As Safir Logo
المصدر:

قراءة في رواية ما بعد البيروسترويكا »المخلص لكم شوريك« للودميلا أولسكايا الجنس الآلي والهجرة إلى إسرائيل عنصرا أفضل رواية في عصر السوق

المؤلف: حلوم منذر بدر التاريخ: 2004-11-26 رقم العدد:9955

عن دار إيكسمو، إحدى كبريات دور النشر الروسية، صدرت هذا العام رواية (المخلص لكم شوريك) وهي الرواية الثالثة، بعد (ميديا وأولاده) و(حادثة كوكوتسكي) للكاتبة الروسية لودميلا أوليتسكايا، وبعد قصتها الطويلة (دفنٌ مَرِحٌ) والعديد من المجموعات القصصية والشعرية. لكن، وعلى الرغم من عدة جوائز حازتها الكاتبة، ومن أهمها جائزة البوكر على روايتها (حادثة كوكوتسكي)، فإن ل(المخلص لكم شوريك)، موضوع حديثنا، أهمية خاصة من ناحية تتويجها الرواية الأفضل للعام 2004 وليس فقط من ناحية ذلك.. ففي الوقت الذي يعدّ فيه صدور رواية غير بوليسية وغير غرامية، بحد ذاته، حدثا في الحياة الأدبية الروسية، اليوم، فإنّ الحدث الأكبر الذي ينتظره الكُتّاب كلَّ عام هو مسابقة معرض موسكو الدولي للكتاب، المسابقة التي قد تنتهي بدفع النقّاد، أو من يقف خلفهم، لكتاب ما إلى الواجهة الإعلامية وجعله (سلعة) مرغوبة لدى شريحة أوسع من القرّاء، سلعة استهلاكية تتمتع بالعديد من مواصفات السلعة المطلوبة للسوق. وذلك ما كان هذا الموسم مع (المخلص لكم شوريك)، فما إن تلألأت أضواء معرض موسكو الدولي للكتاب حتى خُصَّت الرواية بحصة كبيرة من الضوء، بصفتها حائزة (جائزة كتاب العام) في حقل الرواية. (المخلص لكم شوريك) رواية تتناول حياة أربعة أجيال روسية متعاقبة في تطّور خطي بسيط يبدأ بجيل أهل جدة شوريك إليزافيتا، ثم جيلها، ثم جيل ابنتها فيرا أم شوريك، انتهاء بجيله هو، في حقبة زمنية تمتد من ثلاثينيات القرن العشرين إلى ثمانينياته. وفي الوقت الذي تحاول فيه الرواية تلمّس حياة موسكو الاجتماعية، من بداية العهد السوفياتي إلى نهايته، على خلفية التغيرات التي تطرأ على حياة عائلة شوريك، وهي غالبا بيولوجية طبيعية لا تتجاوز حوادث المرض والموت، فإن تشكّل شخصية البطل (شوريك) وتطورها يتطابق مع حقبة الركود البريجنيفي مما ينعكس على نموه الذي يدور في دوائر متعاقبة ومتشابهة لا تفضي إلى شيء جديد سوى اكتشافه المفاجئ لأثر الزمن على وجهه حين ينظر إلى نفسه في المرآة. بيد أنّ علامات الإرهاق التي وسمت وجهه عكست سلوكات شخصية على أقل علاقة بالواقع السياسي. فسلوكات شوريك أتت حصيلة لتربية نسائية تولتها جدته وأمه في ظل غياب الجد والأب، كما تولتها نصف دزينة من النساء اللواتي تنقّل شوريك في فضائهن، وفي فضائهن تبلور فرط شعوره بالواجب، وإحساسه بالمسؤولية عن كل ما يطاول حياتهن من سوء. فإذا به يكون كما لا يكون أحد آخر أربعة في واحد. أربعة في واحد يجمع شوريك من الصفات ما لا يجتمع في رجل واحد في علاقته بامرأة واحدة، وربما ما يعجز علم النفس عن جمعه في كائن، ولكن ما يستطيعه الحلم النسائي الروسي زوج مخلص وأب عطوف وابن مطيع وعشيق وفيّ منكاح، أربعة يجتمعون لواحدة في واحد، واحد للجميع، واحد لا يقول (لا) لأحد على الإطلاق، واحد أُرِيدَ له أن يكون مقلوب بيتشورين بطل زمان ليرمونتوف، البطل الذي قال ليرمونتوف نفسه عنه في مقدمة الرواية ردّا على استياء بعض معاصريه استياء فظيعا من تصويره »نموذجا يبلغ من الابتعاد عن الأخلاق ما بلغه« بتشورين: »إن (بطل من هذا الزمان) لهو صورة حقا، ولكنه ليس صورة رجل واحد. إنّه صورة تضم رذائل جيلنا كلّه وقد بلغت كمال التفتح«! فهل تأتي بنية نقيضه شوريك، الشخصية الاجتماعية الايجابية والنفسية المتوازنة، إذا أغفلنا شعوره الدائم بالذنب وبالمسؤولية عن كل ما يصيب الآخرين من سوء وبالتالي واجبه إزاءهم ، هل تأتي منسجمة مع الواقع الفعلي الذي شكل حاضنة لتشكيل شوريك نفسيا وأخلاقيا ومعرفيا وفنيّا، الواقع الحاضن لجيل جدته إليزافيتا وأمّه فيرا، معها ومن بعدها، ثم بنات جيله ليليا ولينا وعلياء وغيرهن؟ أم تأتي وليدة لواقع نفسي، معبّرة عن أحلام المرأة برجل قابل للتشكيل حسب الطلب عند اللزوم؟ أميل إلى الإجابة عن السؤال الأخير بالإيجاب. فربما يصح الحديث عن حلم امرأة جمعي، كما عن حلم رجل جمعي، وكثيرا ما تعبّر الحكايات والنكات الشعبية عن مثل هذا الحلم: (يسأل أحدهم صديقه الذي تأنى وتأمل كثيرا قبل أن يقدم على الزواج، فقد أراد زوجة تكون طبّاخة في المطبخ وملكة في حضرة الآخرين وعاهرة على سريره، يسأله حين يلتقيه بعد فترة من زواجه: ما بك حزينا؟ ألم تنل مرادك! يجيبه صديقه: أجل، كل الصفات التي أردتها موجودة فيها، فهي طبّاخة وملكة وعاهرة في آن، لكنها، يا صاحبي، ملكة في المطبخ وعاهرة في حضرة الآخرين وطباخة في السرير!). شوريك، كما هو بطل ليرمونتوف بتشورين، عبارة عن صورة جمعية. هو الذكر الوحيد في الرواية، إذا استثنينا الحضور العابر أو الافتراضي التمثيلي لبعض الشخصيات، كحضور ستفوبا الأب والد لينا رفيقة شوريك في الدراسة، بصفته ممثلا للجانب القمعي من السلطة السوفياتية، حضوره فقط كخلفية ارتسمت عليها شخصية ابنته وبان سواد مصيرها عند حملها من صديقها الكوبي، وكذلك حضور غياب والد شوريك عبر الموسيقى وعبر ذاكرة زوجته أم شوريك.. وهكذا كان على الشاب شوريك (وشوريك هو اسم مصغّر لألكسندر) أن يتحمّل كل ما يخطر بالبال مما تنتظره ال(مرأة) بصفتها حالة جمعية من ال(رجل). فراح المسكين ينوء تحت ثقل الوظائف المتضادة، مما جعل صورته تبدو منفصلة عن واقع زمنه، فيبدو ابنا لزمن الروائية النفسي زمن الحلم. ومن حيث هو كذلك، راحت شخصيته تقوم على جملة تناقضات لم تفد مهارة أوليتسكايا الفنية في إخفائها، كم لم تفد التفاصيل الكثيرة التي سيقت لتسويغ سلوكات معينة كان على شوريك اتباعها في تسويغها. أمّا في ما يخص الذكورة متجسّدة في الفحولة، فيبدو أنّ شوريك يمتلك تلك الأداة العجيبة التي لا يرتبط عملها بالأحاسيس أو المشاعر أو حتى الرغبات والشهوات، فإذا بها تعمل بكفاءة عالية، عملا يواكب انشغالَ صاحبها انشغالا ذهنيا كبيرا بأشياء أخرى هامة، أو يواكبه شعور يعانيه مالكها من طبيعة القرف أو الغضب أو الرغبة في الفرار، تعمل كأن شيئا لا يعنيها من شأن الجسد الذي تعمل فيه، طفوليا كان أم مترهلا أم مشوها أم كسيحا، فلا ترى فرقا بين علياء وليليا ولينا وجانا وآلاَّ وماتيلدا وفاليريا، وكلهن شخصيات روائية أتاهن شوريك كيف ما شاء. فعمل آلة شوريك العجيبة شيء والإثارة شيء آخر لا علاقة لها به. ولذلك فهي لا تخذله حتى عندما يكون مستعجلا جدا (مع علياء)، أو يؤدي واجبه تجاه آلاّ زوجة صديقه جينكا وعلى إيقاع شكواها »ففيما كان يؤدي عمله صامتا. استمرت آلا في الشكوى: لماذا؟ لماذا هي الدنيا هكذا؟ أنت رجل أفضل منه بألف مرّة، وكاتيا (أي طفلتها) تحبّك... لماذا رغم ذلك كله جينكا هو من أريده؟ لماذا؟« (613)، ولا يختل عمل آلة شوريك مع لينا التي لا ترى شيئا سوى الطريق إلى حبيبها الطالب الكوبي إينريك الذي استُدعيَ إلى بلده واعتقل هناك، معها وهي قبيل أيام من الإنجاب »وقد فعل ذلك قطعا باسم إينريك، وبحذر شديد..«(ص233)، أو على سرير فاليريا المشوهة الفخذين، ثم المُقعدة! أو على بوابة الفصامية سفيتلانا التي كانت تقف على عتبة الانتحار متوعدة بالخطوة الأخيرة إذا لم يقف على عتبتها مشبِعا حاجتَها إلى الشعور بأنوثة تكون بها كمثل الأخريات. فها هي في إحدى المرّات »تدعوه متذرعة بحاجتها لعونه في عمل منزلي ما، تدعوه فيما يشوب صوتها توسل وتهديد ووعيد، فيهب ملبّيا الدعوة، مؤديا واجبه الذكوري غير الصعب« (ص622). أمّا الانتحار الذي حاولته سفيتلانا الشقية غير مرّة وفشلت فيه فكان لها في نهاية الرواية، بفضل من حاجة الروائية إلى إنهاء خطها الروائي أو ختم الحلقة، مثلها كمثل بقية الحلقات في الرواية، فليس ثمة نهايات مفتوحة في (المخلص لكم شوريك). للجنس حضور استثنائي في الرواية دون أن تكون له ضرورات وظيفية في الكثير من الأحيان. ففي المرات القليلة التي يتمكن فيها شوريك من الإفلات من يدي صانعته أوليتسكايا، تسارع هذه اليد إلى وضع أشخاص آخرين على سرير الرواية أو بين أجماتها. فلا بأس، إذا كان وقت حبيبته المنتظرة ليليا المسافرة من تل أبيب عبر باريس وموسكو إلى طوكيو، إذا كان الوقت لا يكفيها وشوريك ليتضاجعا أن يتفرجا معا، فيما هما يتنزهان في ليل موسكو، الليل الوحيد المتاح في رحلة العبور، لا بأس أن يتفرجا على مشهد جنسي في عتمة شجيرات إحدى الحدائق مستمتعين بتأوهات امرأة شبقة تحت جسد سيريوجيا، كما كانت تناديه، طالبة المزيد من ذكورته. ولعل ما تراه أوليتسكايا من ضرورة للجنس يفيض عما تستطيع الرواية، أية رواية كانت ما لم تكن قائمة عليه، حمله. فهي ترى أنّ مصدر العدوانية والعنف ومنبع الأصولية والإرهاب (الفلسطيني والشيشاني، كما جاء في حوار معها على موقع إلكتروني) هو طاقة الشباب الجنسية الهائلة. ولما كانت ترى في ممارسة الجنس حلا لمسائل الشعوب، لا يعود غريبا أن تحل مشكلة الرواية به، فتجعلها تخلو من العنف بتفريغ شوريك من طاقته العدوانية على ستمئة وأربع وخمسين صفحة بيضاء، فإذا به مطيع يفعل، راضياً، ما يُوحى له به، فكيف بما يطلب منه!؟ يفعل ذلك، دون أن يكون العقل موجّه سلوكه. المسألة اليهودية تبدو الرواية الملعوبة على الأرض الموسكوفية خالية من الروس. وعليه، وعلى مقلوب ما كان، يوما، سببا لاتهام سولجينيتسن باللاسامية، وهو خلو روايته (جناح السرطان) من شخصية يهوديه، الأمر الذي نفاه مؤكدا أن لديه طبيبا يهوديا، يمكن التساؤل عن (لاروسية) أوليتسكايا بسبب من أنّ روايتها الحاملة، ظاهريا، لهموم حقبة طويلة، من التاريخ الروسي تكاد تخلو من شخصيات روسية.. الأمر الذي تنطق بحقيقته فاليريا، مستعرضة وصية والدها، على سرير المشفى: »المعلم ألماني، والطبيب يهودي، والحذّاء أرمني... راحت تتذكّر، قلقة، وصية والدها المرحوم. بيد أن حالتها كانت خطيرة إلى درجة كان يعجز معها حتى اليهود عن فعل شيء« (ص326). ثم، وعلى الرغم من الصيغة التي سيقت لتسويغ هجرة عائلة ليليا لاسكينا، صديقة شوريك وحبيبته حتى النهاية، إلى إسرائيل، صيغة »ما هو جيّد للروسي مميت لليهودي..« ؟(ص73)، فإن مجتمع الرواية الموسكوفي يأتي مجتمعا يهوديا صرفاً، إلى درجة تغري بقلب الصيغة السابقة. فالجميع، هنا، مع استثناءات قليلة، يهود، وعلى كون شوريك ليس يهوديا (من جهة الأم) تتحسر ليليا في رسالة من إسرائيل: »كم هو مريع أنّك لست يهوديا!« (ص153). الجميع هنا يهود، بدءا من أب شوريك الكسندر سيغيزموندوفيتش ليفاندوفسكي العازف الذي مات دون تحقيق أحلامه بمجد موسيقي والرجل الوحيد الذي أحبّ الممثلة الفاشلة فيرا وزرع في رحمها شوريك قبل أن يموت، ويهودي أيضا المدرّس إسرائيلوفيتش الذي »أصابته نوبة قلبية« (ص287)، وكذلك آلا كوشاك زوجة صديق شوريك جينيا (أي غينادي) روزينتسفيغ وعائلته، العائلة »التي تشغلها تركيبة العالم السيئة، خاصة في جزئها السوفياتي« (ص470)، وغيرهم ممن يشكل مجتمع الرواية أيضا يهود، بمن فيهم المَرضى الذين سبقوا فاليريا إلى أسرّة المشفى.. فهؤلاء، أيضا تختارهم أوليتسكايا من مشاهير اليهود، على ما لأسمائهم من مكانة رفيعة في الفن: »رقد عندي يقول الطبيب تروفيموف لفاليريا في هذه الغرفة سفيتوسلاف ريختر (عازف البيانو الشهير) وأركادي رايكين (الممثل الكوميدي الشهير)« (ص569). ومع اليهود يكون لا بد من إسرائيل ومن قصة حب محورية تنتهي إلى إسرائيل يعيشها البطل شوريك، قصة لا يشوش إخلاصه لها تنقّله بين أحضان النساء، من صغيراتهن إلى عجائزهن. قد يقول قائل: وماذا في أن يكونوا يهودا! هل تنكر على كاتبة يهودية حقها في أن يكون أبطال روايتها من اليهود؟ بالتأكيد، لا أقول ومع قول لا أبحث عن السبب الذي يجعلني أتوقف عند المجتمع الموسكوفي الذي يبدو يهوديا في الرواية: أهي حساسيتي للمسألة اليهودية (الروسية) القامعة لمسائل الشعوب الأخرى الروسية وقضاياهم، أم هي حساسيتي للمسألة اليهودية (العربية) قضية فلسطين، أم هو شيء آخر قائم في الرواية ذاتها لا في نفسي أنا ولا في مثيلاتها؟ تحضر المسألة اليهودية في (المخلص لكم شوريك) على عدة مستويات: الشخصيات والعلاقات الاجتماعية والمشكلات، وفي كونها، فوق ذلك كلّه، حلقة يجب أن تنتهي إليها الحياة الروسية. على ما يحمله كل من هذه المستويات من مسؤولية تمثيل الكل والتعبير عنه، والتعبير، بهذا المعنى، عن همٍّ عام مشترك. وهنا يتساءل المرء: إذا كانت الرواية بمادتها التاريخية والعناصر الفاعلة التي تقوم عليها في هذا التاريخ تستوجب وجود العنصر اليهودي فهل هي تحتمل وجود هذا العنصر وحده؟ وإذا هي احتملت ذلك فهل يكون الاجتزاء والتخصيص هنا إلا حاملا لدلالاته؟ ففي الوقت الذي يمكن فيه اختيار عائلة يهودية أو مسلمة أو سلافية دون غيرها لكشف أحشاء التاريخ العام، فإن غربلة المجتمع الذي يقوم عليه التاريخ ويفعل فيه فعله باتجاه انتقاء عنصر بعينه، أو (تهويد) عناصره يقود إلى غيتو، لم تكن الحياة الروسية السوفياتية، ظاهريا، من طبيعته. وأقول ظاهريا لأن ما تشي به علاقات مجتمع الرواية يقول بعلاقات مغلقة يهودية رغم سوفياتيتها. ولست متيقنا من أن الروائية أرادت إيصال شحنة تُعدُّ سببا لنظرة خاصة إلى اليهود في الكثير من المجتمعات، ذلك أننا لا نرى آثار ما يترتب على الانغلاق اجتماعيا هنا، في معاملة خاصّة، سلبية كانت أم إيجابية، إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار صعوبات الحصول على موافقات للهجرة إلى إسرائيل في العهد السوفياتي، الأمر الذي عانت منه عائلة ليليا لاسكينا حبيبة شوريك. وعموما، وبصرف النظر عن رغبات الكاتبة ونواياها، فإن المجتمع الذي تناولته أوليتسكايا في روايتها، المجتمع الذي عشتُ، شخصيا، حقبة من حياتي فيما يفترض أن يكون منه، بدا غريبا عليَّ رغم اكتظاظه بتفاصيل الحياة التي أعرف الكثير منها. وأما بخصوص الأمثلة القليلة التي يمكن الاستدلال بها على التنوع غير اليهودي في الرواية، فأكثر ما يلفت النظر شخصية علياء الكازاخية المسلمة، علياء زميلة شوريك في معهد الكيمياء، ثم ساكنة فراشه في عدد من المرّات. ومع علياء يجدر التساؤل عمّا إذا كان البحث عن التنوع هو ما جعل الكازاخية الوحيدة في الرواية تكون غير يهودية، على الرغم من وجود يهود كازاخستانيين، أم هو سبب آخر، يُعبِّر عنه توصيف أوليتسكايا لعلياء والمجتمع الذي جاءت منه؟ ففي امتداح مقدرات عليا الذهنية تقول الرواية: »وعلياء نفسها كانت تدرك أنها باتت أكثر نباهة، فالذاكرة البصرية التي كانت تتيح لجدها، من خلال نظرة خاطفة إلى ملامح اصطفاف القطيع، معرفة النعجة الوحيدة المفقودة، هذه الذاكرة انطبعت عليها رسومات الصيغ الكيميائية..« (ص103) وأما علياء صاحبة هذه الذاكرة فحين ترى المترو تظن نفسها في الجنّة (ص105)، وحين تدخل إلى مخزن معجنات وتأكل قطعة خبز تكتشف مدهوشة أنها »لم تعرف في حياتها شيئا ألذّ من هذا الخبز..« (ص 106) ليغدو ذلك اليوم، يوم مجيئها إلى موسكو »أعظم يوم في حياتها« (ص106).. وبعد ذلك كله، لك أن تقارن، عزيزي القارئ، موسكو (جنة علياء) مع موسكو (المميتة لليهود) بما هو فيها جيّد للروس، لتكتشف النظرة العنصرية التي لم تفد مقدمات مستفيضة تسوقها الكاتبة الآتية من البيولوجيا لتسويغ سلوكات شخصياتها في إخفائها. وبصرف النظر عن التفاصيل الكثيرة المثيرة للريبة، فإن رواية (المخلص لكم شوريك) من خلال الخط الذي تختتم به أوليتسكايا روايتها، خط هجرة حبيبة شوريك ليليا لاسكينا إلى إسرائيل وتطور شخصيتها ومصيرها والآفاق التي تنفتح عليها حياتها ويشف عنها وجودها، مقارنة ببقاء شوريك في موسكو وتطور شخصيته وحياته وآفاق حياته، تفضي إلى خلاصة لصالح الهجرة إلى إسرائيل، ولصالح إسرائيل عموما، خلاصة تدونها ليليا في دفتر مذكّراتها على مقعد الطائرة المنطلقة من موسكو إلى طوكيو حيث على ليليا أن تكمل مهمة التجسس الصناعي: ».. فيه شيء ما خاص، فهو كما لو يكون قديسا. لكنه أحمق خالص. يا إلهي، كيف أمكن لي أن أغرم به! فقد كدت أبقى بسببه. كم هو مفرح أنني رحلت آنذاك..« (ص655) وأمّا ذلك الشيء الخاص الذي تراه ليليا في شوريك الروسي الأبله المسكين، الشيء الذي يجعله مقبولا بدرجة ما لكنها لا تدركه، فيأتي الإفصاح عنه على لسان اليهودية العجوز تسيليا سالامونوفنا شموك: »أنا أرى أنّك إنسان جيد يهودي«!! (ص651). إنها الخصلة اليهودية من جهة الأب! عند هذه النقطة أتوقف، مكتفيا بالحديث عن عنصرين من عناصر أفضل روايات العام 2004، تاركا للقارئ البحث في الأسباب التي دفعت بها إلى هذه المكانة. ففي ظل بناءٍ فني تقليدي، ومعالجة روائية بسيطة عبر زمن روائي خطي يتجه باتجاه واحد، وفي ظل مغالطات واقعية تاريخية عديدة، وافتعال واضح لأحداث كثيرة، لحل مشكلة المكان حينا والزمان حينا آخر، وبناء ملتبس لشخصية شوريك.. في ظل ذلك كله وغيره لا بد أن تكون أسباب الأفضلية في مكان آخر، كأن تكون، مثلا، في المقولة التي ينتهي إليها النص (كم هو مفرح أنني رحلت) أي إلى إسرائيل.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة