As Safir Logo
المصدر:

»على شفق البرتقال« مجموعة صلاح الشامي صنعاء الحلم

المؤلف: شمس الدين محمد علي التاريخ: 2004-11-19 رقم العدد:9951

على الرغم من ان صلاح الشامي شاعر يماني يقيم في صنعاء، ويؤرخ لقصائده في مدينته، إلا ان هذه القصائد المجموعة له في ديوان »على شفق البرتقال« (من اصدارات وزارة الثقافة في اليمن، للعام الجاري 2004) تظهر وكأنها تتجه نحو صنعاء، نحو صنعاء جديدة، مرتجاة، مرسومة في كلمات الشاعر وصوره، بمقدار ما هي صادرة عن هذا المكان بالذات (على خصوصيته بل على نكهته في الامكنة العربية)، واكثر من ذلك. سيكون من اللافت للانتباه، هذا الهدوء الذي يلف أناشيد الشعر اليماني فكأنه ينضج على نار هادئة، عريقة وطويلة الانفاس كأبواب صنعاء واسواقها الدهرية، وآطامها العظيمة... او على شاكلة ناسها، بالذات، من حيث تلفهم السكينة، سكينة الركون للاصول، واللجوء لظلال تواريخ قديمة لم تمسحها الحداثات، فثمة غبار كثير، لكن، ليس ثمة سموم. وهدوء اليمن وسكينتها في ماضيها، هما تعويض لا يمكن ان يستمر او يطول الى الأبد، في مواجهة رياح المعاصرة والتغيير. لكأننا حين نمتدح الاصول والجذور وسكينة الماضي، نهجو العصر الآلي المركب والاستهلاكي، واللاهث لإنسان الحداثة وما بعدها... تماما كما يمتدح اللائذون بالطبيعة والعائدون إليها، قذارة المدن... كما يفرح إنسان عائد للنبع، بمغادرة مواسير المياه الصدئة. قلق المكان سكينة الطقوس الشعرية اليمانية، التي يمثل عبد العزيز المقالح ذروة من ذراها، تنعكس على رفاقه في الشعر والمقيل والحياة. وللشاعر صلاح الشامي منها نصيب وافر. ففي قصائده في مجموعة »على شفق البرتقال«، يرين ايقاع بطيء، والاوزان الهادئة الطويلة النفس، تصوغ موسيقى اللغة، وتشارك في صنع الصورة القريبة في الرسم التشكيلي مما يسمي nature morte، فنلمس ما يشبه تزاوج المشاهد (وتزاوج الارواح بالرمز)، وأناشيد ذات محراب، ورصيدا دائما في اتجاه مرامي الوعد... واشارات الى ما يسميه الشاعر »الزمن السديم«. ومن البداية، تحس مع الشامي قلق الكائن في مكانه وفي زمانه، تحسه وكأنه في اغتراب، على الرغم من الاقامة، وفي تطوّحات الزمان، على الرغم من راهنية نصه واللغة. ومن البداية ايضا، تراه يسأل نفسه، ويسأل القصيدة، عن شيء يسميه »قلب المشتهى«، فما هو قلب المشتهى؟ واين؟ وكيف يمكن اختصار المسافة الموصلة لهذا القلب، من خلال اللغة؟ قلنا إن الشاعر يقيم في صنعاء، ويبحث عنها في وقت واحد. بل لعله يبحث بالكلمات عن صنعاء الاعماق (على غرار اندلس الاعماق التي ذكرها ادونيس في تحولات الصقر)، او عن صنعاء اخرى غالبا ما رسمها الشعراء اليمانيون لمدينتهم العظيمة... لقد كرّس المقالح ديوانا بكامله لصنعاء، وسمى جميع المدن التي وجدت والتي لم توجد بعد باسمها، وعبد الله البردّوني سماها في بيتيه الشهيرين مرتين: صنعاء السل والجرب وصنعاء العشق والطرب... من حيث قال مخاطبا ابا تمام: »ماذا احدّث عن صنعاء يا أبتِ؟/ مليحة عاشقاها السل والجربُ ماتت بصندوق وضّاح، بلا ثمنٍ/ ولم يمت في حشاها العشق والطرب«. لعلهم جميعا يبحثون عن مدينتهم... مدينة العشق والطرب والاسطورة. فلكل شاعر مدينته التي ينحتها من أشواقه واخيلته، ويعمرها فوق مدينة الحجر والطين، الحديد او الآطام... يشير صلاح الشامي الى المسافة التي تفصل بين البين واللقيا، وبين تأهب الكلمات والرجوى، وكأنها المسافة الفاصلة بين الموت والحياة. ويرسم مكانا او »شيئا ما...« يمضي نحوه، في ما يشبه ضياع البوصلة واختلاط الجهات، في زمن غامض يسميه »الزمن السديم«، وثمة دائما وعد ما، في هذا الرحيل... هو وعد، حتى ولو كان غامضا واحيانا يظهر للمتأمل وكأنه »وعد مستحيل«... وعد يقتضي من صاحبه المكابدة... وطيّ عنان اليأس، والقفز على تجاعيد السنين، على غرار »القفز على الأشواك«. ليس رحيل الشاعر نحو »وعده« او »مدينته« او »رؤياه« برحيل مريح... ولا هو برحيل السائح والمستطلع. بل هو رحيل المغامرة... ثمة خوف، ووجيب انكسار، ووعود تموت (إنما تحيا وعود اخرى)، وصرخات وحشرجات نداء مخيف يلتهم المدى والردى ويلتهم البحر والليل، والاحجيات. ثمة ما يشبه بكاء الثواكل، وثمة ضحايا ودموع... وألف سؤال وراء ألف رحيل... إنما، وفي النهاية، في نهاية الرحلة (وهي نهاية القصيدة: على شفق البرتقال)، ثمة فرح بهذا الوجع الطويل، ومصدر هذا الفرح: تقاسمه بين الاصدقاء. يقول »نتقاسم اوجاعنا« كفرح قادر على اخماد الموت: »جرّب الموت اخماد قلبي فمات«. في قصيدة »طين الدهشة« يبدو العنوان وكأنه عنوان يمني، من طين، ودهشة، من لبن وسحر. والنص بعد ذلك، لا يبتعد بالقارئ عن هذا الافتراض. فالشاعر يرتحل (إليها) على جناح الحرف... والحرف هنا غائر »بالمسند السيئ«، يخرج من بداوته، وينفض آثار اتربه الزمان. إن »اتربة الزمان« اتربة تلك البلاد بامتياز... لا يعرفها سوى الذي يلقاها. وإذ يلقاها الشاعر، يظهر وكأنه ذاته تلقى ذاته، وكأنه يدور في القصيدة كما يدور في البلاد »سواء بسواء«. »جئت من ذاتي إلى ذاتي تقسّمني طلول تحجري آتي على نفس امر على يبابي حاملاً يأسي...«. وهذا التوحد بين المرء وأرضه... او بين الشاعر ومدينته، هو توحد مؤلم إن لم يكن مفجعاً. فهو قريب بعيد. مقيم مسافر. عاشق لكنه محترق بالنار. وهو مبحر في شراع يسبح في ماء هو »مقلتاها«؟: »اكتبني شراعاً لأبحر في مقلتيتك ... ما أمضى رياح السفر زفي عيوني إليكِ...«. وهذه الاقامة المرتحلة للشاعر في مكانه، يرصدها بكلماته... فهناك قبل وبعد. هناك كما يقول في قصيدة »في مدى البعد«: »قبل تنأين« وهناك بوصلة تقود خطاه إليها. ما هي؟ نسأل ونجيب: طيوفها. ... صيغ مألوفة في الطريق الى مبتغاه الشعري، غالبا ما يتكئ صلاح الشامي على الصيغ الشعرية المألوفة في عبارات الشعر العربي الحديث، لجهة العبارة والصورة والوزن... فنعثر في ثنايا القصائد على عبارات من مثل: للفضاء المضمخ بالوجود/ سحر الدخول/ فضاء المواجيد... او مثل: »لنرسم في وردة وفؤادا/ يذوب على وتر سادر/ في تواشيح آمالنا... نقرأ أوراقنا/ مقطعاً مقطعاً/ في العيون...« الخ. لكننا في سياق هذه العبارات الشعرية المألوفة التي يلجأ إليها الشاعر في صنيعه الشرعي، نراه يعثر على لقيا شعرية أحيانا، تطول أو تقصر، على شكل صورة مبتكرة، أو مقطع مبتكر، يترك بصمته في السياق العام... يقول في قصيدة مقطعية بعنوان »لقاء الغروب«: »هكذا كلما اقترف الوعد بعضَ الثواني مضت أعين الريح تنسج آجالها«. ويلاحظ أن تواريخ القصائد، تقدم مؤشرات الى تطور تجربة الشاعر ولغته عاما بعد عام.. فالقصائد المؤرخة في العام 2004 أكثر نضوجا وتطورا من سابقاتها. فهو يكتب في قصيدة بعنوان »ما يشبه التجربة«، في العام 2004: »لليل يشطّرني بين همّ وحلم نثرت شظايا دم التجربة أبوح فيسمع لا منصتاً حين يمنحني الصمت عكازه أؤرخ كل دم من حروفي...« ... ... وربما تيسر للشاعر ما يلفت الاهتمام من صورة لافتة كقوله في قصيدة »مجانين«: »يثور دخان سجائرهم فيُقيمون منه مدينة أحلامهم يفرشون شوارعها أدمع الكستناء... ... عندليب مساءاتهم وتر صامت فيضحون كي تتبخر أحلامهم كدخان سجائرهم في السماء«. والقصيدة هذه، »مجانين«، لعلها الأهم في المجموعة، فهي تصور روائح الغربة ومساءات الضياع وقهوة التشرد، وموت الهوى قبل »يجيئون« و»سكنى هاجس يد الشك«... وما الى ذلك من أسباب الشجن، وعذاب الرومانسيين... وهي على كل حال، الموضوعات الأثيرة للشاعر، غالبا ما يتوكأ عليها وعلى ما يشبهها، ليكتب نصوصا هي أقرب للشكوى أحيانا منها للفرح... ولا بد من أن تضاف لأسباب الحزن، خيانات شتى.. منها خيانة الأصدقاء: »هم أصدقاؤك عشت تسأل عنهم الأنداء فانبجسوا غباراً قبل أن يلد السؤال ... دفنوك محترقاً بنار ظنونهم«. الإيقاعات طويلة وهادئة.. كأنها مواويل باكية.. للرحيل، والغربة والألم: »خلف المواويل في الالتياع الطويل...«. والأناشيد حزينة: »صاحبي كلما أمّه الحزن صلّى ويغني كي تتوالد من روحه أغنيات الخلود...«. ولا تخلو نصوص صلاح الشامي من تعارضات الكتابة، حيث تنطح الكلمة أختها، وتأتلف الأضداد. وفي مثل الطباق يقول: »وامخر عباب الوقت في اللاوقت تبكي بلا دمع وتضحك دونما ثغر... ... تصلي في محراب لاءات اليقين ...«. الشجن اليماني هو شجن هذه القصائد: غبار الصداقات، الثياب المبتلة بالدمع، النوم على حافة الجرح، صداقات الألم، نحيب الربابة، طين البيوت الحزينة، الصمت، الغربة والرحيل... هذه هي عناصر صلاح الشامي وشجونه في »شفق البرتقال«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة