As Safir Logo
المصدر:

عرفات في ايران

المؤلف: عزيزي يوسف التاريخ: 2004-12-15 رقم العدد:9971

أصبح شعار »اليوم إيران، غدا فلسطين« شعارا يردده الايرانيون في تظاهراتهم الواسعة ضد الشاه، حيث كان العديد من الثوريين الإيرانيين قضوا فترات مختلفة للتدريب العسكري والسياسي في المعسكرات الفلسطينية في الدول العربية في الستينات والسبعينات من القرن المنصرم. وكان ياسر عرفات أول ضيف أجنبي يحل على زعيم الثورة الإيرانية الراحل آية الله الخميني وأول زعيم عربي يزور مدينة الأهواز التي تقطنها أغلبية عربية في آذار 1979. اذ تحولت السفارة الاسرائيلية في وسط طهران، الى سفارة لفلسطين وتم افتتاح مكتب لهم في مدينة الاهواز. وقد اغُلق هذا الاخير بعد عامين من افتتاحه وذلك بسبب حساسيات أبدتها الحكومة الايرانية. وهذه كانت البداية للريبة التي ظهرت مبكراً بين الثورتين التؤامين. وعقب احتلال السفارة الاميركية في طهران واستفحال ازمة الرهائن الاميركيين في مطلع الثورة الايرانية، حاول ابو عمار، وبطلب من الاميركيين، التوسط لدى القيادة الايرانية لإطلاق سراحهم، حيث كانت الادارة الاميركية مرتبكة جدا آنذاك؛ غير ان جهوده ذهبت سدى بسبب عدم تجاوب الحكومة الايرانية. ويعتقد المحللون انه لو نجح ياسر عرفات في وساطته في تلك الأجواء المشحونة التي أثارتها قضية الرهائن لدى الرأي العام الاميركي لأصبح لديه رصيدا كبيرا في الولايات المتحدة ولتحولت الواقعة الى نقطة انعطاف في الصراع العربي الإسرائيلي. وبعد اندلاع الحرب العراقية الايرانية في اوائل الثمانينات حاول عرفات التوسط بين العراق والدول الخليجية الداعمة له من جهة وبين ايران من جهة اخرى، غير ان الوساطة التي قام بها الطيب عبدالرحيم لم تنجح، ما أدى بعرفات ان يقف الى جانب العراق بعد ان يئس من كل الوساطات. فلم يدم شهر العسل بين الأختين التؤامين اي الثورة الايرانية والثورة الفلسطينية، حيث اصبحت هناك قطيعة بين ياسر عرفات وقيادة الثورة الاسلامية كادت ان تؤدي الى إغلاق السفارة الفلسطينية لو لم تبد بعض الشخصيات الايرانية والسفير الفلسطيني في طهران صلاح الزواوي، الحنكة في هذا المجال. وقد انبثقت حركتا المقاومة الاسلامية »حماس« و»الجهاد الاسلامي في فلسطين«، أواخر الثمانينات بتأثير من الثورة الاسلامية في ايران ونتيجة مباشرة للقطيعة المذكورة آنفا؛ والتي شهدت اتساعا في اوائل التسعينات أي بعد اتفاق اوسلو والاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية و اسرائيل. وساعد انتخاب خاتمي رئيساً للجمهورية في ايران في عام 1997 الى انفراج الأجواء بين ياسر عرفات والقيادة الايرانية وتمت دعوته الى حضور اجتماع القمة الاسلامية في طهران. والتقى عرفات بالرئيس محمد خاتمي ورئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني دون ان يتمكن من اللقاء بمرشد الثورة آية الله علي خامنئي. وقد طرأ تحسن طفيف في العلاقات بين السلطة الوطنية الفلسطينية والحكومة الايرانية دون ان تصل الى المستوى المطلوب. وفي الصراع الدائر منذ ثماني سنوات بين الاصلاحيين والمتشددين في إيران، ابدى الاصلاحيون تفهما وتأييداً لمواقف ياسر عرفات وأعلنوا في صحفهم وفي مناسبات عديدة منها اثناء الحصار الاسرائيلي له في رام الله دعمهم لابو عمار في سياساته تجاه اسرائيل والسلام في الشرق الاوسط، فيما استمر المحافظون على إدانتهم لمواقف ياسر عرفات ودعمهم لغرمائه في حماس والجهاد الاسلامي. فلم يغفر هؤلاء لابو عمار وقوفه الى جانب العراق في حربه ضد ايران التي استمرت ثماني سنوات، بل والاكثر من ذلك لم يغفروا له اتفاق السلام الذي عقده مع رئيس الوزراء الاسرائيلي الراحل اسحق رابين وبمباركة الولايات المتحدة. كما وعلى المستوى الشعبي فقد انقلب الوضع الايراني بالنسبة للقضية الفلسطينة عامة وياسر عرفات خاصة بسبب ما ذكرناه من اسباب وايضا بسبب دفاع السلطة الايرانية عن المنظمات الراديكالية في فلسطين. ولا ننسى الدعاية التي تقوم بها القوى القومية والملكية المعارضة ومن ورائها اسرائيل لإيجاد الفجوة بين الثورتين الايرانية والفلسطينية، ويبدو انها نجحت بعض الشيء في هذا المجال. وعلى مستوى الاحزاب الايرانية، فعلاوة على الفصائل الاصلاحية هناك قوى يسارية وقومية اسلامية ليبرالية في الداخل والخارج تنتقد دعم السلطة الايرانية للمنظمات الراديكالية وتبدي تعاطفها مع منظمة التحرير الفلسطينية وشخص ياسرعرفات. رحيل عرفات والأوساط الإعلامية والسياسية اتسمت ردود فعل وسائل الاعلام الايرانية وخاصة الحكومية والمحافظة منها بالبرود تجاه وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ونقل اخبار مرضه، بل ولم تفوت بعض الصحف المتشددة الفرصة لتشن هجوما شرسا على قائد فارق الحياة لتوه وتلقى المدح والإشادة حتى من قبل غرمائه السياسيين في فلسطين كزعماء حماس وحركة الجهاد الاسلامي. وغطت تظاهرات يوم القدس في طهران والمحافظات الايرانية الاخرى على مراسم جنازة عرفات الرسمية في القاهرة والشعبية في رام الله، التي بثتها معظم القنوات التلفزيونية العربية والعالمية باعتبارها حدثاً تاريخياً عظيماً، فيما لم تبث القنوات التلفزيوينة الحكومية في ايران والتي يهيمن عليها المحافظون، الا بضع دقائق من التشييع الذي اقيم لجنازته في القاهرة. وأصدرت حكومة خاتمي الاصلاحية بيانا معربة عن اسفها وحزنها لوفاة ابو عمار اكدت فيه: »لم يخف على اي شخص منصف وحر، الدور البارز لياسر عرفات في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وكفاحه ضد المحتلين الصهاينة طوال نصف قرن مضى. وقد تقاطع اسمه مع اسم فلسطين، حيث لا تنسى جهوده ومثابرته لطرح القضية الفلسطينية ومظلومية هذا الشعب وضرورة دعمها في الاوساط الدولية والاقليمية«. وأرسل خاتمي وزيرخارجيته كمال خرازي الى القاهرة للمشاركة في تشييع جثمان ابو عمار هناك. وقد اثنت بعض الصحف الاصلاحية كجريدة (شرق) على دوره، لكنها اكدت على انتهاء عهده وبدء عهد جديد تلعب الولايات المتحدة فيه دورا بارزا على الساحة الفلسطينية. كما قدم الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني في اجتماع يوم القدس بطهران، تعازيه الى الشعب الفلسطيني لرحيل ياسر عرفات. اما على الجانب الآخر فقد شنت صحيفة (جمهوري اسلامي) المتشددة هجوما على ابو عمار بعد موته بيوم قائلة: »فقد تم إقصاء عرفات من قبل تل ابيب وواشنطن والاتحاد الاوروبي ووصفوه أحيانا بالعائق امام عملية التسوية وتسليم الفلسطينيين للمحتلين، بعد ان ثبت لهم بأنه لم يعد بعد ذلك بيدقا بيد الكيان الصهيوني؛ وان الدول الغربية بحاجة الى شخص آخر ليواصل السياسات الاستعمارية«. ووصفت (جمهوري اسلامي) في قسم من مقالها المعنون »فلسطين لا تموت بموت عرفات«، وصفت ابو عمار ب»بيدق اسرائيل والولايات المتحدة وعنصرا مطرودا لشريحة واسعة من الشعب الفلسطيني المناضل«. وقالت: »فقد توقع الشعب الفلسطيني ان يتبرأ عرفات في الايام الاخيرة من عمره من الخدعة التي اوقعه فيها الصهاينة والاميركيون وأن يعترف بهذه الخدعة الغربية الاسرائيلية لكن مع الأسف لم يفعل ذلك«. وتتوقع السلطة الإسلامية ان تبدأ برحيل عرفات، مرحلة جديدة تشارك بموجبها المنظمات الفلسطينية المؤيدة لها في السلطة الفلسطينية، وهذا ما يستبعده المراقبون، حيث ان انتخاب محمود عباس رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية هو إشارة تعني عكس ذلك. (*) كاتب إيراني طهران

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة