As Safir Logo
المصدر:

»الموارنة في التاريخ« للعراقي متى موسى بين النزعات »المونوثيلية« والحقائق السريانية

المؤلف: مارديني نظام التاريخ: 2004-11-18 رقم العدد:9950

يجدد هذا الكتاب الموسوم »الموارنة في التاريخ« للباحث العراقي متى موسى (صادر عن دار قدمس في دمشق)، نقاشاً متواصلاً لم يتوقف أبداً. فمنذ القرن الخامس عشر والموارنة يبحثون دون جدوى عن أصل شرعي وعن هوية ثابتة لهم. غير أن ما يثير دهشة المؤرخين، العلمانيين والكنسيين معاً، هو عدم وجود تاريخ كنسي مدون للموارنة قبل القرن السابع عشر، لذلك شكلت ندرة المؤلفات الدينية والتاريخية عنهم ظاهرة ملفتة للانتباه حتى اليوم. هذا الكتاب في جوهره إذاً، دراسة وتحليل لأصل الموارنة، وتراثهم التاريخي، وتحر يرتكز إلى مصادر قديمة وحديثة كتبت بلغات عديدة، ما زال العديد منها مخطوطات. وبحسب كاتب القرن الحادي عشر الماروني توما، أسقف كفرطاب في كتابه »الفصول العشرة«: إن مصطلح موارنة اشتق من ماران، »السريانية«، وهو اسم دير سمي الموارنة باسمه، أما الكاتب الماروني مرهج نيرون الباني (فاوستوس نيرون)، فكان من الرأي القائل: إن مصطلح موارنة (بالسريانية: مورونويي). وقد أصبح هذا الاصطلاح يطلق عامة على أتباع إيمان رهبان دير مارون (وهو الايمان الذي ثبته مجمع خلقيدونية). كما يبين مرهج الباني أيضاً أن الموارنة قبل نهاية القرن السابع كانوا يدعون بالمردة، لكنهم بعد ذلك أصبحوا يدعون بالموارنة، غير أن البطريرك الماروني إسطفان الدويهي (توفي سنة 1704) ارتاب في ادعاءات الذين ادعوا أن الموارنة سموا باسم مارون، لأن مارون هذا كان مونوثيلياً، وقد عده الموارنة هرطوقياً يؤمن بأنه لم تكن في المسيح سوى مشيئة واحدة وفعل إرادي واحد. ربما كان الدويهي متلهفاً للتشكيك بمارون هذا لأسباب أقل موضوعية، وذلك لحرصه بشكل خاص في كتابه على تبرئة طائفته وكنيسته من أية وصمة »بالهرطقة« المونوثيلية. لكن الدويهي لم يتفق ايضا مع جبرائيل بن القلاعي مطران نيقوسيا (توفي سنة 1516) الذي اعتقد بدوره بأن مصطلح موارنة مشتق من الكلمة السريانية موريو (تعني الرب). ويعتقد الدويهي أن الدير في سوريا سمي على اسم الرب وبأن الموارنة استمدوا اسمهم من هذا الدير بسبب إيمانهم »الأرثوذكسي« تبعاً للصيغة التي حددها مجمع خلقيدونية سنة 451. وهناك نظرية أخرى استأثرت باهتمام المؤرخين وهي نظرية المطران يوسف الدبس الذي حاول إرساء مصطلح موارنة على قاعدة لاهوتية صرفة، وذلك بالقول إنه بازدياد عدد الهراطقة في سوريا في القرن الخامس الذين اضطهدوا الكاثوليك (الخلقيدونيين)، دافع تلامذة القديس مارون عن الايمان الكاثوليكي ضد معارضيه. وكانت النتيجة أن »الهراطقة« الذين رفضوا المجمع الخلقيدوني أخذوا ينعتون الذين قبلوا إيمان هذا المجمع الكاثوليكي الخلقيدوني بالموارنة تحقيراً لهم. إن محاولة الدبس إقامة أصل الكنيسة والطائفة المارونيتين على أساس النزاعات العقائدية التي قسمت الكنيسة إلى عدة معسكرات تضاربت مع نظرية الدويهي الذي قال بأن المردة كانوا يدعون بالمردة قبل القرن السابع، أي إن الدبس يريد أن يقول: »إن كل أهالي لبنان كانوا موارنة منذ القرن الخامس«، ولكن هل من دليل على ذلك؟ فإذا كان الدليل المتوافر لا يستطيع دعم الادعاء بوجود جماعة مارونية في سوريا قبل القرن السابع بالرغم من الدليل التاريخي الذي يدعم فرضية كون الزاهد التقي المسمى مارون قد عاش ومات ودفن في مقاطعة قورش في شمال سوريا، فإنه ما من بينة تدل على أن مارون قد أسس يوماً طائفة دينية أو أوحى باسم الموارنة. إضافة إلى ذلك، ليس ثمة دليل يثبت أن مارون أو أتباعه قد بنوا يوماً ديراً باسمه. إن أولئك الموارنة الذين يصفون ناسكهم مارون بأنه »أبو الأمة المارونية« يفعلون ذلك مدفوعين كلياً بنزعة عاطفية، لا استناداً إلى حقيقة موضوعية. لم يتوقف دور الموارنة في متابعة البحث عن أصل شرعي لهم، بل تابعوا جهدهم في ربط مصير الموارنة مع كنيسة روما وهو ما أكده الأب ج. س. قنواتي: ان »الكنيسة المارونية ظلت متحدة مع روما منذ تأسيسها في القرنين الخامس والسادس«. ولكن هذا الادعاء لا صحة له من الناحية التاريخية، لأن الكنيسة المارونية في هذين القرنين لم تكن قد ظهرت إلى الوجود، ولم تكن هناك علاقة كنسية بين الموارنة بوصفهم طائفة دينية، أو حتى بين رهبان دير مارون في سوريا الجنوبية وكنيسة روما. الصلة بروما أما الرسالة المزعومة التي وجهها رهبان سوريا الجنوبية، ومنهم بعض الرهبان من دير مارون إلى البابا هرمزدا، كما تبيّن فصول الكتاب، فهي عرضة للانتقاد إلى حد كبير، بل تعد زائفة في رأي مؤلف هذا الكتاب الباحث متي موسى. لأن الحقيقة التاريخية تدل على أن الموارنة لم يصبحوا على اتصال لأول مرة مع شخصيات من كنيسة روما في الشرق حتى حروب الفرنجة في القرن الحادي عشر عندما أشار المطران وليم الصوري إلى الموارنة في شهادة مطولة يصفهم بأنهم جزء من الأمة السريانية، وأنهم كانوا يدينون بعقيدة المشيئة الواحدة في المسيح منذ خمسمئة عام، وأنهم نبذوا هذه الهرطقة وأعلنوا استعدادهم لقبول تعليم كنيسة روما. وقد تعرض هذا الرأي لنقد لاذع من قبل كتاب موارنة، كالبطريرك الدويهي وبعض كتاب غربيين أيضاً الذين رفضوا فكرة نسب المونوثيلية إلى الموارنة. ويبدو أن كنيسة روما كانت قد أخضعت البطريرك الماروني لسلطة »بطريرك أنطاكية« اللاتيني لأن هذا البطريرك هو »بطريرك أنطاكية الوحيد« وإلا لأصبح لديها بطريركان خاضعان لسلطته يطالبان باللقب نفسه. لقد كان لإرساليتي الموفدين البابويين »إليانو ودنديني« إلى الموارنة في أواخر القرن السادس عشر الأثر الفعال في تحويل الكنيسة المارونية إلى كنيسة لاتينية نهائياً، إلا أن اتباع العادات اللاتينية في هذا الطور لم يتعد التقاليد الخارجية. غير أن عملية الانتقال إلى العادات اللاتينية أثرت على نظام الكنيسة المارونية، وفي هذا الصدد يقول المطران الماروني بيير ديب: »إن عمل إليانو ودنديني كان بمثابة مفترق الطرق في عملية التحويل (إلى العادات اللاتينية) المنتظمة والذي مسّ جوهر المذهب بالذات«. غير أن هناك من الموارنة من أحزنتهم سياسة روما في تحويل الكنيسة المارونية إلى كنيسة لاتينية وخاصة استبدال الطقس الماروني بالطقس اللاتيني، وقد أحدث هذا الاستبدال نتائج ضارة أسهمت بطريقة غير مباشرة في حدة المشاكل التي واجهت الموارنة وما زالت حتى الآن. لقد كانت نتائج جعل الكنيسة المارونية لاتينية هدم الطقوس والتقاليد السريانية واللغة السريانية التي كانت الكنيسة المارونية جزءاً منها، خصوصاً أن الطقوس السريانية كانت تعد الرمز الوطني وفخر »الشعب« السرياني الذي كانت لغته اللغة الشاملة في سوريا الطبيعية قبل أن يدخلها العرب في القرن السابع. لا شك في أن الموارنة كالنساطرة والروم الارثوذكس والسريان الأرثوذكس هم من أصل سرياني آرامي، وقد شدد المجمع اللبناني لعام 1716 على استعمال اللغة السريانية أولاً والعربية ثانياً في خدمات العبادة في الكنيسة المارونية. ولو كانت الجهود لإحياء اللغة السريانية والتقاليد السريانية توافرت لما كان الموارنة اليوم يعانون من فقدان للهوية. إن أقل ما يقوله المرء هو أن أسماء القرى والبلدات في لبنان هي أكبر شاهد على الأصل الآرامي السرياني لهذا البلد، فالعديد من أهالي القرى والبلدات كانوا يستعملون اللغة السريانية في تخاطبهم حتى القرن الثامن عشر.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة