As Safir Logo
المصدر:

الانقلاب الاقتصادي في سوريا

المؤلف: حسين لؤي التاريخ: 2004-12-10 رقم العدد:9967

»لقد تم اختيار التوجه في سوريا نحو اقتصاد السوق وانتهى الأمر«. بهذه الفحوى وبعبارات شبيهة بهذه الجملة مرّرت لنا السلطة السورية تحولاتها وخياراتها الاقتصادية المستقبلية عبر ما أعلنه عبد الله الدردري، رئيس هيئة تخطيط الدولة منذ بضعة أسابيع بأكثر من مناسبة وعبر أكثر من وسيلة إعلام، لكن بصيغة واحدة وحاسمة. وقد كان لهذا الإعلان، وشكله، صدى واسع عند أوساط المعارضة والأوساط المهتمة بالشأن العام. لم ينقل الدردري الخبر على أنه قرار عن اجتماع أو مؤتمر هيئة ما، أو أنه مرسوم أو تشريع، بل جاءنا به وكأنه بيان عسكري قاطع أو بلاغ ثوري يعلن نهاية مرحلة سابقة وبداية أخرى جديدة. فقد قام بتبليغه للقيادة القطرية لحزب البعث التي هي من المفترض أن تكون أعلى سلطة سياسية في البلاد، أي أنها الجهة الوحيدة المخولة باتخاذ قرار أساسي كهذا وليس العكس. ورغم أن ذلك يثبت مرة جديدة أن مؤسسة حزب البعث وقيادته العليا لا دور لهما بقيادة البلاد ولا بإنتاج سياساته، فمن المعتاد أن أمرا كهذا كان يصدر عن هذه القيادة ولو بشكل إداري شكلاني، لا أن يبلّغها به مسؤول حكومي غير بعثي. ورغم أن السيد الدردري يعتبر أن هذا الأمر ليس خيارا أيديولوجيا بل فني، فربما يقصد أن الأمر مناط بالتقنيين وليس بالسياسيين، أو أنه إجراء لن يطال الميدان السياسي والمجتمعي بل هو مجرد خطة خمسية محضة، كغيرها، لن تتعدى كونها برنامجا يحدد كيفية صرف المال العام المعلن. لكنني أعتقد أن الأمر غير ذلك وأكثر من ذلك، لدرجة أنه يستدعي القلق. ليس لأن اقتصاد السوق ليس هو الخيار الأفضل من الناحية الاقتصادية لبلادنا، وما يستتبعه من تغيرات على التركيبة الاجتماعية وكذلك على صعيد التشريعات، بل لأن السلطة لم تكلف نفسها، كعادتها، بتقديم تفسيرات لنا عن قراراتها وخياراتها التي تتخذها. فاكتفت الآن بهذه العبارات المقتضبة التي لا تبين لنا كيف سيتم تحويل الاقتصاد من اقتصاد موجه إلى اقتصاد السوق. فما قاله الدردري بهذا الصدد هو فقط إنهاء الاحتكارات في البلد، بما في ذلك احتكارات الدولة، خلال الخمس سنوات القادمة بعد توقيع الاتفاقية في أيار القادم حسب ما هو متوقع. هذا الكلام غير مطمئن ولا يبين لنا كيف سيتم إنهاء الاحتكار. فإن بقيت الصيغ القانونية ووضع السلطة القضائية على حاله فإننا سنكون متأكدين من أن احتكارات الدولة التي كانت محمية بقوانين تنص على ذلك، ستنتقل إلى أيدي فئة آتية من رحم السلطة وقد جمعت ثرواتها من المال العام بطرق غير مشروعة. وسيكون مقيضا لهذه الفئة أن تحتكر كل شيء دون حاجتها إلى قوانين تحمي وتشرعن احتكاراتها واستئثارها بأهم قطاعات الاقتصاد السوري ومفاصله الرئيسية. وسيتأمن لها ذلك لمجرد غياب قوانين تحمي استثمارات آخرين، سوريين أو أجانب، الذين سيبقون عرضة لعسف السلطات والأجهزة، في الوقت التي تكون فيه تلك الفئة محمية من هذا الاستغلال والجور، كونها تمسك بالكثير من مفاصل الدولة السورية عبر علاقات قربى وطيدة تربطها مع أهم وأكبر المسؤولين في السلطة ومراكز القرار. وهكذا لن يكون هذا التغيير إنهاء لاحتكار الدولة، مع علمنا جميعا أن هذا الاحتكار لم يكن هو السبب المباشر لتردي أوضاع السوريين المعيشية والحياتية، بل هو احتكار المنفعة واحتكار نهب القطاع العام واحتكار القرار الاقتصادي، كالقرار الذي نحن بصدده، لتأمين واختراع سبل وآليات جديدة لنهب المال العام خارج إطار القطاع العام الذي تحاول السلطة بخطابها دوما إظهار أن المال العام محصور في القطاع العام فقط. فإن حمت هذا القطاع من الفساد البسيط والصغير فستبدو أمينة على أموالنا وعلى ثرواتنا. وبهذا الشكل تحصر الصراع في ملاعب صغيرة لا تؤثر على بنيتها وسيطرتها. إن ما جاء في قول الدردري كتفسير للقرار لم يتعدّ أن يكون تبريرا للغة القرار القاطعة: إن هذا الخيار هو الطريقة الوحيدة لدخولنا في الشراكة الأوروبية، بمعنى أن هذه الشراكة كانت قد ارتضتها غالبية الجهات والفئات السورية، وهذا الرضى بالشراكة عنى منذ البداية رضى باقتصاد السوق. لهذا لا اعتراض ولا نقاش، فالنقاش انتهى بمناقشة مسألة الشراكة سابقا، والاعتراض فات أوانه مذ ذاك. لكن لا يكفي للسلطة اعتبار مجرد قبولنا بالشراكة الأوروبية أننا نقبل بالتحول نحو الصيغة التي تراها لاقتصاد السوق المفبركة حسب مصالح فئة من المتنفذين فيها. ولا يكفي اكتفاء السلطة بما تعتبره قبول الجهات السياسية الأخرى، بل يجب أن يتحقق قبول العموم أولا وأساسا. وقبل ذلك سيكون مطلوبا من السلطة أن تقدم لنا تصوراتها عن المنافع التي سنجنيها جميعا من هذا التحول، وتبين لنا لماذا لم تأخذ بكل الشروط والتوصيات الأوروبية مكتفية بموضوع اقتصاد السوق. هذا التحول في توجهات السلطة هو الإصلاح الاقتصادي الذي وعدت به منذ سنوات وقدمته على أي إصلاح سياسي مطلوب. واختلفت معها قوى المعارضة ونخبها، منذ بدء هذا الطرح وحتى الآن، على أسبقية الإصلاح السياسي على الاقتصادي، غافلة عن مقصد السلطة من الإصلاح الاقتصادي، وبدت أنها متفقة معها على الدفع به كشعار ليس إلا، دون تحديد أو تفصيل في ماهية وطبيعة الإصلاح الذي تريده السلطة. وكذلك فإن البعض، وليس الجميع، كان ينتظر اتفاق الشراكة مع الأوروبيين منذ مدة اعتقادا منه أنه الحل الأمثل، أو الأريح، لما يراه مشكلات في سوريا، وأهمها مسألة الديموقراطية. إذ يعتقد هؤلاء أن الأوروبيين يشترطون على الدولة السورية لشراكتهم إطلاق الحريات الفردية وإنعاش الحياة السياسية السورية. فيقبلون بذلك تدخلا خارجيا في الداخل السياسي السوري آتيا من الأوروبيين، في الوقت الذي يدعون فيه لتوحيد الصفوف لمواجهة تدخل أميركي يشبهه في العموم. بعض آخر من السوريين يأملون بهذه الشراكة لظنهم أنها ستجر أوضاعهم الحياتية والمعيشية إلى أوضاع أشبه بالأوضاع الأوروبية من ناحية الأسواق أو فرص العمل، مع علمهم بأن هذا لن يكون متاحا للجميع. إلا أنهم يعتبرون أن لديهم من الشطارة ما يجعلهم أفضل حالا مما هم عليه الآن بفضل تلك الشراكة. صمت المعارضة لم يصدر عن قوى المعارضة السورية ونخبها أي موقف أو رأي بخصوص المستجدات في هذا الموضوع حتى الآن، ما عدا الاهتمام بتناقل واسع ونشط للخبر، ونقاشات ودردشات بين أفرادها تحمل طابع التساؤل أكثر من التحليل واتخاذ المواقف. وإن كنا نصادف القليل من الكتابات لكتاب محسوبين على جهة المعارضة بخصوص هذا الموضوع، إلا أنها جميعها كانت تعليقا على توجهات السلطة وليس طرح تصورات بديلة، أو وضع الإصبع على مكامن الخطر المستقبلي من توجه اقتصادي لا يقدم نفعا للشعب السوري. وأعتقد أن المشكلة عند المعارضة هي أكبر وأعمق من ذلك ولا تقف عند حدود عدم توضيحها طبيعة الاقتصاد الذي تريده لسوريا، أو بتقديم تصور واضح ومتكامل للمسألة الاقتصادية. فهذا ناجم عن عجزها العام في أن تكون معارضة حقيقية تشكل ندا، ولو صغير الحجم والفاعلية، للسلطة. فأغلب القوى والنخب المعارضة الفاعلة في الساحة السياسية السورية آت من أيديولوجيات اشتراكية، وأغلب هذه الأحزاب ما زال يحمل في تسميته كلمة الاشتراكية، ورغم أن أغلبها تخلى، دون أن يعلن، عن الاشتراكية كنظام اجتماعي اقتصادي يصبو إليه، وتخلى عن آليات تحقيقه السياسية التي كان يتبناها سابقا، أي الاستيلاء على السلطة والانفراد بها، وانتقل إلى ما سمي موقع المعارضة الديموقراطية دون أن يقرن بين قيام النظام الديموقراطي والشرط الاقتصادي، بل فصل بينهما ولم يثر أصلا مسألة الارتباط، أو عدمه، بين النظام الديموقراطي واقتصاد السوق. وكنت قد أثرت هذا الموضوع، منذ أكثر من سنتين، في حوار مع بعض المفكرين والكتاب السوريين المنشور في كتاب »حوارات في الوطنية السورية«، فاعتبر البعض أن السؤال نافل وسابق لأوانه. على هذا النحو تكون القيادة السورية حسمت أمرها ورأت مصلحتها في اختيار اقتصاد السوق دون الحاجة لأن توضح لنا آليات هذا التحول، فربما هي لا تعرف ذلك، وما يرجح هذا الاعتقاد هو التخبط الذي نراه في قراراتها وإجراءاتها الداخلية والخارجية، وآخرها موضوع استحقاق الرئاسة اللبنانية وطبيعة الاستجابة للقرار 1559. فإن كانت القيادة السورية أقدمت على خطوة جريئة وضرورية كهذه لتحقق الإصلاح الاقتصادي الذي يناسبها، فإن المعارضة لم تقل، ولا أظنها ستقول قريبا، ما هو خيارها الاقتصادي وكيف ترى إمكانية تحققه، وما هي مصلحتها فيه. في الختام يمكننا أن نستخلص أن هذا التحول الذي اختارته السلطة وقررته يمتلك من قوة التغيير بحيث يمكن اعتباره وكأنه، بل هو، بمثابة انقلاب نهائي على ما جاء به، أو لأجله، حزب البعث إلى السلطة. فبعد أن ذهبت أحلام الوحدة، منذ حين، مع رياح الوهم الذي أنتجها أو تذرع بها، وبعد أن تم الإقرار بوجود إسرائيل منذ بدء التفاوض معها، والآن بعد التخلي عن الأهداف الاشتراكية والتحول باتجاه اقتصاد السوق، لم يبق موجودا لحزب البعث أي من أهدافه المعلنة، وبقيت دواعي وجوده، على حاله الراهنة بعد هذه التغيرات، مجرد غطاء لمجموعة من المتنفذين الذين يتحكمون بالسلطة. ونظرا لهذا الأمر من هذه الناحية لا يمكن توقع أي تغيّر مهم سينجم عن مؤتمره الموعود القادم. (*) كاتب سوري

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة