مضى العام 2004 ولم يخطر ببال أحد من متفلسفة العرب المعاصرين وروّاد التراث الاحتفال بالمئوية الثامنة (1204 2004) على رحيل موسى بن ميمون، وهو الحبر الفيلسوف الطبيب الذي كان يصلّي بالعبرية، ويفكّر باليونانية ويكتب بالعربية، والذي يعد من أعلام الفلسفة القروسطية، وحلقة لا طائل من تغييبها لو زردنا التبصر في تاريخ العقلانية. ونحن اذ نعرج على ما نسميه »تاريخ العقلانية«، الذي يعتبر التراث الميموني جزءاً حيوياً في إطاره، فلأن دأب متفلسفة العرب التأسيس على عقلانيات بلا تاريخ، كما لو كانت العقلانية تنزل كما ولدتها أمها من رحم الغيب، وتقدم في الوقت عينه على أنها مصفّاة من كل غيب، ومصفاة لكل غيب. يضيع بذلك أي فارق بين عقلانية هذا العصر وعقلانية ذاك، أو يجري إغراق جل المسألة بنوع من النسبية الاطلاقية التي تنفي عقلانية كل عقلانية بدلاً من الاحاطة بتاريخية كل عقلانية. لن يغدو تغييب ابن ميمون عجيباً والحال هذه. لا يتأتى التغييب عن »مؤامرة« ولو اختلطت الفطرة التجارية مع »مكافحة التطبيع« (لا يشفع فيها هذا الاطار كون ابن ميمون طبيباً في بلاط السلطان الأيوبي صلاح الدين فقد كانت هذه مناسبة عند البعض من معاصرينا للقول انه طبيب ليس أكثر!). يندرج تغييب ابن ميمون في كلٍ أوسع عنوانه تغييب تاريخ العقلانية من خلال تغييب تاريخ الغيب. وهو تغييب »تجاري« لأنه لن يخطر ببال أحد من متفلسفة العرب المعاصرين ورواد التراث ان يدّعي العثور على »الفانوس السحري« عند ابن ميمون، على النحو الذي يصرخ الواحد منهم »وجدتها، وجدتها«، حين يقترح على الأمة حل كل مشاكلها بالعودة الى ابن رشد، فيما يفتي صديقه بالعودة الى ابن عربي، ولا ننسى طفرة رواد الاستعاضة عن علم الاجتماع الحديث بابن خلدون، وأولئك الذين رأوا في المعتزلة أجداداً لفيتغنشتاين أو باشلار. اذ تسيطر على مقاولي التراث منذ عقود مثل هذه العادة المضجرة، عادة تسمية فيلسوف أو علم من أعلام الحضارة العربية الاسلامية وتحميله المسؤولية عن الانحطاط في مقابل تسمية فيلسوف أو علم »بديل« وتحميلنا مسؤولية العودة اليه، علّه يبعث من قبر كتاباته ويقودنا الى اجتراح حداثة خاصة بنا. على هذا المنوال، ثمة من يطوّق منزل ابي حامد الغزالي ويحمّله مسؤولية الانحطاط، وثمة من يحمّل المسؤولية لابن سينا، ناهيك عن الاستكبار »التقدمي« فيما عنى تقي الدين ابن تيمية (ننصح المهتمين بقراءة مؤلف عبد الحكيم أجهر »ابن تيمية واستئناف القول الفلسفي في الاسلام« الذي يبتعد عن ثنائية تحميل الانحطاط لفيلسوف وركن النهضة عند آخر). لحسن الحظ، ليس ثمة من حمّل موسى بن ميمون المسؤولية، لا عن انحطاط الأمة ولا عن نهوضها المنشود. هنا، يبقى التجاهل سيد الموقف. يبقى ابن ميمون اسماً في الاحتياط، لا يستحضر إلا عندما يجري التفاخر بعصور »التسامح« (الموحدون؟!). يبقى ابن ميمون غائباً في اللغة التي كتب فيها، ربما لأنه كتبها بالحروف العبرية. انها مفارقة كتابه الأرأس »دلالة الحائرين« الذي ينشر في كل لغات الأرض إلا لغته الأصلية، اللغة العربية. تجدر الاشارة الى انه في الثلاثينيات، أحيت القاهرة المئوية الثامنة لميلاد موسى بن ميمون. سيقال كان الزمان غير هذا الزمان، وان الفاصل يدعى فلسطين ونكبتها. سنقول انه يكفي ابن ميمون اننا لا ندعو الى قراءته من باب البحث عن مشجب نعلق عليه مسؤولياتنا، أو من باب الكشف عن فانوس سحري يختبئ في أعماله. يكفي ان استعادة ابن ميمون عربياً تعني التصالح مع تاريخية العقلانية وتاريخية الغيب تمهيداً لمقاربة اللامفكر به، أي المركب »اليهو إسلامي«. بقي أن نسجل استثناء واحداً هذا العام، وهو قيام »دار الجديد« مشكورة بإحياء الاحياء الثلاثيني، من خلال إعادة طباعة »أثرية« لمؤلف اسرائيل ولفنسون (ابو ذؤيب) »موسى بن ميمون، حياته ومصنفاته« الصادر في مصر عام 1936 والمكتوب بالعربية والمستهل بمقدمة للشيخ مصطفى عبد الرازق يتعجب فيها كيف لم تنشر كتب ابن ميمون بالعربية وكيف اننا نلتمس أخباره وآثاره في غير لغته ولغتنا.