاصة كي يُخفّف عن النفس عندما تتعرّض للقسوة أو القمع، وذلك من باب الباروديا والسخرية والنكتة، وهذا خيط رفيع في أعمالي الروائية كلّها التي ذكرتَ. هناك فصلٌ كاملٌ في »مجنون الحكم« مثلاً عنوانه »بين النكتة والانتقام مصر تحترق«، رويتُ فيه حكاية إقدام المنصور على إحراق الفسطاط، بعد إدراكه أن المصريين يُنكّتون عليه ويسخرون منه في بطاقات التقطها وهو يجوب الدروب ويتجوّل في الحارات على حماره »القمر«، فظنّ أنها طلبات وشكاوي لكنها كانت كلّها عبارات شتم وقدح وتقريع خاصّة به كخليفة وبأنماط حياته وعلاقاته بالرعية والمحكومين وغيرهم. هناك مسألة أخرى أتوقّف عندها أيضاً: العلاقة بين القمع والترياق، الذي هو الهزل والنكتة. أعتقد أنها (أي العلاقة) من خاصيّات الكتابة الروائية المُتميّزة، بحيث أنه لا يلزم اللعب على وتر واحد فيكون كلام على القمع من أول الرواية إلى آخرها، كأنه يُمكن تعليب الإنسان وقهره إلى ما لا نهاية. أرى أنه في أقصى حالات القمع والقهر يُمكن للذات البشرية والإنسانية أن تُظهر مطاطيتها (أي أنها مطّاطة) بحيث تنفلت بشكل أو بآخر من قبضة القامع القاهر في شخص الحاكم بأمر الله في »مجنون الحكم«، أو السلطان برقوق في »العلاّمة«، أو السلطان فرج ابنه. هناك شخصيات قامعة أخرى وضعتها أنا ولم أقتبسها من التاريخ لأنها ليست موجودة فيه، كما في »فتنة الرؤوس والنسوة« و»محن الفتى زين شامة« مثلاً. ÷ في قصص »أنا المتوغل« هناك شكل لافت للنظر: نقاطٌ كثيرة ونصوصٌ بدت كأنها مبتورة. كما لو أن القمع لا يتّخذ فقط مادة السرد بل شكله أيضاً. { وضعتُ نفسي موضع الرقيب الذي يستعمل المبضع أو المقصّ، وهي تجربة في الكتابة لا أعرف ما إذا استعملها أحدٌ ما قبلي. هذه طريقة للقول إني أدخلتُ الرقيب في فضاء السرد الروائي، محاولاً بها أن أستثير خيال القارىء لأذهب به عبر سردي إلى الحافة فأتركه يتخيّل ما اكتفيتُ أنا بالرمز له، وله كامل الحرية في القول إن هذه النصوص غير الواردة، أي الغائبة، ربما تكون أفدح وأقسى مما قرأه. استعملتُ هذه الطريقة للتجريب، علماً أن السياق يُبرّرها. كل شخصية من شخصيات الرواية مُطالبة بأن تحكي قصة، على أن تُصوّر وهي تُروى كي تُقدَّم للجنرال مُسجّلة على أشرطة فيديو، فإذا فرَّجت عن كربه وأضحكته وأفرحته أمَرَ بإطلاق سراح من توفّق بهذا. هذا هو الاتفاق. على كل حال، هذه مجرّد تقنية، لا أكثر من ذلك. من قرأ الرواية انتبه إليها، فاستساغها البعض قائلاً إنها مُبتدعة، إذ إنها استُعمِلَت بحكمة واقتصاد. ÷ في نهاية السرد، كان الجنرال نائماً. ومساعده قال ما معناه أن المُشكلة كامنة في اللغة إذ يجب ترجمتها إلى الفرنسية قبل تقديمها إليه. { هناك جنرالات ومسؤولون كبار في الإدارة والجيش لا يقرأون العربية، ولا يستعملون في حياتهم اليومية إلاّ اللغة الفرنسية. ربما يشكّلون قلّة، لكنهم موجودون في مراتب ومراكز عالية في داخل النظامين الإداري والعسكري. بالنسبة إليّ، هذه ليست قضية مستبعدة أو غريبة، بل هي موجودة في المغرب. هناك من يعتبر أنه في غنى عن استعمال اللغة العربية. هؤلاء يتكلّمون اللغة الفرنسية في الأسرة والإدارة والعلاقات العامة والخاصة. هذا واقع. يريد الجنرال معاقبة هؤلاء المقبوض عليهم، فيتمّ إنجاز الشريط. لكن، على المسؤول أن يُدبلجه إلى الفرنسية. هذا واقع معروف في المغرب. التاريخ والرواية ÷ أودّ الانتقال إلى مسألة أخرى أرى أنها تحتلّ ركناً واضحاً في أعمالك، وهي التاريخ. أرى أن التاريخ يثيرك أحياناً. { أعتبر أن الرواية تاريخٌ والتاريخ روايةٌ. ماذا يفعل المؤرخ سوى أنه يروي. هناك مؤرّخون ينجحون في فن الحكي والسرد أكثر من غيرهم. خذ المؤرّخين المعروفين عربياً وإسلامياً، كالمسعودي والطبري وإبن الأثير وابن خلدون والمقريزي وغيرهم. إقرأ نصوصهم وانسَ أنهم يسردون أحداثاً ووقائع حصلت بالفعل. افترضْ أنهم يتحدّثون عن هذه الوقائع كما لو أنها مُبتَدَعة أو مُختلَقة. عندها، سترى أن في هذه الأعمال، وإن كانت تاريخية، إرهاصات للحكي الروائي والممارسة السردية. أنا مثلاً لا أقرأ »مروج الذهب« للمسعودي كي أستخبر عما جرى في هذه السنة أو تلك فقط، بل كي أبحث عن الحكايات والعجائب التي يسردها، فهي جديرة بأن تدخل في مصنّف للحكي الروائي. أُنظرْ إلى ابن بطوطة أيضاً، واقرأْ رحلته المعروفة، تُدرك ما الذي أبغيه. أما أني أغلّب التاريخ على نصوصي الروائية، فهذا غير صحيح، إذ لديّ أعمال روائية لا علاقة لها بالتاريخ المُنتهي، بل بحاضرنا وقضايانا. مثلاً: »سماسرة السراب« التي أبحث فيها في مسألة الهجرة السرية، من خلال حكايات الشباب الذين يُغامرون بحياتهم مستخدمين ما نسميه »قوارب الموت«، كي يهربوا من أوطانهم إلى إسبانيا طلباً للعيش والرزق. هذا الموضوع طاغ عليها، في حين أن الموضوع الغالب في »محن الفتى زين شامة« فهو مصير الشباب الجامعي ومعاناته، الذين يتخرّجون من الجامعات ويبقون عاطلين عن العمل، لأنهم لا يعثرون على مُقَابلٍ لشهاداتهم التي حصلوا عليها في المجتمع، ولا يجدون إمكانيات لممارسة حقوقهم في الشغل والزواج وتأسيس أسرة والعيش الكريم. كذلك »فتنة الرؤوس والنسوة« لا تعالج حقبة تاريخية انتهت بل هي في عمق الحاضر وعقده وإشكالاته. إذا وضعتَ هذه الروايات في كفّة والروايات التاريخية في كفة ثانية تجد توازناً ما بينهما. لكن، شاءت الظروف والجوائز أيضاً أن تُغلِّب الروايات التي أعتبرُ أن وصفها بال»تاريخية« من باب التجاوز. كثيرٌ من النقاد الذين كتبوا عن »مجنون الحكم« اعتبروها تاريخية بمعنى ما، ليس على طريقة نجيب محفوظ وجرجي زيدان. إنها تاريخية فقط لأن بعض شخصياتها وُجدت في التاريخ وأخبرنا عنها مؤرّخون. ومع هذا، يبقى المجال واسعاً لإعمال الخيال وإعادة صوغ هذه الشخصيات روائياً.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة