ينتظر طلاب الجامعة اللبنانية، خصوصاً أولئك القادمين من المحافظات البعيدة ان يستقروا في السكن الجامعي الجديد. تأخّر التسليم كما هو معروف، فيما الإقامة لا تنتظر، كثيرون أقاموا مؤقتاً في هذا المكان او ذاك بانتظار الفرج، إلا ان آخرين اعتبروا وتبعاً للشروط الموضوعة ان هناك استحالة في السكن المذكور. البعض الآخر رأى ان المبلغ المطلوب شهرياً وهو مئة ألف ل.ل. أكبر من طاقاتهم، نظرا لأوضاع ذويهم العاملين في »شك الدخان« أو تربية المواشي او بعض الدكاكين الصغيرة... كأن الحديث عن السكن التابع للمجمع الجامعي للبنانية هو حديث عن »جلد الدب قبل اصطياده« كما يُقال. البعض يرى ان تأخير شهر او شهرين ليس مشكلة، مقابل تأخير السنوات الثلاث الأخيرة عن الموعد المحدد. لكن تأخير السنوات الأخيرة يجب ان يضاف الى تأخر أربعة عقود بالتمام والكمال، أي أربعين عاماً لا تقل يوما ولا تزيد شهرا. ففي العام 1963 أضرب طلاب الجامعة وأساتذتها بقيادة أركان كلية العلوم مطالبين الحكومة بشراء أرض وتخصيصها لإقامة بناء جامعي لكليات الجامعة اللبنانية المتناثرة. ونجح الاضراب عندما أصدر مجلس الوزراء في 11 كانون الأول من العام المذكور قرارا خصص بموجبه 42 مليون ليرة لتشييد بناء الجامعة، على ان يكون من اصل هذا المبلغ 9 ملايين لشراء الأرض. ونص القرار المذكور في حينه ان البناء يجب ان يكون جاهزا في العام 1966، ومر العام 1966 وتبعه العام 76 و86 و96.. وها نحن نقترب من العام 2006. منذ العام 1963 تحرك طلاب الجامعة وأساتذتها، وتابعوا تحركهم في السنوات اللاحقة، وحتى الآن هناك إلحاح على إنجاز البناء وتسليمه من قبل الشركة الملتزمة الى مجلس الإنماء والإعمار الذي تولى التلزيم على ان تتسلمه إدارة الجامعة اللبنانية لاحقاً. وحتى الآن مازالت الجامعة تدفع مئات الملايين على ايجارات لأبنية لا تملكها، أما الطلاب، خصوصاً القادمين منهم من مناطق بعيدة فما زالوا متفرقين هنا وهناك بانتظار الفرج والاقامة في ربوع جامعتهم. تأخّر في التسليم وكان من المفترض ان تنتقل ثماني كليات الى المدينة الجامعية في الشويفات الحدث بداية العام الدراسي الجاري، لكن المشروع شهد عراقيل، وتأخيراً في عملية التسلم والتسليم، على الرغم من الاتصالات الحثيثة التي تولاها رئيس الجامعة د. ابراهيم قبيسي مع وزارة المال لصرف الأموال المخصصة لتجهيز الكليات. على أي حال فالمدينة الجامعية التي كلّفت نحو 200 مليون دولار، باتت شبه جاهزة لاستقبال ما يربو على 25 ألف طالب، وزيادة على ذلك، بات بإمكانها استضافة جزء كبير من هؤلاء الطلاب في رحابها، بعدما تمّ تأمين سكن الطلاب. وهذا المسكن أقيم بما يتلاءم وبنية المجتمع اللبناني في المحافظة على العادات والتقاليد. يشير بداية أمين السر العام في الجامعة اللبنانية محمد البابا الى »ان سكن الطلاب مقسم الى جناحين، واحد للذكور وآخر للاناث، ويحتوي على ألف غرفة، كل غرفة سريران، إضافة الى 26 غرفة مخصصة للمتزوجين، لا سيما بعدما أبدى عدد من أساتذة الجامعة الرغبة في الاقامة في الحرم الجامعي، وهذا هو أكبر سكن طلابي في لبنان. وقال البابا »إنه كان من المفترض ان تتسلّم الجامعة المدينة الجامعية رسمياً من قبل مجلس الإنماء والإعمار أواخر شهر أيلول الماضي باستثناء المسرح الكبير إلا انه حصل بعض التأخير من دون معرفة الأسباب. ولفت الى »ان الجامعة سبق وشكلت لجنة فنية من مهندسين لاستلام المباني إلا اننا ما زلنا بانتظار عملية التسليم«. وأشار البابا الى ان الاتصالات مع مجلس الإنماء والإعمار متواصلة لرصد اعتماد يخصّص لاستملاك بعض الأراضي حول المدينة الجامعية لضمّها الى حرمها، لأن هاجسنا هو تأمين وتوسيع وتأهيل الطرق المؤدية الى المدينة الجامعية. ونقل عن رئيس الجامعة توجيهه لكتاب الى مصلحة النقل المشترك لتأمين وصول الطلاب بأقلّ كلفة وسهولة تنقل وانتقال بين الحرم الجامعي وبقية المناطق. وأوضح البابا ان شركة خاصة ستتولى إدارة السكن الجامعي عن طريق المزايدة العمومية بعدما انتهى وضع دفتر الشروط اللازم على ان يتم التنسيق بين الجامعة والشركة بإشراف لجنة إدارية من الأولى. وأمل ان يتم الانتهاء قريباً من المستندات الثانوية وموافقة وزير الوصاية وما الى هنالك. وعن مميزات السكن قال البابا انها تحوى مرافق ملحقة فيه مثل: موقف سيارات كافتيريا غرف مخصصة لغسيل الملابس، مطابخ وحدة صحية على مدار الساعة. وبالنسبة الى شروط قبول الطلاب في السكن حدد البابا مبدأين أساسيين للقبول أولاً: البعد الجغرافي المرتبط مباشرة بالاختصاصات التي تتطلّب حضوراً يومياً والثاني: الأفضلية لذوي الاحتياجات الخاصة (المعوقين). وأكد ان المساكن مفتوحة أمام جميع طلاب الجامعة اللبنانية من مختلف الكليات والمناطق، مشيرا الى »ان جميع الايرادات ستحوّل الى قسم الواردات في موازنة الجامعة مثلها مثل رسوم التسجيل«. ونفى أي علاقة لمجلس الإنماء والإعمار بعد التسليم إلا بالتشغيل والصيانة حسب قرار مجلس الوزراء. ولجهة موعد تسلّم المسرح توقع ان يتم إنجازه بحدود نهاية العام 2004 وهو يتسع ل800 شخص وهو مصمّم بأحدث المواصفات العالمية. وقد أعدّ رئيس الجامعة مشروعاً يتلخّص بشكل لجنة من رواد الحركة الفنية من معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ولبنان للإشراف عليه من الناحية الفنية وتشغيله. على ان يوضع بتصرف من يرغب في استعماله فنياً وفق أسعار رمزية وتشجيعية بهدف تنشيط الحركة الفنية في لبنان، وهذا المسرح بمثابة حلم لكل فنان في لبنان لنقل أعماله الى الجمهور اللبناني كما أنه سيكون بتصرف طلاب الجامعة اللبنانية. ونفى ان تكون الغاية من الرسم التشجيعي تجارية بل ان ما سيتم تحصيله سيخصص للصيانة، فالهدف ايجاد صرح ثقافي حضاري تشرف عليه الجامعة اللبنانية. عقبات وشروط وتبرز عقبة أمام الطلاب، وهي تأمين المال اللازم للاقامة في السكن الجامعي، خصوصا ان »التسعيرة« محدّدة بمئة ألف ليرة للسرير الواحد، و200 ألف للغرفة الواحدة (مساحتها نحو 15 متراً مربعاً). فقد أجمع الطلاب، وبرغم أهمية المشروع، على الكلفة المرتفعة للسرير الواحد، خصوصاً إذا ما احتسبت الأجرة سنوياً بحيث تبلغ مليون و200 ألف ليرة. هذا عدا المأكل والملبس والانتقال الى السكن الجامعي من المناطق البعيدة خصوصاً أيام العطل والأعياد. ويرى الطلاب في خفض كلفة السرير الى النصف مساعدة ليست لهم فقط بل لذويهم، خصوصاً ان غالبية المستفيدين من السكن الجامعي، هم من سكان المناطق البعيدة، وذويهم من الطبقة ما دون المتوسطة، ولا قدرة لهم على تحمل مصاريف إضافية. وللاقامة في السكن الجامعي شروطها التي يجب على كل طالب وطالبة الالتزام بها لجهة منع المغادرة والدخول ليلاً، عدم استقبال الضيوف وغيرها من الشروط التي تفرضها الوحدات السكنية. بعض الطلاب فضّل ان يكون مستقلا في تحركاته ومن دون أي ضوابط تحدّ من تحركاته خصوصاً لجهة الدخول او الخروج من المبنى السكني، او تحديد ساعة إقفال او فتح المدخل الرئيسي للمبنى، والبعض الآخر وجد في السكن الجامعي بداية لنوع جديد من التقارب بين أهل الجامعة، يجمع الاختلاف الديني والاجتماعي ويحترم خصوصية الآخر في مجتمع متنوّع كالذي نعيش فيه. آراء الطلاب ومواقفهم طلاب انتقلوا من شعبة كلية العلوم في النبطية الى الفرع الأول لمتابعة دراسة السنتين: الثالثة والرابعة، وجدوا في السكن الجامعي حلاً »للمشكلة«، ولكن يقف المال عقبة حقيقية أمام هذا الأمر. »ان وضع عائلتي المادي لا يسمح لي بالانتقال الى بيروت إذا احتسبت بدل السكن والطعام والانتقال، فأنا بحاجة على أقل تعديل الى 300 ألف ليرة شهريا، وهذا ما يوازي الحد الأدنى للأجور، والدي يعمل في دكان صغير، يلخص محمد. ب (ثالث سنة كيمياء) رأي زملائه، وتوافقه الرأي زميلته فاطمة. ج (ثالثة رياضيات) وتضيف »ان مدخول والدي الشهري من الزراعة لا يصل الى مليون ليرة في أحسن المواسم ونحن عائلة مؤلفة من 6 أشخاص، فإذا أخذت ثلث المدخول، ماذا يبقى لإخوتي؟«. تعتبر سحر. س. ر. (ثالثة رياضيات) »ان غالبية الطلاب القادمين من المناطق البعيدة ستقع عليها اعباء اقتصادية، ونفسية، وهذا سيكون عائقا أمام طموحاتهم«، ويقول حسين. م (ثالثة فيزياء) »أنا ادفع خمسين ألفا بالشهر مع أربعة زملاء لي وأفضل ان اعيش بحريتي وليس مقيدا«، ويوافقه الرأي زميله هشام. م. (ثالثة معلوماتية)، »إذا فكرت اطلع على الضيعة لزيارة أهلي باكراً سيكون المسكن مغلقاً... هذه قيود غير مدروسة«. ويشير علي. ف. (ثالث سنة رياضيات) الى عدم وجود محلات تجارية قريبة... بدي امشي مسافة طويلة حتى اشتري قارورة ماء«. ويعتبر عباس. د (رابع سنة معلوماتية) »ان الكلفة باهظة خصوصا للذي لا حول له ولا قوة سوى الزراعة وتربية المواشي في قريته«. أضاف »ان والدي يشك دخان وهو ليس السنيورة«. ووافقته الرأي زميلته فادية. ف (ثالث سنة كيمياء) »كيف بدوا يعيش الفقير... إذا دفعت 100 ألف والمعيشة وأهلنا على قد حالن«. أما حسن. ن. (سنة ثالثة علوم طبيعية) قال »أنا أفضل ان اعيش بحرية من دون قيود« ووافقه الرأي زميله كامل. ص. »كل واحد على راسه بيعرف كيف بده ينام ويقوم«.ويسأل علي. ح. (ثالث سنة الكترونيك) »هل يُعقل ان يخصص لكل خمس غرف مطبخ واحد مشترك؟... ولماذا لا يكون السكن الجامعي مجانياً؟«.