As Safir Logo
المصدر:

هدفه أن نصبح مدنيين أكثر.. فدمشق أمه ولم يبق شيء لم يفعله فيها ممدوح عدوان: ربما تركوني أتكلم حينما وجدوا أن صوتي من رأسي

ممدوح عدوان أثناء تصفح »السفير«
المؤلف: عيسى راشد التاريخ: 2004-12-17 رقم العدد:9973

لا يكف ممدوح عدوان عن العودة إلى ينبوعه الأول، ضيعته. ليس في ما يكتب وحسب، بل في ضحكته المجلجلة دائماً، وفي تعاليه على المرض والألم، وولعه بالحكي. لا يعرف أن يتكلم إلا وهو ينفجر، يروي الحكاية للمرة الألف وهو ينفعل ويضحك بطزاجة المرة الأولى. »القصص كالخمر، تتعتق حين تروى، جرار القصص روايتها« يقول روائي. وممدوح، في كلامه، يختبر ما سيكتب، وما كتب، كأنما يختبر شغفه بالحياة. لم ينل منه المرض، والدليل سجائره التي لم تنطفئ لحظة (مع تعديل طفيف من السجائر الوطنية المديدة إلى الأجنبية)، ونكاته التي تملأ المكان بالصخب، وآراؤه الحادة التي تصر على النظر إلى نصف الكأس الفارغ، مع تنويه بالنصف الآخر، الفارغ أيضاً، على ما يقول في ديوانه الأخير. ومع كل هذا الفراغ لا يعرف عدوان الوحشة، بمعناها المألوف، ويستغرب كيف يضجر الناس: »لا أعرف كلمة الضجر، دائماً عندي ضائقة وقتية، والمرء لديه كتب لم يقرأها، ومشاريع لم يكتبها، وأفلام لم يرها، وكؤوس لم يشربها، ونساء لم يلحق بهن، وجلسات وأصحاب«. كما لو أنها أثينا معاصرة ضيعة ممدوح عدوان. هناك حيث التاريخ (تاريخ صدر الإسلام وبدايات الخلافة الأموية) عالق على أطراف الألسنة كالتبغ العربي، وحيث الناس يتباهون ويتبارون بحفظ الشعر، وتوليف العتابا والسير الشعبية، من الزير سالم إلى حكايات السفر برلك الموجعة. لم تمت ضيعة ممدوح، ظلت في صدره وحكاياه. وربما لن يكتب لها أن تموت ما دام قوّال »دير ماما« و»قيرون« مثابراً على العودة إلى ينابيعها، وإلى ما تمليه تلك الينابيع. ليس عبثاً الحديث عن ضيعة ممدوح عدوان، فلا شك في أن منها انبثقت اختياراته، من مسرحيته الأولى »المخاض« (1967) التي تروي سيرة المتمرد الشعبي أبو علي شاهين عبر مادة مأخوذة من الأغاني والقصائد الشعبية، إلى سيرة الجوع التي كتبها في عدة أعمال مسرحية منها »السفر برلك، أيام الجوع«، إلى روايته »أعدائي«. يبدو ممدوح عدوان، حتى وهو في عزّ مرضه، كواحدة من صلوات كازانتزاكي (كأنما عرّبها خصيصاً ليشبهها) والتي تقول: »أنا قوس بين يديك، فشدّني كثيراً يا إلهي، من سيهتم لتحطّمي«. لينادي هو من جديد، مخاطباً موته باستعلاء: »لقد أمسكت بالصنارة/ اسحبني من الماء/ وطوح بي إلى الرمضاء«. لكن قلبه يقول شيئاً آخر: »إننا ننهض عن مائدة العمر ولم نشبع/ تركنا فوقها منسف أحلام../ نحن أكملنا مدار العمر فرساناً/ وقد متنا شبابا«. ؟ هل هناك صور مستعادة من الذاكرة تحت وطأة المرض؟ { أبداً. منذ بدأت العلاج إلى اليوم لم أشعر بأنني مريض، والدليل أنني ما زلت أعمل وقدمت في فترة المرض أربعة كتب. لم أتوقف عن شيء. وبالعكس؛ فإن المرض يدفعني لأن ألملم أشياء مبعثرة هنا وهناك لأجمعها في كتب. ؟ بعض معاركك الأدبية يتردد صداه إلى الآن. غير أنك في السنوات الأخيرة صرت بعيداً عن ذلك، أكثر هدوءاً. كيف تنظر اليوم إلى تلك المعارك؟ هل كانت نوعاً من نزق الشباب؟ هل يهدئ العمر من ذلك؟ { لا شك في أن للعمر دوراً. ولكنني كنت أخوض معاركي الأدبية لأنني لا أقدر على السكوت. كنت دائماً أرى أشياء لا يمكن السكوت عنها، وكنت أتصدى لها، بدءاً من التصدي إلى شرطي السير، إلى التصدي لأميركا. ثمة ما لا يسكت عنه، وهو ما كان يدفعني لأخوض معارك أحياناً. كان غيري يقول بما تلزمه تلك المعارك، أو بماذا تفيده؟ ولم تكن مسألة فائدة. هناك أوهام. الناس يقنعون أنفسهم بأوهام نصف الكأس الملآن، أما أنا، برؤيتي الشعرية والثقافية، فأرى الكأس كلها فارغة. هذا دفعني لأكون غير إيجابي مع الحياة، أعني مع المسؤولين، مع الأصدقاء وسواهم. ثم إن هناك ما لا يسكت عنه. حينما أسمع تعليقاً سخيفاً لا بد أن أقول إنه تعليق سخيف. المسألة أنك لا تستطيع أن تسكت، تريد أن تدافع عن نفسك وعن وجودك وعن الحياة التي تريد أن تعيشها. هذا ما جعلني متعِباً لزوجتي وأولادي وللدولة ولإسرائيل وأميركا. ربما اختلفت نوعية تلك المعارك الآن، لأنني أتفرغ لأشياء أراها أكثر جدوى، ترجمت الإلياذة مثلاً، والآن أترجم الأوديسة، وترجمت من قبل كازانتزاكي وغيره. ؟ ما الذي تتذكره الآن، من كل هذه المسافة، من تلك المعارك؟ أشقاها وأجملها؟ { ليس هناك أشقى أو أجمل. كنت أخوض المعارك التي أراها ضرورية، وكانت تبدو ضرورية نتيجة الوسخ الذي حولي، ما كان يملأني برغبة في التنظيف، بقول الرأي، بالمماحكة. وهذا ما ولّد لي عداوات أو صداقات، احتراماً، أو احتقاراً. حياة. لكنها لم تكن حياة مسالمة، وهذا ما جعل الأعداء أكثر من الأصدقاء. ؟ بعد هذا العمر، هل بقي الأعداء أعداءً والأصدقاء أصدقاء؟ { معظمهم ظلّوا كما كانوا، هناك أناس يزورونني فقط من قبيل المجاملة. ؟ نعرف على الأقل واحدة من هذه العلاقات التي تغيرت، علاقتك بالماغوط. { الماغوط كان بالنسبة لي دائماً ثقيلاً، لا يحتمل، ثم بالتدريج، بعد احتكاكي به وزياراتي له إثر مرضه، صار أكثر إنسانية؛ يتصل ويسأل عني حتى قبل أن أمرض، ما ولّد علاقة خاصة جداً في ما بيننا، كما جعله يبادر ويكتب لي قصيدة، وضعتها في مقدمة الديوان الأخير »حياة متناثرة«. الماغوط من القلائل الذين تجددوا في حياتي. ولكن أصدقاء آخرين كثراً خسرتهم إثر المرض. هناك أصدقاء كانوا، وبالتعبير الشعبي، »ما بيتكنّسوا« من البيت، الآن أراهم كل ستة أشهر. قلت مرة في برنامج تلفزيوني إن اتحاد الكتّاب العرب يبعد عن بيتي أقل من كلم واحد، وبعد سنتين من علاجي لم يأتني حتى هاتف من اتحاد الكتّاب. بعدها زارني علي عقلة عرسان، جاءني بباقة ورد، شرب فنجان قهوة، وذاك وجه الضيف. كانت هناك أيضاً علاقات شخصية وخسرتها، لا أبحث عنها، ولكنني أفتقدها. ؟ أنت الشاعر، الكاتب والصحافي المشاكس، ومعروف بهذه الصراحة التي تتحدث عنها الآن، مع ذلك نجوت من أن تسجن، او تلاحق، ولم تنف نفسك خارجاً، كما فعل زكريا تامر مثلاً. كيف استطعت، في حقل ألغام العمل الصحافي والثقافي في سوريا، أن تنجو بجلدك؟ { هناك ظروف ساعدتني. لم أكن أتدخل بأشياء لا تعنيني، وهناك أشياء تعنيني ولكن بقدر، كنت أعلق عليها تعليقات عابرة، لكن حينما تطرح مسائل جدية لا أستطيع أن لا أتكلم، وأنا من يوم اللقاء مع الجبهة إلى اليوم، دائماً صوتي عال وأحكي. ويبدو لي أن الأمن متفهم أنني لست منظماً، وهذا أكثر ما يضايقهم، وخاصة في فترة »الإخوان المسلمين« و»المكتب السياسي« وغيرهم. ربما تركوني أتكلم حينما وجدوا أن صوتي من رأسي. ؟ ولكنك في الحقيقة تعرضت لمشاكل؟ { مشاكل بسيطة، ولا تقاس بالنسبة لمشاكل غيري ممن اضطر ليهاجر، أو من سجن. منعت من السفر، حجز جواز سفري عدة مرات، منعت من الكتابة. في وقت ما نقلني أحمد اسكندر (وزير إعلام سابق) إلى قسم الترجمة في وزارة الإعلام حيث بقيت ثماني سنوات لا أكتب كلمة في الصحافة السورية. لكني لم أكن هيّناً، كنت أمنع من الكتابة في الصحف السورية، فألجأ إلى الصحف اللبنانية أو الفلسطينية أو المصرية. غاب صوت من الداخل وظل صوتي في الخارج. وتبين في النهاية أن الصوت في الخارج مسموع أكثر من صوت الداخل. دمشق مدينتي ؟ تقول إنك كنت خارج موجة الريفيين الذين كانوا ينظرون إلى دمشق كمبغى، أو جاؤوا لينتقموا من المدينة ربما، ما الذي جعل نظرتك مختلفة لدمشق؟ { حينما جئت من الضيعة، لم أجئ متعالياً عليها، ولا خائفاً منها، جئت وعندي مركب نقص تجاه دمشق. كنت أرى أن علينا أن نتطور ونطوّر المدينة، لا أن نعمل على ترييفها، كان هدفي كيف نصبح مدنيين أكثر. هذا ساعدني منذ البداية. أول ما جئنا في الستينيات كان لأحمد عبد المعطي حجازي ديوان »مدينة بلا قلب« وهو يحكي عن المدينة بما ينطبق على دمشق ومدن عربية غيرها؛ أن المدينة بلا قلب ولا علاقات ولا حيوية. قرأت الديوان وأعجبني، حتى إنني قلدته في البداية. بعد ذلك اكتشفت أن القضية ليست هنا، فنحن، أبناء الريف، وأبناء دمشق، وأبناء العالم الثالث كله، ننتمي إلى ريف، وبالتالي نحن خارج صراع الريف والمدينة، وليس لنا مكان في هذا الصراع، والأفضل أن نراهن على شيء مستقبلي، هو تطوير المدينة، وهذا ما أشتغله أنا؛ كيف يمكن أن نكتب أفضل، بحس حضاري وبأخلاقية أعلى، غير الأخلاقية الدينية، كيف تكون علاقاتنا إنسانية أكثر. وهذا ما جعلني أحياناً بعلاقاتي غير مفهوم. يعني مثلاً إذا كتبت عني كتابة لم تعجبني لا أزاعلك، فهذا رأيك، ولكن علينا أن نلتقي ذات يوم، فإما أن تطوّر وجهة نظرك، أو أكون أنا قد تطورت، أو يتطور كلانا، ونصبح بشراً مختلفين عما كنا عليه في الأول. ؟ هل يمكن القول إن دمشق، بين مختلف المدن، هي مدينتك؟ { في 10 حزيران 1967 كنت مقيماً في حي الميدان بدمشق. كانت الحرب، وكان الجيش السوري ينسحب، وأنا ممسك ببارودتي في موقعي (كنا في الجيش الشعبي). شعرت بأعماقي بأنني قادر على أن أموت هنا، في هذا المكان، وهذه ليست مزايدة، حتى إنني لم أكتبها. أن تكون في موقع لا يجوز أن تتخلى عنه إلا إذا مت. زاد من هذا الإحساس الغامض، إحساسك بأن الوطن كله يهزم. الهجرة شيء مريع. تقول لنفسك وأنت ترى إلى المهاجرين والنازحين: أين هي رابطتهم مع الأرض؟ هؤلاء يأتون من أوروبا إلينا، ونحن نترك قرانا ونمشي. الجولان فرغ عن بكرة أبيه ولم يبق سوى أربع قرى. دمشق صارت أمي، ودائماً أقول إن أبرز حدثين مرّا في حياتي وأثرا بي كثيراً هما الخامس من حزيران وموت أمي. ؟ ماذا عن أمكنتك الأثيرة في دمشق؟ { أنا عشت ولداً شقياً. منذ جئت إلى دمشق كنا نقعد في الخمارات وفي المقاهي. أنا للأسف لم ألعب القمار، وما تبقى لم يبق شيء لم أفعله في دمشق. هذا جعلني ابن دمشق حقيقة. هناك خمارات مثل خمارة أبو ناصيف التي هدمت، إلى الفريدي التي أغلقت مؤخراً. هناك أماكن أثيرة على قلبي، أتذكرها حتى الآن. وحتى الآن أحكي عن قصص تلك الأمكنة، وعن طرائف الزبائن أو طرائف أصحاب المحلات. كان الكل فقراء، وكنت ابن هذه الأحياء الفقيرة والعلاقات البسيطة. لديّ أصدقاء حتى الآن من أيام تلك الخمارات. أنا ما زلت أشرب ولكن لم أعد أذهب إلى الخمارات. أبوة شعرية؟ ؟ بخصوص ديوانك الأخير »حياة متناثرة«، معروف أنك قضيت حياتك لم تكتب قصيدة النثر. لماذا الآن؟ في هذا الوقت المتأخر جداً؟ { متأخر وغير متأخر في الوقت نفسه. كنت بين حين وآخر أكتب أشياء يصعب أن تكون موزونة، أتركها جانباً، وهذا منذ حوالى 25 سنة. في الفترة الأخيرة، وبعد أن تجمعت كمية من تلك الكتابات قلت لماذا لا أطبعها، فخرج هذا الديوان إلى النور. هناك لعبة بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر؛ كلاهما شعر وكلاهما يحمل رؤية. في قصيدة النثر تستطيع أن تكون مرتاحاً وتأخذ مداك، وفي الوقت نفسه فإن قصيدة التفعيلة تسحبك نحو الفصاحة أكثر. ظللت أكتب قصيدة التفعيلة (قدمت 17 ديواناً)، لكن تراكم عندي ديوانا قصائد نثرية جمعت منها قسماً وطالعته في ديوان، قلت لأغامر هذه المغامرة وأرَ رد فعل الناس عليها. ؟ لم تحجم عن قصيدة النثر نتيجة موقف، لم تكن ضد؟ { لا. فأنا طوال عمري أحب الماغوط وأحب شعره، ولو أننا لم نكن »أصحاباً« في البداية. لكن كنت أحبه، وأحب قراءة ما يكتب. كنت أشتري مجلات قد تكون غالية الثمن بسبب مقطع فيها للماغوط. وهذا دليل على أنني أحب شعره، وأحب تناوله للأشياء ورؤيته لها. ؟ تحولت عن المسرح الشعري مبكراً، بسبب تفهمك لتغيّر دور المسرح، الذي انتقل من المسموع إلى المرئي. ولكن ما تخليت عنه في المسرح بقي في الشعر. { الشعر شعر والمسرح مسرح. أرى في هذه الأيام، أعني القرن الفائت كله، أن لا مجال للخلط بين الاثنين. لدى قراءتي للشعر المترجم، والمسرح المكتوب شعراً، كنت أشعر دائماً بأن هناك ازدواجية: إما موقف شعري يُعبّر عنه بالشعر، وبالتالي يكون الحوار المسرحي فيه ميتاً تماماً. أو العكس؛ يكون الموقف الدرامي عالياً جداً والشعر ميتاً. من هنا توقفت نهائياً عن المسرح الشعري. أحياناً أتيح لواحد من الكورس أن يقول بيتين من الشعر أو ثلاثة لا أكثر، كما عملت في »هاملت يستيقظ متأخرا«. ؟ نقصد أن عنصر السماع الذي استنكرته في المسرح، كان موجوداً بشكل أساسي في الشعر. { وفي المسرح موجود. السماع موجود في المسرح ولكنه لم يعد سماعاً شعرياً، وهذه قصة طويلة كتبت عنها مطولاً. الشعر كي يصل يحتاج إلى منبر خاص، هذا المنبر الخاص كان ممتزجاً مع منبر المسرح سابقاً. كان هناك التباس بين الشاعر والممثل وبطل المسرحية. مع الأيام انفرزت هذه المسألة، نتيجة تقدم العلوم. لم يعد ممكناً أن يكون المرء ممثلاً وشاعراً. مثلاً التمثيل كان خطابياً، الآن لم يعد خطابة، صار معايشة. تغيرت مفاهيم الشعر، ومفاهيم المسرح. تغيرت المعايير، وتدريجاً حدث الانفصال، هناك مسرح وهناك شعر. أنا ميال إلى أن لا أعود إلى كتابة الشعر المسرحي أبداً. ؟ حين تتحدث عن آبائك الشعريين تتحدث عن الضيعة التي عشت فيها، تتذكر والدك، وهو المقصود بعنوان ديوانك »وعليك تتكئ الحياة«، وخالك، وآخرين. هل من آباء شعريين خارج الضيعة؟ { طبعاً. الثقافة كلها آباء شعريون، حينما تقرأ تتتلمذ على أيديهم من دون أن تدري. يعجبك بيت شعر هنا، أو شاعر هناك، أو نمط من التعبير ليس بالضرورة أن تقلده، ولكن يلفت نظرك، وهذا أمر إيجابي بذاته، بمعنى كيف تكون معجباً بنمط دون أن تقلده. وقد بذلت جهدي لأكون كذلك. لهذا هناك كثير من القصائد لي لا تعجب كثيرين من الناس، ولكنني أعرف أن هذه القصائد ابنة يومها ومرحلتها. ولذلك تظل لها قيمتها الخاصة. ؟ هل يمكن القول إنك أب شعري لأحد؟ { لا. وليس عندي إحساس بالأبوة الشعرية نحو أحد أبداً. أنا أكتب كما أحب أن أقرأ. حين أكتب مادة أراجعها وأنا أسأل نفسي إذا كنت سأسر لو قرأتها في الجريدة لأحد غيري. إذا سررت بها أتبناها، وإذا لم يكن فإنني أتلفها أو أحاول إصلاحها. أكره الكوميديا ؟ بين مختلف أبناء جيلك من كتاب المسرح تميزت بأنك لم تكن صاحب بيان مسرحي، وإذا تتبعنا مسرحياتك لن نلاحظ ناظماً أو شكلاً يجمع بينها، كما لدى آخرين، كسعد الله ونوس مثلاً. { أنا، ببساطة، ليس عندي مشروع. أكتب المادة حين تأتي على بالي، أكتبها قصيدة نثر، رواية، مقالاً، أكتب ما يعنّ على بالي، ومع الأيام أغربل. لكن لم يكن عندي أبداً مشروع. من نوع تلك التي ترمي إلى إنقاذ المسرح العربي! ؟ كان لافتاً أيضاً، وأنت من الأشخاص المولعين بالنكتة والضحك، أنك لم تكتب مسرحيات كوميدية. { لديّ أعمال فيها لمسات كوميدية، ولكنها ليست كوميديا. أنا أكره الكوميديا وأحسها بسيطة وتافهة ومسطحة، في المسرح والتلفزيون على السواء. ؟ تقصد ما نراه اليوم من أعمال كوميدية، أم الكوميديا كنوع مسرحي؟ { الكوميديا كنوع لا نستطيع إلغاءها. لكن ما نشاهده منها، منذ منتصف القرن الفائت، كله مبتذل. وعلينا أن نعود إلى الوراء، إلى حد موليير، لنجد شيئاً له طعم. أما ما تبقى فكله فارغ. ؟ ألا ترى أحداً من الكوميديين العرب؟ هناك أسماء شغلت الدنيا؟ { هذا كله تجاري. الماغوط اشتغل قليلاً بالكوميديا لكن للأسف قلّص من شاعريته لصالح الكوميديا. وساعده دريد لحام طبعاً. لكن أنا لم أر أبداً كاتباً كوميدياً، علي سالم جرب قليلاً في البداية. ليس هناك تيار أو مدرسة تدفعك للقول إن هناك كوميديا، أو مسرحية كوميدية. ؟ مؤخراً جرى تكريمك في مهرجان دمشق المسرحي، ولكن مع مفارقة أنه لم يقدم عرض واحد عن مسرحياتك! { ربما لأن المهرجان كله كان مرتجلاً، ولم يكن هناك تهيئة حقيقية، حتى الأعمال التي قدمت كانت مرتجلة. لم أتابع عروض المهرجان، ولكن بلغني أنه مخيّب. ؟ كنت تستعيد رغبتك القديمة، بأن تكون ممثلاً ومخرجاً، في يوميات التمرين على نصوصك في طريقها إلى خشبة المسرح. كيف أفادك ذلك؟ { عندي إحساس بأن لا أحد يتقن عملي غيري. فدائماً، أثناء العمل على أحد نصوصي، كنت أتابع العمل منذ أول جلسة قراءة إلى آخر يوم في العرض. أوجّه ملاحظات، والممثلون كانوا يأخذون بها. متابعتي ليوميات البروفة والعرض ولّدت تجربة جديدة بالنسبة لي، بحيث صرت أعرف كيف أقيّم ما يجري على الخشبة وفي الصالة كما ردود أفعال الصحف. يساعدني ذلك على التقييم وعلى معرفة أين أخطائي، فأتجنبها إما في نسخة جديدة من النص، أو في عمل آخر سأكتبه. التجربة الحية في المسرح أفادتني كثيراً. جوقة بأصوات متنافرة ؟ كيف ترى الحركة الثقافية في سوريا اليوم؟ { الوضع في سوريا كما هو في الدول العربية الأخرى، بحالة جمود وركود، هناك حركة باهتة لا تقدم شيئاً. ولذلك نعود إلى دفاترنا العتيقة. ؟ ألا ترى علامات معينة في الأجيال الثقافية الجديدة؟ { بين حين وآخر تجد اسماً أو اثنين في كل بلد، ولكن لا يشكلون تياراً حقيقياً يفتح طريقاً أو يستقطب أصواتاً أخرى. صوت واحد لا يشكل تياراً. حينما كنا في الجامعة، كنت أنا وفايز خضور وعلي كنعان وكمال أبو ديب وفواز عيد وغيرهم، وعلى تنافر أصواتنا كنا جوقة واحدة. ؟ هل نعود إلى التفسير المعتاد حول فترة المد القومي الذي أنتج نهوضاً ثقافياً، وغيابه الذي أخذنا إلى الانحطاط؟ ؟ هذا أحد الأسباب، ولكنه ليس سبباً كافياً. ترى الناس يتلمسون طريقهم، دون أن يعثر أحدهم على طريقه الخاص. ومن يجرب كتابة قصيدة فسيكتب أخرى مختلفة بعدها، بمعنى أن ليس هناك تيار في الشعر ولا في المسرح. هناك موت مسرحي وموت شعري بمختلف النواحي. ليس هناك نقطة استقطاب لمبدعين يشكلون تياراً ولو متقارباً، وليس بالضرورة أن يكون متجانساً. كلٌّ صوته لوحده، الأصوات متنائرة، وليس هناك صوت ثقيل. المثقفون الحقيقيون فاعليتهم وتأثيرهم محدود، لأنهم ليسوا جزءاً من تيار. وبالمناسبة، ولكي لا نظلم حزب البعث، رغم أنه ارتكب أخطاء كثيرة، فإن الشيوعيين ارتكبوا أخطاءً أيضاً، لقد أساؤوا كثيراً للحياة والقيم الثقافية. كان هناك جلادون في الساحة. لحسن الحظ أن سعيد حورانية لم يحكم، لكان علق المشانق للناس في المرجة. ومثله كثر، سعيد مراد وغيره. من هو مثلاً محمد خالد رمضان؟ وما قيمته الثقافية؟ وهل يستأهل أن تحجز له مركزاً ثقافياً تملأه له بالجمهور، فيما هو يخطئ بالإملاء؟ القوميون السوريون كذلك أيضاً. هناك طائفية سياسية ضمن الأحزاب. نحن فعلنا ما نستطيعه، ولكن برأيي ما نستطيعه كان قليلاً. من أين تأتي بالحركة الثقافية الناشطة وهذه هي حال المجتمع، السلطة، الثقافة، والتربية؟ ؟ هل تشعر بأن هامش الحرية للكاتب أكثر اتساعاً من قبل؟ { من لا يمنح نفسه الحرية، لا أحد يمنحه إياها. كل ما كتبته في حياتي كتبته ولديّ إحساس بالحرية، رغم غيابها من حولي. ؟ ضيعتك التي تتحدث عنها كثيراً، والتي أنتجتك واحداً من قوّالي دير ماما، هل ما زالت موجودة؟ { موجودة، ولكن الحياة المعاصرة، أغاني الإذاعة والتلفزيون، طغت على كل شيء. اليوم تذهب لتحضر عرساً فتسمع أغاني التلفزيون، لم تعد تسمع الأغاني التي كنت تسمعها صغيراً، نكهة القرية ذهبت، ولم يبق هناك قرية في الأساس، كله اسمنت وتلفزيون وموضة. الرحابنة تحدثوا عن القرية الجبلية، تحدثوا عنها ليودعوها، لا ليتغزلوا بها. أين تشاهد الآن امرأة تلبس فستاناً وتضع »شكلة« على زنارها؟ وصرت تضحك إذا عثرت على رجل بشاربين معتنى بهما. ؟ لماذا خوضك لتجربة الرواية؟ وهل خدمتك تجربة العمل الصحافي في الكتابة الروائية؟ وهل لديك مشروع آخر بعد رواية »أعدائي«؟ { ليس لديّ مشروع روائي آخر. أنا كتبت روايتين »الأبتر« عام 1969 و»أعدائي« العام 2000. هناك وقت طويل بينهما. بخصوص عملي الصحافي، كنت أكتب دائماً ما أحب أن أقرأ، والقصص التي كتبتها، وحتى المسرحيات، كنت أعرف أن أحكيها أيضاً لا أن أكتبها فقط، وأحياناً أثناء الحكي أضيف وأسرد مطولاً تفاصيل أراها في الرواية زائدة. العمل الصحافي أفادني بهذه الناحية كثيراً. كما أفادني في آلية البحث عن قصة. نحن في قرانا لدينا حكواتيون، يتقنون فن الحكي؛ أذهب إلى الضيعة كل سنة أو سنتين مرة، لألتقي بنفس العجائز الذين يرددون لي القصص نفسها، وأضحك نفس الضحك، وهم يضحكون أيضاً كأنهم يسمعونها لأول مرة. التربية والنشأة الأولى، ترسبات الضيعة، معاشرتي للناس، كل ذلك تجمعت ليشكل عملي. ؟ هذا الحب للحكواتي أهو ما ولّد عندك حباً للمنبر، ومن جهة لممارستك التدريس في المعهد العالي للفنون المسرحية، الذي تصر عليه رغم مرضك؟ { ربما. أنا أدخل إلى الصف ما بيدي ورقة أو دفتر. أكون قد هيأت موضوعاً وأحكي به، والموضوع يولد موضوعاً. عندي رغبة لأكتب تجربتي بالتدريس، ماذا قدم لي؟ لقد أساء لي وخدمني بنفس الوقت. أساء لي بمعنى أنني صرت أقل كتابة أو إنتاجاً للمسرح، لكنه خدمني بأن أعرف أن أنتقي الكلام الذي يصل للبسيط الذي لا يحمل سوى شهادة البكالوريا، وأجبره على التفكير والتساؤل، أشجعه على الكتابة والتخلص من جبنه إذا كان جباناً إزاء الكتابة. ؟ يبدو أن الالتباس قديم في هويتك، إذ يقدمك كثيرون على أنك كاتب فلسطيني. فاسم عدوان في كنيتك يعود إلى واحدة من قصص البدو التي تعود إلى قبيلة »العدوان« التي تسكن شمال الأردن وفلسطين؟ { الريف الذي نشأت فيه جبليّ ومتاخم للبادية، كثير من قيمه بدوية، حكايات العجائز وتساليهم هي قصص عن أمراء البدو، فروسيتهم وكرمهم وكل مناقبهم. كانت أسماء مثل عدوان أو شمّر متداولة كثيراً هناك، ومنها قصة »الأمير نمر العدوان ووضحة ست النسوان«، وبالمناسبة أمي اسمها وضحة، وجدي لأبي اسمه عدوان تيمناً بالحكاية. الالتباس في هويتي قديم، ربما نشأ إثر عملي في الصحف الفلسطينية. كانت رسائل كثيرة تأتيني بصفتي فلسطينياً. إجمالاً الشباب الفلسطينيون الذين احتككت بهم كانوا جيدين معي وكنت جيداً معهم. بعضهم كان يحس بالجميل بأن شخصاً سورياً كان متحمساً أكثر منهم أو بمثل تحمسهم، فصار التعامل معي كفلسطيني، بالإضافة إلى الالتباس في الاسم بين ممدوح عدوان وكمال عدوان (القائد الفلسطيني الذي اغتيل في السبعينيات). (دمشق)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة