بالتأكيد لا يشكل الأمر، أبعد مما هو عليه: من الصعب اعتبار سلسلة الكتب الشعرية التي أصدرتها دار »مختارات« مؤخرا، والتي تضم ثمانية كتب شعرية، محاولة لتأطير »جيل شعري« جديد، بدأت بعض أسمائه في طرق الحياة الشعرية. كما بعض وسائل التعبير الأخرى. منذ سنوات، لتحفر لها مكانة في هذا المد الكتابي الواسع. لنحدد: إنها سلسلة يقدم ناشر على إصدارها، من هنا، إن كانت تشكل حدثا ما، فهي حدث بمعنى النشر لا أكثر، وبخاصة حين نلاحظ عزوف غالبية الناشرين العرب عن إصدار الأعمال الشعرية معللين ذلك بمئات الأسباب التي نعرفها والتي تحدثنا عنها عشرات المرات. لا شك أن جورج فغالي، صاحب دار »مختارات«، يقدم على عملية شجاعة، بإقامة هذا الهامش الحقيقي لهذه الأصوات الجديدة المتباينة جودة وشعرا مفسحا لها في المجال كي تتبلور. أضف إلى ذلك، الشكل الأنيق الذي قدمت به هذه الأعمال والتي تحمل بصمة الفنان إميل منعم. لكن لنبدأ أولا من هذه الفسحة / التساؤل الذي نعود إليه في أغلب الأحيان: في كل فترة زمنية نميل إلى طرح السؤال حول الأجيال الشعرية الشابة، كما لو أن في السؤال، سؤال الشعر نفسه. ودائما ما نقول إن قصة الأجيال مصطلح »لغوي« نخترعه للتمييز العمري، وغالبا ما نجد أن القضية تنحو إلى أبعد من ذلك، إذ قد يحمل تعبير الجيل بعض المفاهيم الجديدة في الكتابة، على الأقل يحمل أفراد هذا الجيل أفكارا مغايرة عن مفهوم القصيدة و»وظيفتها« و»جماليتها«، والأهم من ذلك أن هذه المفاهيم تختلف من شخص إلى آخر ضمن »الجيل« نفسه. انه تنوع الشعر، أي تنوع الفن بشكل عام، إذ ما الفائدة منه إذا تحول إلى »دوغما« أو إلى دين جديد ممنوع أن نجتهد من داخله، أن نمنع أي تأويل، لنجعله إيديولوجيا ثابتة تملك الحقيقة المطلقة. شئنا أم أبينا، ثمة »أجيال« تتعاقب. قد يملك أفرادها ذات الهم الشعري الذي وجدناه عند من سبق، وقد نجد أيضا مفاهيم لا تملك أي صلة عمّا تقدم. إذ منذ بداية الكتابة، يأتي كل فترة أناس جدد ليخطوا تجاربهم وهمومهم وتفاصيلهم. منهم من يستمر ومنهم من يغادر الرحلة ومنهم من يسقط، وتبقى المحاولة هي الأساس. إذ هل نفعل شيئا في النهاية، إلا شرف المحاولة والتجربة، مع الانتباه بالتأكيد إلى جدية هذه المحاولة وإلى جدية هذه التجربة، بعيدا عن الاستعراضات الكتابية التي يطلقها فلان أو علان، وبعيدا عن الاستسهال اللفظي الذي بدأ يطغى على القسم الأكبر مما يكتب في الوقت الراهن. إزاء ذلك كله، هل نستطيع إدراج هذه السلسلة الشعرية الصادرة حديثا، ضمن مفهوم جيل كتابي جديد؟ الجواب المؤكد أن لا. إذا حاولنا أولا أن نصنف كتابها ضمن هذا المفهوم العمري لوجدنا أن هناك من ولد في فترة مختلفة وبعيدة عن الآخر، ولو حاولنا أيضا أن نجد قاسما مشتركا في القول الشعري عند شعراء هذه السلسلة، لوجدنا مفاهيم مختلفة عند كل واحد، تفترق عما يكتبه الآخر، كما هذا الفعل الأسلوبي، المتعدد والذاهب إلى حالاته الخاصة.من هنا، تبدو هذه المقالة، محاولة في تقديم هذه المجموعات، كل واحدة على حدة، لأنها لو فعلت غير ذلك، لادعت أكثر مما تتدعي: مزاوجة أصوات مختلفة، لا تملك أي قاسم مشترك لإدراجها ضمن حيز واحد. لذلك تجدر الإشارة الى اختلاف هذه السلسلة عن سلسلة »إطناب« التي صدرت في تسعينيات القرن المنصرم عن »دار الجديد« في بيروت والتي وجدنا فيها صورة حقيقية عن »جيل التسعينيات« الشعري، بمختلف وجوهه العربية. »إيقاعات أنثوية« لا يمكن اعتبار الكاتبة السعودية زينب حفني بطارئة على مفهوم الكتابة. إذ بدأت حياتها الأدبية العام 1987 عبر العمل الصحافي، في الصحف السعودية المحلية، قبل أن تستقر منذ فترة على كتابة مقالة أسبوعية في جريدة »الشرق الأوسط«. أما كتبها فتوالت منذ 1993 مع كتاب »رسالة إلى رجل« (وجدانيات) الذي أعقبته مجموعات قصصية وأشعار نثرية ورواية قصيرة قبل أن تصدر منذ فترة روايتها »لم أعد أبكي« (دار الساقي، في بيروت). أعترف أنني لم أقرأ »شعرا« من قبل لزينب حفني. حاولت منذ مدة أن أقرأ روايتها »لم أعد أبكي« ولم أستطع المضي بها إلى نهايتها. أبعدني عنها هذا الخطاب الروائي الغارق في بدائيته، كما هذه الأيدولوجيا الفضفاضة التي ترتكز على استيهامات الخطاب النسوي الذي تخطاه الزمن. ربما لعبت الفكرة المجتمعية في اعتمادها على هذا الخطاب المكرور، إذ ربما كان ينبغي أيضا أن نأخذ البيئة بعين الاعتبار. لكن هل نستطيع تبرير ذلك كله، بقضية الفصل بين الجنسين والضغط الذي تتعرض له المرأة في مجتمعاتنا؟ الأهم أين هو سؤال الأدب، أي كيف ننطلق من هذا »الظلم« الاجتماعي الذكوري، لنقدم أدبا يملك مقوماته الحقيقية. ما من سؤال أدبي حقيقي في مجموعة زينب حفني »إيقاعات أنثوية«. ثمة وهم بأن لصق الكلمات ببعضها تشكل قصيدة نثرية. ما تكتبه حفني، ليس سوى مجموعة من الشعارات التي تصلح لدردشة حول فنجان قهوة، أو لنستعر عبارة الشاعر والناقد السوري عهد فاضل بأنه شعر للمسامرات المنزلية. كيف نصف مثلا مطلع »القصيدة« الأولى التي تحمل عنوان »على مقاعد الدراسة« والتي تبدأ على هذا النحو: »تعلمنا على مقاعد الدراسة/كل أنواع المرواغة/ وكل صنوف التدليس/ في حصص الأدب/ حفظنا قصائد الغزل/ لكن مع وقف التنفيذ/ الناس يتغنون بها/ داخل الحجرات المغلقة/ وفي الجهر يلعنونها.....« إلى آخر ما هناك. لا تكمن مشكلة النص في أفكاره فقط، التي تبدو وكأنها تنتمي إلى عصور لم تعد موجودة، بل هناك مشكلة في مفهوم الكتابة أيضا، التي تعتقد أن الاقتراب من نبرة السجع يحيلها حاضرة ضمن شروط مكتملة النمو، في حين أنها لا تفترق عن هذا اللغط الكلامي الذي أشرت إليه قبل قليل. »هلوسات المراهقة الثانية« فادي خطار اسم جديد في عالم الكتابة في لبنان، على الأقل يشكل كتابه »هلوسات المراهقة الثانية«، مجموعته الأولى، على حد علمي بطبيعة الحال. ولا أعرف لماذا يشكل الشعر عند هذا المحامي نوعا من الهلوسة (مثلما يوحي العنوان، على الأقل)، هل لأنه شعر حب؟ إذ منذ متى لم يكن الحب شكلا أساسيا وجوهريا في حياة الكائن البشري؟ تتوزع »قصائد« فادي خطار على مناخات الحب، بمختلف أوجهه التي تدور في فلك العذاب والطهرانية والحسية والفرح الوجودي قرب المحبوبة، أي أننا نقرأ تقلبات الكائن في علاقته هذه، المتدرجة وفق جميع المفاهيم. لكن السؤال الأساسي الذي طرحته وأنا أقرأ هذه الصفحات »ال54«: ما معنى الشعر؟ ما معنى أن يصدر المرء كتابا لا يريد من خلاله إلا التمرين على إدهاش المحبوبة بقدرة هذا الحب على تفجير مشاعره وأحاسيسه وجعله شاعرا ؟ يقول خطار في نصه المعنون »متأهبا بمسعى حبك« على سبيل المثال: »لا تعجبي من هوسي/ فلست مصابا بالغرور/ إنما يحركني شغفي/ وأنا أتآخى مع أحاسيسي/ ومع ما في داخلي من شعور...« أو أيضا: »قد جعلتني أهتف/ تعالي ثم أهتف تعالي/ وأضمك ثم أضمك/ وأعجب مما مضى من واقع الحال...« (من نص »تعالي دائما تعالي«). السجع المتكلف في قلب هذه الكتابات أيضا، (وهذا الذي نجده في مجموعة حفني)، إنه البحث عن نغمة لوصل الكلمات ببعضها البعض، وإن دل ذلك على شيء، فعلى هذا المفهوم الذي كان يحركنا يوم كنا لا نزال مراهقين في الصفوف الثانوية الأولى، حين نغرم بزميلتنا على مقاعد الدراسة، لكن يبدو أن الأمر مع صديقنا المحامي، الذي أدركته حرفة الأدب (وفق التعبير المتداول) بقي ساري المفعول. »أجزاء لعب خارج سحر الحواس« تعرفت على كتابة حياة أبو فاضل، أول ما تعرفت، عبر مقطوعاتها التي نشرتها تباعا في الزميلة »النهار«، وهي مقطوعات أعادت نشرها في كتاب حمل عنوان »حياة 99 قصة قصيرة جدا«. نصوصها هذه كانت تحمل تجربة حقيقية، حياتية وثقافية، وإن كنت لم أحبذ فيها تلك المسحة »النضالية«، التي اكتشفت سببها فيما بعد: حلمها بأمة الهلال الخصيب وما يتبع ذلك من قضايا قومية متشعبة. لكن وبعيدا عن هذه الأفكار كانت هناك بعض القضايا الأخرى التي تعني كل فرد منا، أي هي على تماس مع حياتنا اليومية بتفاصيلها المتشعبة. على كل، ليس النزاع بالضرورة، هذا الموقف الفكري من الوجود، إذ بالتأكيد ثمة ما يقربنا من مفاهيم العلمانية ونبذ التعصب والطائفية. من هنا لم تكن تحمل نصوصها هذه، اعياء النصوص الأولى التي تطالعنا عادة. هناك قدرة على نسج المناخات والفضاءات بوتيرة متماسكة تجعل النص كتلة صلبة محددة المعالم. لكن هل يكفي الكتاب الأول، لنؤكد من خلاله، حضور الكاتب؟ أليس كل كتاب مشروع قائم بذاته، يحتاج إلى قدرته الذاتية ليتحقق عبر الفضاء الذي يرسمه؟ في كتابها الثاني »أجزاء لعب خارج سحر النص« تحاول حياة أبو فاضل نوعا كتابيا آخر، من المفترض أن يكون »شعرا« وفق التسمية التي تشير إلى موضوعه على صفحة الغلاف الداخلية. أقول هذا لأنني أجد أنها تكمل ما بدأت به في كتابها الأول. هناك سرد ما يشد الجمل إلى بعضها البعض. بالتأكيد لا أقصد سردية قصيدة النثر، فنصوص الكتاب لا تدعي ذلك، بل تحاول أن تروي لنا »خبرية« صغيرة، بأسلوب يقترب من تلميحات الشعر، لكنه لا يصل إليه بالتأكيد. لنقرأ مثلا: »لائحة الطعام بكل أصنافها لا تفتح شهيتي./يتدخل النادل، يغريني./أنا نباتية. يخبرني عن ثمار البحر،/ولأنني بلهاء أصدق أن للبحر ثمارا/ فوق أغصانه الزرقاء./أتذوقها، يروق لي طعمها،/ومثل كل مخلوقات الأرض/ أمتص دمها البارد المطبوخ لأحيا./وإن نباتيين، وخارج موائد الطعام /يأكل أحدنا الآخر ونستمر«. ربما في هذا الانتقال »النظري« من نوع إلى آخر، ما أضاع خاصية الكتابة التي وجدناها في عمل حياة أبو فاضل السابق. حتى هذا المناخ تفقد الكاتبة القدرة على الإمساك به، ليتناثر إلى أجزاء، بحاجة بالتأكيد لأن تكون في قلب »سحر الحواس«، لتستقيم وتشكل مادة متماسكة، على الأقل، إن لم تتخطى الكتاب الأول، لكي تكون بمستواه. »سورة فاطمة« من النوادر التي تروى دائما ما تقوله غالبية شعراء »الكلاسيك« العربي، أي الشعراء الذين يكتبون وينظمون الشعر الموزون والمقفى، أنهم يستطيعون كتابة القصيدة النثرية بسهولة، لأن كل هذا الشعر الجديد (والحديث، لن نختلف على التسمية بالتأكيد) ليس سوى »مزحة«، من السهل تقليدها. قلة من هؤلاء الشعراء وبالطبع، هم بذلك يتحلون بشجاعة وبموقف ثقافي حقيقي من اعترف بقدرة القصيدة النثرية، وبمتطلباتها المختلفة تمام الاختلاف عن النمط الكلاسيكي. لا أظن أن ماهر شرف الدين من أولئك الذين يصفون الشعر الحديث بالمزحة. لأن كتاباته النقدية الصحافية تشهد على العكس من ذلك، فهو قد انحاز، في هذه الكتابات، إلى العديد من الشعراء الجدد، ملقيا الكثير من الحب، على ما يكتبونه. ماهر شرف الدين بدأ حياته الشعرية كشاعر حافظ على أوزان الخليل، له كتابان، الأول بعنوان »الرسام الفاشل« (1999) والثاني بعنوان »ملحق حمورابي السري« (2002) بحسب ما جاء على الغلاف الأخير من كتابه الجديد »سورة فاطمة«، ومن دون ذكر اسم دار النشر بينما نجد في صفحة داخلية من كتاب »ملحق...« أنه صدر للشاعر »دعوة للرقص« (1999) و»الرسام الفاشل« (2001) و»قصيدة السيد« (2001) وجميعها عن »دار العلوم العربية« في بيروت، أما الرابع فهو »ملحق حمورابي السري« (منشورات »الآن« المغرب، 2002). بصراحة لم أفهم هذا الثبت المتناقض، لكن ما يعنيني هو التأكيد على أني لم أقرأ له إلا كتابه الأخير، الذي غلب عليه النظم، أكثر من الشعر، حتى أنه لم يكن نظما متماسكا، قويا، مثلما يفعل »الشعراء الفحول« (على قول التعبير الكلاسيكي). مع »سورة فاطمة« يحاول ماهر شرف الدين، تغيير أدواته وأساليبه، أقصد أنه يغادر النظم ليكتب قصيدة نثرية، لكن هل ينجح بذلك؟ غالبا ما أجد أن قدرة النظم على إخفاء وهن القصيدة الكلاسيكية، هي قدرة كبيرة، على الأقل للوهلة الأولى، لكن القصيدة النثرية، غير المتسلحة بأي من »المحصنات« تبقى عارية لا تقيها إلا قدرتها الخاصة على فرض شروطها. شئنا أم أبينا، للشعر الحر شروطه الخاصة به التي لا يعترف بها الكلاسيكيون كثيرا، من هنا لا تكمن عدم قدرتهم في قراءتها فقط، بل في أن ينسجوا على منوالها أيضا. لكن المستغرب في حالة ماهر شرف الدين أن بعض نصوصه النقدية، تدل على قدرته الجيدة على الدخول في عوالم هذه القصيدة، لكن ذائقته الشعرية، لم تتجل أبدا في »سورة فاطمة«. »سنة النهر« حيدر صفَّار، اسم عراقي جديد يضاف إلى قائمة الشعراء العراقيين الذين يكتبون خارج العراق. لكنه لا يأتي من المنافي البعيدة، الأوروبية، التي تشكلت في العقود الأخيرة، ولتصبح بذلك، مركز الثقافة العراقية الحديثة، في موازاة ما كان ينتج من ثقافة رسمية، قبل سقوط النظام. إنه يأتي من »منفاه« اللبناني، حيث يقيم الآن. جاء حيدر صفَّار (مواليد العام 1972) للمرة الأولى إلى لبنان العام 1979 ليبقى فيه مع والديه حتى العام 1986. ولم يعد إلى وطنه إلا لمدة عام واحد، في 1991، ليشارك في الانتفاضة، وبعد دراسته تاريخ الفن والأدب الإنكليزي، عمل كأستاذ لمادة تاريخ الفن في كوبا والسعودية ودبي ولبنان الذي سيغادره مطلع العام القادم ليذهب إلى الصين، حيث ارتبط بعقد عمل حتى العام 2007. على كل، أولى افتراقات حيدر صفَّار كتابة الشعر باللغة الإنكليزية، ومجموعته »سنة النهر« كتبت بهذه اللغة، لكن الناشر طلب منه لإصدارها أن يترجمها إلى العربية، لذلك صدرت بلغتين: النص الانكليزي، الأصلي، والنص العربي. من هنا قد يكون الحكم على المجموعة ضمن معايير الشعر العربي، حكما فاجعا، إذ علينا أن نقرأها بلغتها الأصلية. من دون شك، يملك صفار لغة خاصة به، ولنقل أيضا انه يرسم، بتفرد، مناخه وفضائه، هذا الفضاء الذي يمكن أن يقال عنه انه »شعر مائي«، أي يعمل على عنصر المياه بمختلف تجلياته ورموزه، بدءا من رموزه البابلية، مرورا بالرموز التوراتية، وصولا إلى رموزه الحالية. لكن ضمن ذلك كله، لا ينسى أنه أهم عناصر الحياة الأربعة، ربما لذلك يترك نافذة صغيرة ليطل منها على عنصر آخر من عناصر هذا الوجود: العنصر الماورائي، الروحي، الذي سائل ماهيته وتفاعلاته ومضمونه. وإذا كان الشاعر يكسر في موضوع القصيدة المتوارثة، ليحاول البحث عن مفاهيم جديدة في الرؤيا الشعرية، نجده أيضا يكسر في بنية الكتابة حيث لا يتوقف عن مساءلة الأشكال المتنوعة، وكأن كل قصيدة، بمعنى من المعاني، محاولة لطرح اسئلة، حول شكلانيتها. بهذا المعنى، تقترب القصيدة من اللوحة، أي أنها محاولة بصرية علينا الدخول في ألوانها، قبل أن نقرأ كلماتها. من هنا تبدو مجموعة »سنة النهر« أنها تستحق قراءة أخرى، ولأذكر بأمر أساسي، علينا أن نقرأها ضمن مفهوم اللغة التي كتبت بها، لا بإطلاق الحكم عليها على أنها مجموعة شعرية »عربية« وإن كانت تملك هذه الروح في بعض طروحاتها. »أنت لي الآن... تحرر« في تحقيق أجريته منذ سنة بالضبط، ونشر في »السفير« يوم 31 كانون الأول من العام 2003، حول بعض »الشعراء التسعينيين« الذين طرحت عليهم ثلاثة أسئلة، قالت لوركا سبيتي (التي لم تكن قد نشرت كتابا بعد): »أعتقد أن الشاعر شيطان نفسه وملاك الآخرين. الشاعر هو الذي يعيد تركيب الظواهر والمشاعر والتعابير والتفاصيل كما يشاء. كم أرغب في سماء رمادية إلى الأبد. لا يمكنني جعل السماء رمادية إلا في القصيدة، ولا أعشق عشقا مبرحا إلا مع القصيدة ولا أكون أنا إلا أثناء جلوسي مع القصيدة ... أصر أن القصيدة لا عمر لها...«. من هذه الحيوية، تدخل لوركا سبيتي في مجموعتها الأولى »أنت لي الآن... تحرر« عالم الكتابة. فهي هنا في قصائدها تعيد تشكيل العالم وفق رغبتها الخاصة، تعيد تشكيل لغتها بما يناسبها، إذ أن الشعر ليس سوى هذه العودة الأبدية، إلى نبع الأشياء، ليس سوى هذه الحرية القصوى. قد يكون في كلامي نوع من »احتفاء« ما. لا شك أن كتابا أول، يملك، نسبيا، هذا النص الجيد، لا بد أن يشدنا، ولكن مع ذلك لأستدرك: ثمة هنّات في بعض قصائد سبيتي، التي قد أفسرها في ضعف الخلفية النقدية للشاعرة، أقصد للحظات كثيرة تحس أن الشعر عندها لا يأتي أيضا من الشعر، من النص السابق الذي كتب. لا أعتقد أن النص يمكن أن يأتي من »سيرة حياتية« فقط، فالتجربة الكتابية، لا تتبلور، إلا عبر التراكمات الثقافية أيضا. لا أستطيع بالتأكيد أن أجزم في حالة لوركا سبيتي، انه مجرد شعور، ربما تتأتى الخبرة المطلوبة، مع الأيام، خبرة الإبقاء على الجوهر، بعيدا عن الإطناب الذي يرهق القصيدة. »توت شامي« »توت شامي« عنوان المجموعة الشعرية الثالثة لفادي ناصر الدين، وتأتي بعد »متل منام« (دار الجديد، 1994) و»عربدة« (دار الجديد 1997). تجربة عمرها عشر سنوات، ولا بد أن يضع ذلك، الشاعر، في مرحلة متقدمة، عن آخرين، على الأقل من خلال هذه الخبرات المكتسبة، في القراءة الشعرية وفي كتابتها. ينحاز فادي إلى اللغة العامية، وهو بذلك يكمل تقليدا في الشعر اللبناني، غالبا ما كان يشكل تساؤلات عدة. كثيرون منا اعتبروا أن في الكتابة باللهجة العامية، موقفا إيديولوجيا، ينتصر إلى »الموقف اللبناني« أكثر من ميله إلى »الموقف العربي«. هذا الانقسام السياسي، أفقدنا بالتأكيد لمحاولات كان يمكن لها أن تتبلور بشكل أسرع، لتخطو خطوات أوسع إلى الأمام، أقصد ألم يحد هذا الموقف من اتساع رقعة الشعر العامي (وأميزه بالتأكيد، بهذا المعنى، عن الزجل) الذي بدا وكأنه كان بحاجة »إلى موقف تاريخي«، من الشعراء أنفسهم قبل أي شخص آخر. قليلون هم اليوم الذين يكتبون الشعر العامي، ومع ذلك، نجد أن بعض »أبطاله« يتخطون، ومن بعيد، شعراء اللغة الفصحى الذين غرقوا في متاهات تجريبية، لم تقدم الكثير على صعيد... الشعر. ربما لم يتخط فادي ناصر الدين، كثيرا، بمجموعته »توت شامي«، مجموعتيه الأولتين، إذ أشعر أن التجربة عالقة، في مكان ما، بحاجة إلى بحث أكبر كي تستقيم بشكل أكثر، ولكي تتفلت من جدرانها. لكني أعترف باعجابي بهذه »الهيولى« (إذا صحت التسمية) التي تلف شعره. وعلى الرغم من أن مناخ القصائد الثلاث، التي يحويها الكتاب، تحيلنا بمعنى من المعاني، إلى مناخات أخرى لهذا الشعر، إلا أنه يبدو نابعا، من منطقة عذراء، خاصة به، إن من حيث الصورة الشعرية، وإن من حيث الأسلوب المعبر بها. لا أظنن أن هذا بالأمر اليسير على شاعر، ينطلق من لغة، ليس لها مراجع »ثقافية« كما للغة الفصحى. مهما يكن من ملاحظات، محاولة »توت شامي« تستحق أن تتسع، وأن نفرد لها مكانا، بين ما يصدر. »تمرين على الاختفاء« شاسعة هي المسافة التي قطعها غسان جواد بين مجموعته الأولى »وأنا ظلك« (دار الكتاب العربي، العام 1997) وبين مجموعته الثانية »تمرين على الاختفاء«. سبع سنوات، لا بد أن تفسح مجالا للتساؤل المفتوح على مختلف الاحتمالات. من هنا تبدو أولى الملاحظات في المجموعة الجديدة، هي هذه المحاولة في التعبير عن الاختلاف بين »جيل« الشاعر وأدواته المعرفية وظروفه الاجتماعية عمن تقدمه. ليست المسألة في نجاح الشاعر بذلك، أو في فشله، لأن المهم هنا، يكمن في وعي هذه المسألة ومحاولة ترجمتها عبر الكتابة. لو حاولنا، بهذا المعنى أن نقيم مقارنة، بما تطرحه الحياة المعاصرة من أسئلة اجتماعية علينا، لوجدنا أن الشاعر، يحاول بدوره، طرح أسئلته الجديدة، عبر المفردات واللغة أي يحاول إيجاد هذه العلاقة التي تشبه المكان بكل تشعباته وتحولاته. لكن الأهم برأيي، أن شعر غسان جواد يبتعد عن كل هذه المفاهيم المسلم بها والتي أرهقت الشعر العربي لفترة طويلة: المفاهيم الثقافية والاجتماعية والسياسية. بهذا المعنى تبدو قصيدته (إذا قرأنا الكتاب على انه قصيدة واحدة طويلة) وكأنها اختبار للمساءلة، بمعنى آخر، ليس التمرين على الاختفاء، سوى هذه المحاولة الحقيقية، في إيجاد قطيعة حقيقية مع هوية حاملة لملايين التعقيدات بحثا عن هوية مكانية تحمل كل سمات الحاضر. إذا كانت مجموعة »وأنا ظلك« تحمل في طياتها مرجعية محددة، تتكئ على إيجاد معادل شعري لها، عبر ارتكازها على مفهوم محدد للغة الشعرية، نجد أن الشاعر، في كتابه الثاني، ينحو كثيرا إلى توسيع أفقه: لا تتركه التحولات الجذرية التي عاشها العالم، كائنا لا مباليا، بمعنى، أن أولى التحولات التي يمارسها تكمن في فعل الكتابة نفسه، في البحث عن جوانب غير متداولة. الإتكاء على هذه الجوانب المتعددة، دفع بالشاعر، هنا، إلى محاولة فتح مساحات تخييلية جديدة بعيدة »عن هذه النهارات المرصوصة بالاسمنت«. لا أعرف كيفية إيجاد صفة مناسبة لهذه المجموعة، لكن ما أستطيع قوله، إن الشعر هنا يشبهنا، قريب من هذه الحيوات المغلقة، لأنه بالتأكيد »ترى النافذة ما لا تراه أنت«.