منذ 20 عاماً، غنت ريمي بندلي وهي في الرابعة من عمرها: »أعطونا الطفولة«. سميت حينها ب»الطفلة المعجزة«، أما والدها، رينيه بندلي، فلا يرى إعجازاً في الموضوع: »ريمي عاشت بجو عائلة فنية، كنا كجيل أول حاضرين أمامها، نغني ونحيا برفقة فنانين، تلك كانت حياتنا اليومية، فكانت النتيجة طبيعية«. كان الوالد، وهو ابن طرابلس المقيم فيها، مسؤولاً فنياً عن 11 مدرسة في الشمال، وقرر صياغة أغنيات للأطفال تختلف عن السائد المستورد آنذاك. نفذ: »بابا نويل تعى تعى يا بابا نويل«، واقترح على مها سلمى أن تستضيف ريمي في برنامجها على شاشة »تلفزيون لبنان« لتغنيها. وكان له ما أراد، وكانت ريمي ضيفة مها سلمى. »يبدو أن رئيس الجمهورية (أمين الجميل آنذاك) أراد أن يلقي كلمة ما حول الطفولة والسلام خلال الاستقبال التقليدي للديبلوماسيين الذي يجري في ظل الميلاد ورأس السنة.. ربما.. طلب من مها سلمى، عبر وزير التربية (سليم الحص آنذاك)، أن تقترح عليه عرضاً، فاختارت ريمي«. أرادت مها سلمى أن تقدّم ريمي أغنية عادية من أجواء الأطفال في القصر أمام السفراء والرئيس، أما رينيه فوجد في المناسبة فرصة لتقديم عمل خاص جديد لريمي يتماشى مع المناسبة ويدعو للسلام: »يبدو أن الشعب كان بحاجة لمن يقول بالسلام الذي يريده، فشّت له ريمي خلقه، إذ أنها جمعت بين الفن والسياسة وقالت بما يمكن أن تقوله إبنة 4 سنوات في هذا المجال«. فكانت »اعطونا الطفولة« وقد قررها والدها بثلاث لغات ليفهم مضمونها السفراء الأجانب الحاضرين. حصدت ريمي الإعجاب وسمّيت بالمعجزة. فأتاها المخرج سمير خوري ببطولة فيلم: »اماني تحت قوس القزح«، وقد تناول حياة الأطفال في إطار الحرب اللبنانية. ثم كانت الدعوة فرنسية إذ استقبلها ميشال دروكير في برنامجه: »شانزيليزيه« حيث غنت »اعطونا الطفولة« فتلقت عرضاً من المنتجين بحفظ الأغنية على اسطوانة 45، وكان الاتفاق. »بس نحنا تربّينا على أساس إنو العلم أهم شي.. الفن موهبة باتت تجري في دمائنا، أما العلم فقيمة تتطلب الاجتهاد«، يقول رينيه. ويكمل: »عندما أصبحت ريمي في السابعة من العمر، تقريباً، اضطررنا للذهاب إلى كندا للعيش هناك، بقينا 5 سنوات قبل أن نعود إلى لبنان، وقد باتت ريمي في 13 من العمر فانصرفت لمتابعة دروسها«. ريمي تتابع، حالياً، الدراسة الأوركسترالية في جامعة الكسليك وتعطي دروساً موسيقية، في الآن ذاته، في مدرسة »القلب الأقدس« في عين النجم. »اتهمونا حينها بأننا »عاملينها سيرك« وبأنها صغيرة على تلك الهيصة كلها.. لكن ذلك كله كان بعيداً جداً عن تفكيرنا.. القرار اليوم بات يعود إليها، لكنها تتابع ما يجري اليوم في الساحة الفنية وقد يكون لسان حالها: لأ، خليني لاقيلي غير مطرح.. لست أدري، القرار يعود إليها«. منذ 20 عاماً، كانت الحرب قد فقدت عقلها في لبنان. ما من صاروخ مفهوم سبب انفجاره، ما من معركة تقول بأكثر من عدد القتلى وحجم الخسائر. ومن بين كل تلك النيران، بدت ريمي وكأنها تقول بما نسيه الجميع، بالبديهي جداً، بطفولة تحيا الواقع على أنه الحقيقة الوحيدة، الممكن الوحيد. ذلك الذي عاش عمر ريمي في العام 1984، كان ينتظر القصف العشوائي كي يحتفل بالإجازة من المدرسة. كان ينتظر نشرة الأخبار برفقة ذويه، كطقس عادي من طقوس الحياة، لمتابعة أسماء الذي رحلوا، تماماً كما تابعها لاحقاً ليعرف نتائج البروفيه وموقعه منها. كانت ريمي جميلة جداً وهي ترتدي فستاناً أبيض اللون وابتسامة لا تفهم حجم الخسائر وتتطالب بالبديهي. كانت ريمي تشبه زملاءها في السن، كلهم، حينها، لكنها تميّزت عنهم بمطلب لم يكن يبدو هاماً لتلبد سماء العيش. ريمي تتابع دراستها، أما والدها، الفنان رينيه بندلي، فيتابع عمله في ظل زمن الصعب. »بنك الأغاني«: مجموعة من الشعراء والملحنين والمنتجين، بعضهم يحمل تاريخاً واسعاً من العطاء الفني وبعضهم الآخر من المبتدئين الموهوبين، ينفذون أعمالاً فنية، يقدمونها لكل من يقصدهم. يأتيهم المغني فينتقي الأغنية التي تعجبه من دون أن يعرف اسماء منفذيها، وذلك لأن »الأستديو بيقدّم مادة، مش أسماء.. يركضون خلف الأسماء وينسون المضمون.. ما أن يتفق معنا على الأغنية ويمضي العقد حتى نفصح له عن هوية منفذيها.. تلك فكرة صدفتها خلال إقامتي خارج لبنان ووجدت أنها تناسب البلد في حاله هذا.. فكرة إنتاج بعيدة عن العصابات والمافيات التي تحكم مجتمع الغناء«. ينتظر »بنك الأغاني« تعميم نقيب الفنانين المحترفين، إحسان صادق، كي ينطلق ويبدأ بصياغة لونه الفني واختبار التجربة. في مناسبة مرور 20 عاماً على »اعطونا الطفولة«، جاءنا الخبر التالي: ريمي تتابع دروسها ورينيه يتابع عمله. عائلة بندلي لا تزال بألف خير. عائلة بندلي لا تزال على عادتها: تقول بالجمال، في أحلك الأوقات.