As Safir Logo
المصدر:

مئة وخمسون عاماً على ولادة »الرائي« و»العابر بنعال من ريح« وفي »مركب سكران« أرتور رامبو الشاعر الملعون والبوهيمي الذي لا يزال بوب ستار الشعر

المؤلف: حبش اسكندر التاريخ: 2004-10-22 رقم العدد:9929

20 تشرين الأول 1854 20 تشرين الثاني 2004. مئة وخمسون سنة مرت على ميلاد »الرائي« و»العابر بنعال من ريح«، الشاعر الفرنسي أرتور رامبو، الذي شكل مفصلا جوهريا، لا في تاريخانية الشعر الفرنسي فقط، بل في مسار الحداثة الشعرية العالمية بأسرها. ربما لم يكن يتوقع أحد من هذا »البوهيمي« أن يحفر اسمه عميقا، ليس فقط من خلال شعره، بل أيضا من خلال هذه السيرة، التي لا تزال حتى اليوم تشكل لغزا ومصدرا للكثير من الدراسات. لماذا تخلى رامبو عن الكتابة ليهيم على وجهه متنقلا بين عدد من البلدان، لينتهي به المطاف أخيرا على سرير مستشفى في مدينة مارسيليا، ليموت هناك في العاشر من تشرين الثاني من العام 1891. هذا التخلي، لعب بدون أدنى شك الدور الكبير في تخليد أسطورة رامبو، لدرجة أننا ننسى أحيانا الشعر الذي كتبه، لنتشبث بسيرته التي شكلت للكثيرين »قدوة« أكثر من كتاباته. من هنا، ثمة سؤال لا بد أن يطرح نفسه: هل قرأ شعر رامبو مثلما قرأت حياته؟ مهما يكن من أمر، ليس هذا التحقيق سوى احتفاء صغير في هذه الذكرى المئة والخمسين، إذ طرحنا على بعض الشعراء العرب واللبنانيين هذه المجموعة من الأسئلة: »هل قرأت رامبو؟ بأي لغة؟ ماذا فعل في شعرك؟ ماذا تظن أنه فعل في الشعر العربي عامة«؟ وكانت هذه الأجوبة، حسب ورودها الينا: هنري فريد صعب: الآباء الثلاثة بالطبع قرأت رامبو في الفرنسية. أما تأثيره في شعري، فلا أعلم ان كنت أحصره به وحده فأنا قارئ لكل الشعراء الفرنسيين وغيرهم ولا سيما النازلين من صلب »إشراقات«، مجموعة رامبو الوحيدة، التي أحدثت هزة لما تزل تتردد في الشعر العالمي، حتى باتت ذريته موزعة في كل صقع ولا مبالغة. ويحضرني هنا قول للناقد الألماني هوغو فريدتريتش في كتابه المهم »بنية الشعر الحديث« جاء فيه ان الشعر الطليعي في العالم مدين لثلاثة: بودلير ورامبو ومالارميه. حول هذه المحاور دارت وتدور ارجاء الشعر الحديث. والشاعر المعاصر سواء قرأ رامبو مباشرة أو قرأ أحد أمثاله، متأثر به حتما وإن مواربة. أما بشأن فعله في الشعر العربي عامة فلا أظنه ترك أثرا خارج الشعراء اللبنانيين والسوريين، ولعل ذلك عائد إلى اللغة. فنحن نعرف أنه خارج لبنان وسوريا كانت الانكليزية هي المسيطرة ولهذا نجد ان الشعر الأنغلوساكسوني يدمغ معظم شعراء الحداثة في مصر والعراق والأردن وفلسطين. حتى عندنا في لبنان كان هذا شأن شعراء الثقافة الأنغلوساكسونية مثل خليل حاوي ويوسف الخال. ولكن دعنا نتساءل الآن: هل يمكن أن نستمر في هذا الدوار الرامبوي في عصر التكنولوجيا المتسارع الذي نعيشه. ماذا تهم إنسان اليوم هلوسات »الاشراقات« وأمثالها؟ وهل يصح أن يبقى الشعر أسيرا لها؟ كثيرون من مثقفي هذا العصر باتوا يطرحون هذه الأسئلة وعلى المعنيين بالأمر أن يخرجوا من هذه الدائرة السحرية. هل من ولادة جديدة للشعر؟ أو بالأحرى هل من قتلة جدد لأولئك الآباء الثلاثة؟ لست أعلم فالشعر الذي ما زال يكتب اليوم لا يعد بذلك. (شاعر من لبنان) محمد علي شمس الدين: مناخ أكثر من نصوص لقد قرأت رامبو بالفرنسية ومترجما إلى العربية عدة قراءات، وقرأت أوسع كتاب عنه من خلال اطلاع صاحبه على مخطوطات ورسائل أرسلها إلى أخته في مارسيليا وقد ترك في نفسي أثرين: الأول من جهة سيرته العجيبة والمغامرة وقد جذبتني هذه السيرة كأكبر صعلوك مغامر في التاريخ ابتداء من انتقاله من قريته شارلفيل إلى باريس حيث عاش حياة بوهيمية وأقام علاقات شاذة مع بول فرلين ومن ثم تطوحه في أوروبا وبعد ذلك عودته إلى باريس ثم رحيله إلى عدن وهرار في الحبشة. هذا التشرد الذي سماه هو »العبور بنعال من ريح« يثير الدهشة فقد نسي في هذا التشرد أصله الشعري في الكتابة ليضعه في السلوك أي ريادة الغامض والمجهول. أهم ما في رامبو في رأيي ليس مجموعة أشعاره بل سيرته الحياتية. إلى حد ما هو قريب من ديك الجن الحمصي في اللغة العربية، لأنه حين يدعو إلى تعطيل الحواس حتى بالمخدرات وإلى الوصول إلى الصفاء التام إلى الاشراقات فانه مارس على جسده ما مارسه أنطونان أرتو على هذا الجسد. وهو دخل غرفتي السوداء الشعرية. انه مناخ أكثر مما هو نصوص. (شاعر من لبنان) قاسم حداد: التجربة الإنسانية قرأت رامبو مترجما في اجتهادات مختلفة المستويات والجدية. في فترات زمنية متفاوتة. وتابعت مترجمات سيرته أيضاً. ربما تولعت بتجربته الانسانية خصوصاً، ربما لم أتوقف عن قراءته كلما تيسرت ترجمات جديدة أو استعدت بعضها بين وقت وآخر. غير أنني لم أحفظ منه شيئاً. ولا استطيع استذكار نصوص معينه له. ولا اعرف الى أي حد يمكن أن أزعم أن شعره قد فعل شيئا في كتابتي. شخصياً لا اشعر بذلك (بالمعنى النقدي للفكرة). إعجابي بشعره وبسيرته الانسانية هو من بين تقاطعات كثيرة بما يمكن وصفه بالهواء الشامل للمعرفة الأدبية والثقافية العامة. خصوصا وأنني من النوع الذي يتميز بعدم حفظ النصوص أيا كانت، حتى أنني لا أحفظ نصوصا لي. الأمر الذي سيجعلني دائماً بمنجاة من الاستحضار (اللاواعي) لنص الآخر لحظة الكتابة. غير أنني ربما افهم التأثر بتجربة الآخرين بشكل أكثر عمقاً وأبعد من النصوصية المباشرة. قد يكون إعجابي بتجربته ترسبت في شكل صقل عميق للموقف النقدي من العالم، وقد تكون شهوة التغيير التي جهر بها رامبو هي من بين التلاوين المختلفة للنزوع الرؤيوي لجيلي الشعري. كل ذلك محتمل، لكنني لا اشعر بأن لنصه الحضور المحسوس في ملامح كتابتي في أية مرحلة من كتابتي. سيكون من المحرج حقاً أن يزعم شاعر عربي أنه تأثر بشعر رامبو دون أن يكون قد قرأه في لغته الأصلية، كما يقرأ أي شاعر عربي. في الشعر العربي، سيكون لتجربة رامبو حضور بلا دلالة نقدية ولا سؤال شعري. انه زعم رمزي أكثر منه حضور شعري. وأظن أنه ليس من الحكمة المبالغة في تأسيس مثل هذا الوهم (الثقافي)، لئلا نكرر مأزق مزاعمنا النقد/ شعرية بتأثير ت. إس. أليوت في بواكير شعرنا الحديث. (شاعر من البحرين) عهد فاضل: ضحية نظرته قرأت »رامبو« باللغة العربية . مثلما قرأتُ سواه من الشعراء المترجَمين. أحسب ان حياة »رامبو« ملهِمةٌ بمقدار إلهام شعره. وربما تكون سيرته الذاتية هي الأكثر إلهاماً. ففي النهاية يقتل الشعراء بعضَهم البعض لكنهم لايمزقون صور العائلة. في الأدب العربي تغدو السيرة الذاتية جوهر الحكم الأخلاقي وتؤثر بالمطلق على كينونة الشاعر. فلم يمتنع المصنفون والنقاد العرب من اعتبار امرئ القيس »تفوح منه رائحة كلْب« ! طبعاً وُضِعَ الكلام على لسان امرأة للتمويه على الجاني الأصلي. وكذلك قُتِل الشاعر الأكبر للمغاربة المعاصر للمتنبي وهو محمد بن هانئ الأندلسي حيث وجِدَ مخنوقاً بتكة سرواله. المتنبي ذاته، وهكذا. السيرة الذاتية في الثقافة العربية حاسمةٌ. فهي تعكس الأخلاق والقيم ووحدات السلطة. من هنا قُتِل »رامبو« في الأثر الشعري العربي. وإذا دقَّقتَ لا وجود له. فهو مجرد حكاية عن رجل ملعون مراهق. مع أن العربية تمتلك ناقدا فذا بحجم الأصمعي عندما عزل نقاء السيرة الذاتية عن النص في قوله الشهير: »الشعرُ نَكَدٌ بابُه الشرُّ فإذا دخلَ في الخير ضَعُف«. من يصدِّق ؟ الشعراء العرب متأنقون. ورامبو حافٍ. هو كتب شعره في البرية. وهم كتبوا في المكاتب. هو عرف العالم بقدميه. وهم تعرفوا على العالم من خلال الكتب. هو كان ضحية نظرته. وهم كانوا ضحايا السيرة الذاتية. بلى، السيرة الذاتية هي سرّ تأنقهم الدائم. أناقة الجملة. وأناقة الخط. وأناقة العيش. وفي النتيجة: أناقة النص. لو كان »رامبو« يمتلك سيرة محيي الدين ابن عربي أو سيرة جمال الدين الأفغاني لكان أثره جارفاً. اللبس الذي يمثله شعر »رامبو« بين الجسد والروح، وبين الجسد والطبيعة هو الذي أنتج »التشويش« الذي نظّر له. وبذلك لايمكن اقتباسه أو تبعيضه أو التأثر به. فهو إما يؤخذ كلاًّ أو يرفَض كلاّ. هذا هو سبب تأثيره المنعدم على »أناقة« الجملة الشعرية العربية. شعرية رامبو هي سيرته. قيمته في السيرة. والكلام عن انتقاله من البرناسيين والرمزيين لا تعكس إلا محاولة لإجلاس رامبو في مكتب وإلباسه آخر موضة دارجة وكذلك تعكس رغبة المتأنقين بتنظيف الابن الضال. لم يكن رامبو مشغولاً بالتصنيف النقدي. كان حافياً وصار مَلِكاً. وكان آخر الأبناء الشرعيين للطبيعة. بعدها صار الشعراء جزءاً من الهرم الاجتماعي ولم نعد نعرف الفرق بين حياة وزير خارجية وحياة شاعر. وهذا مايعرفه الكثيرون عندما نتذكر معا عمل الكثير من شعراء العالم في السلك الدبلوماسي. لقد تم التعامل، سراً، مع رامبو، كخطيئة في طهارة الشعر وهناك الكثير ممن يلعنونه في الخفاء! ويطلبون له عقوبة مضاعفة كإبن حرام ورّط النقاد بفرد ملعون حلّ على العائلة الشعرية المقدسة. لاأعرف كيف يمكن تلمّس أثر رامبو إلا من خلال تقرير طبيب شرعي يؤكّد تاريخ وسبب الوفاة، و»أناقة« التجربة الشعرية العربية تتضمن تفاصيل دقيقة من هذا التقرير(!) (شاعر وناقد من سوريا) منذر مصري: لا أجيد سبع لغات لا أجيد سبع لغات لأقرأ كل شاعر سمعت عنه بلغته الأصلية. أرتور رامبو كغيره من الشعراء العالميين، قرأته مترجماً للعربية. قلت كغيره، ولكن ليس تماماً، لأن اسم رامبو يتكرر أكثر الجميع. حيث أنه يتخطى كونه اسم شاعر ليكون اسم ظاهرة، إن لم أقل أعجوبة! أنا الذي لا أؤمن بالأعاجيب، وأيضاً لست مفتوناً بها. في البداية قرأت قصائد مثل (المركب السكران، فصل في الجحيم، الإشراقات) بالعربية أو بما يخيل لك أنه لغة عربية، هنا وهناك، حتى وقع بين يدي متأخراً طبعاً كتاب الراحل صدقي إسماعيل عن رامبو متضمناً بعض قصائده. بعده كنت أبتاع كل كتاب أصدفه عن رامبو. ولحسن الحظ كانت كتباً صغيرة عموماً، قرأتها أولاً بأول. منها كتاب أصدرته المؤسسة العربية للدراسات والنشر /1977/ضمن سلسلة أعلام الفكر الغربي، من تأليف سمير حاج شاهين، وهو لليوم، ربما أفضل ما يمكن أن تحصل عليه عن رامبو بالعربية، وكذلك كتاب هنري ميلر (رامبو وزمن القتلة) ترجمة سعدي يوسف/ 1979/الصادر عن ذات الدار. ورغم أني أحب كلا من ميلر وسعدي إلا أن الكتاب لم يترك لدي انطباعاً قوياً، بالمقارنة مع كتاب آخر عنوانه (العابر بنعال من ريح) من إعداد وترجمة شربل داغر. وبغض النظر عن المقدمة شبه الملفقة، مثلها مثل بقية مقدمات كتب الرسائل، إلا أن الرسائل بذاتها كانت قوية وعميقة، ومليئة بالتفاصيل المؤثرة. كمشاهد متقطعة عن سقوط حر، لحياة كئيبة نحو قعر موت فاجع. ثم أصدرت وزارة الثقافة السورية ضمن سلسلة ما، كتباً عن ريلكه وبريخت وإبسن وبروست وإيلوار، كان أسوأها كتاب من تأليف صياح جهيم بعنوان (رامبو.. شاعر الصبا والحداثة)! وهو شبه كتاب مدرسي، وبه عددٌ لا بأس من قصائد رامبو، أتاح لي لأول مرة محاولة تحديد موقفي من شعر رامبو ، ذلك لأني لم أكن يوماً أكن أي إعجاب بشخصه، أذكر أني انكببت بكل جدية على القصائد، وعملت بها التفكير ما أمكنني، حتى أني أخذت بعض السطور (قبلة تصعد ببطء إلى عيون البحر) وحولتها إلى لوحات شعرية، إلا أني، أعترف، فشلت في أن أوصل درجة إعجابي بها إلى المستوى الذي يعادل الاسم. ومع أني لا أستطيع أن أحكم على ما يقال عن (المركب السكران) في لغتها الفرنسية، بأنها ذات عبارات مطروقة لحد العمومية، وعن وزنها التقليدي، لكني كثيراً ما وجدت نفسي أردد قول لوي أراغون: (إن الإعجاب بالمركب السكران دليل على تفاهة التفكير). (شاعر من سوريا) عاشور الطويبي: أصالة شعرية نعم لقد قرأت رامبو وأنا دون العشرين من العمر وأذهلني عمق وأصالة شعريته ولفت انتباهي فكرته عن الألوان التي تحملها الحروف، وكانت القراءة بالعربية، ثم قرأته باللغة الإنكليزية كما ترجمت رائعته »المركب السكران«. ماذا يمكن أن يقال أيضا لا شك في ان هناك شيئاً من شعرية أو شعر رامبو في أشعاري ولا اعتقد أنه بالإمكان أن يغيب اثر من آثار رامبو فهو كاللعنة الجميلة لكل من قرأه، لأنه الشاعر الشاعر ويأخذ ما يأخذ من منبعه. (شاعر من ليبيا) عماد فؤاد: جعل الشعر حياة لا أجد رداً على سؤالك »هل قرأت آرتور رامبو؟« سوى إجابة واحدة، ألا وهي: »أنني لم أقرأ رامبو بالشكل الكافي لكي أقول إنني قرأته كاملاً، لكنني حاولت قراءة نصوصه القليلة المترجمة إلى العربية ولم أجد نفسي منشداً إليها، لكنني في الوقت نفسه سحرت بشخصيته الغريبة، لذلك أعتبر نفسي لم أقرأ نتاج رامبو الشعري، بالقدر الذي قرأت عنه وعن حياته الغريبة«، ويظل الفارق شاسعاً وكبيراً، بين أن تقرأ نتاج شاعر ما، أو أن تقرأ عن حياته، فهذا الصبي الذي كتب قصائده التي غيرت الشعر العالمي كله وهو ابن الخامسة عشرة حتى سن العشرين، امتلك في تاريخ الأدب العالمي إلى جوار شعره أسطورة حياته الشخصية، التي جعلته في رأيي نموذجاً للشخصيات الغريبة التي يحب المؤلفون والنقاد الكتابة عنها وتناولها، فلم يمتلك شاعر ما قصة حياة أقرب إلى الأسطورة مثل آرتور رامبو، فهو من كتب أشهر قصائد الشعر الفرنسي عندما كان في أوج مراهقته، ثم سرعان ما يصدم باريس ببوهيميته المتطرفة حين يعلن تعاطيه للمخدرات وإقامته علاقة جنسية شاذة مع صديقه الشاعر الفرنسي بول فيرلين، ثم كتابته »فصل في الجحيم« في أشهر قليلة، وهي المجموعة الشعرية الوحيدة التي نشرها وهو على قيد الحياة، بعد ذلك يتوقف عن كتابة الشعر، ساخراً من براءته وهو يكتب هذه النصوص الساذجة في رأيه، ويبدأ في السفر، يجوب المعمورة من ألمانيا وانكلترا وبلجيكا إلى اليمن وإثيوبيا، وبعض المصادر تشير إلى رحلات غير مؤكدة إلى لبنان ومصر ويافا وغيرها، ويمارس أعمالاً تجارية غريبة، كتجارة السلاح وبيع وشراء العبيد في مجاهل أفريقيا، ثم نهايته الدراماتيكية ببتر ساقه ودفنه في قريته الفرنسية من دون أن يتبع جنازته أحد سوى أمه وأخته إيزابيل، حتى صديقه المقرب »بول فيرلين« يغيب عن وداعه الأخير، وقبره المتواضع في مدافن عائلته في مدينته الصغيرة »شارلفيل« لم يحمل سوى شاهد قبر يشير إلى التاجر »جان آرتور رامبو«، أما شاهد قبر الشاعر فلم يظهر إلا بعد سبع وخمسين سنة من رحيله عن طريق جماعة مرسيليا الأدبية في العام 1946. كل هذه التفاصيل صنعت من رامبو في رأيي حالة خاصة في الشعر الفرنسي والعالمي، إضافة إلى قصائده التي لم أستطع الإلمام بها حتى الآن، لكن سيرة حياته المثيرة تبقى هي المنجز الأهم في رأيي، ثم رحيله المبكر الذي يترك بداخلنا الرغبة في التفكير والتساؤل: »ماذا لو عاش؟«، »وأي مصير كانت حياته ستتخذ؟«، فهذا الرحيل المبكر يضعنا أمام حالة من الأسطورة في الشخصية التي أمامنا، وما فعله هذا العابث الصغير أنه في حياته وشعره، حاول خلخلة المعتاد، فالشعر الحقيقي واحد من اثنين، إما أن يعاش، أو أن يكتب، وما فعله هذا الشاعر المثير هو أنه حاول الأمرين، ونجح عن جدارة، كتب الشعر وعاشه، أو على الأقل حاول أن يعيشه، محاولاً الوصول إلى المطلق في كل شيء؛ الجنون، الحب، الجنس، رفض الدين والتقاليد، حتى حياته نفسها. في اللغة العربية قرأت نصوص »رامبو« متفرقة وبترجمات مختلفة ومتباينة الجودة، ولا أستطيع الحكم على إجادة الترجمة من عدمها لعدم معرفتي باللغة الفرنسية، لكنني لم أجد نفسي مولعاً بقصائده التي ترجمت إلى العربية، بقدر ولعي بأسطورته الشخصية، ففي قصائده لم أجد ما يشدني، ثم حاولت قراءة قصائده في اللغة الهولندية، وأيضاً لم أحبها، ربما لأنني لم أستطع سبر جمالها الذي يستشعره العارفون باللغة الفرنسية، ومن ثم بقيت على ولعي بسيرته الشخصية، والحياة الغريبة التي عاشها هذا المجنون الجميل، فهو من قال: »لم أعد شاعراً لأنني لم أعد مجنونا«، وأعتقد أنه في هذه المقولة يكمن التلخيص الكامل لتجربته الشعرية والحياتية على حد سواء. (شاعر مصري مقيم في بلجيكا) شارل شهوان: إلفيس الشعر أرثور رامبو إيقونة شعرية ولعله علبة »الكامبلز الوارهولية« (نسبة إلى أندي وارهول) الخاصة بالشعر المعاصر. إنه البوب ستار الشعري لو لم يكن هنالك شاعر مثله كان ينبغي اختراعه. فبركته سينمائيا أو روائيا. لست متأكدا البتة من تأثيره في الشعر عندنا أو عند الجيران، قريبا أو بعيدا، تأثيره في الشعر أو القصيدة أو القصائد أو التجارب، وعلى هذا مبهم وغير مؤكد. ثمة من حاول بالتأكيد غير أن المسألة شبه مستحيلة في هذا السياق. ما كتبه أشبه بزلزال حل فجأة بدون سابق انذار، مثل اصطدام كوكبين. لا أعتقد أن هناك من يمكن أن يحاول تقليد أو مقاربة أو استنساخ... الخ، كل هذا الصخب والجنون. ثمة استحالة في الأمر. الأهم في ما يمكن أن يلهمه هذا الشاعر الفوقطبيعي هو دفعنا إلى مغادرة الشعر والتخلي عنه، ثمة الجرأة الخارقة في هذا، وأقصى الشعر هو التخلي عن هذا الهوس واحتقار الموهبة وازدراء كل ما هنالك باستثناء الذهب... المدهش والغريب في آن معا أن لا أحد يثيره رامبو والكل يود أن يصير رامبو. سمة هذا الشاعر الأبهى، إنه صورة إيقونة تحبب بالشعر وتحبب بصورة الشاعر وباللعنة وبالعزلة والاستقالة أو المغادرة أو التوقف وكل ما شابه. أسطورة رامبو الحديثة تحطيم بمعنى ما لصورة الأديب أو الشاعر أو الكاتب بالمعنى الكلاسيكي المعهود، أو بمعنى آخر تكريس كل الحياة ورمتها للكتابة والأدب أو الشعر أي تدمير صورة النبي الشعري أو الرسولية والرسالية، وما أدراني، لكل هذا المراس، ليمسي الأمر وكأنه قصاص وسجن ومعتقل. ينبغي على بعض الشعراء الاستراحة وربما على معظمهم القيام بذلك وربما أيضا عاجلا. بأية حال، لا يسامرنا في أي لحظة أن رامبو توقف بل انه كإلفيس لم يمت بل ما زال بيننا، ربما في أفغانستان برفقة بن لادن يفاوضه على شراء وبيع البنادق أو في كازينو لبنان يقامر أو يدين بالفائدة. لا يهم. في الحالين، الأحلى في الموضوع انك تحب الشعر بمجرد أن تفكر برامبو وأنه يمكن ان تنسب إليه أروع القصائد في العالم من غير أن يكون قد كتبها وكل مرة أقرأ شعره أكان باللغة الأصلية أو مترجمة إلى الانكليزية أو العربية يخالجني أنه يجب ان اغادر مثله، وان هذا الكم والثقل من الدمار الداخلي من الجنون، من الموهبة، لا بد وأن يقتل كاتبه، وعاجلا. صورة رامبو التي احتفظ بها له واقفا في هرار أمام أشجار متوحشة وهو مكتوف اليدين في زيه الأبيض الكولونيالي ونظراته المبهمة تسبب لي غالبا الدوار بل الكثير من الغيرة والحقد على صاحبها وهذا الشعور لا يخالج أي شاعر سوى وهو أمام شاعر حقيقي، شاعر خارق، لا بد وأن هذا الرجل ينتمي إلى صنف الالهة. يجدر الملاحظة هنا انه في استطاعته أيضا أن يصبح عارضا للأزياء. كانت جزالته مناسبة جدا. (شاعر من لبنان) جوزيف عيساوي: شيطان اللعنات قرأته بالعربية أولا، مترجما ولم أحتف به، ثم بالفرنسية، ولم يبهرني كما فعل لوتريامون. هذا الأخير قرأته في سن السابعة عشرة، تحت مصباح البلدية، فأصابني برق صاعق دفعني للسير ساعات ولم أنم ليلتي. لم أتأثر بالفتى الذي، بعبقرية مجنون، »فَتَل« العقل في القصيدة، كما يقذف الولد كلة باصبعيه، قائلا الوداع لأنساق شعرية ولغات. ولا أعرف مبلغ ما أثر في شعراء الحداثة العرب، علما أن شعراء الرومانسية الفرنسية وحتى بعض الرمزيين والبرناسيين تركوا بل طبعوا العديد من شعرائنا. ربما شاعر أو شاعران من أركان مجلة »شعر« تأثرا »باشراقاته« و»مركبه السكران« ولكن الأكيد أن له أتباعاً ومقلدين. وأن الموجة التي حرك في الشعر الفرنسي والعالمي وغدت بحرا من الحبر القشيب، لم ينج منها غير قلة قليلة من شعراء قرن كامل. ليس رامبو من »شعرائي«. ليس مثل بونفوا مثلا أو كواسيمودو وشيمبوريسكا ووديع سعادة والعديدين من تيار الواقعية الجديدة في الشعر الأميركي. أما حياته في تفلتها النزق، في تلك العلاقة الصارخة عشقا وتبرما مع فيرلين وتجارته بالسلاح وتعلم العربية (في اليمن والحبشة)، انها ديوان آخر وقصيدة تخللتها أحداث وعبارات ليس أكثرها فسقا تخييره فيرلين بين الله... ومؤخرته. لم يكن شعره طبعا سوى هذا الانعكاس لحياته بجماليات ابتدعها وصفاء روحي مضمخ بشيطان هائل اللعنات. (شاعر من لبنان) يوسف بزي: شائعته لا شعره قرأت الآثار الكاملة لرامبو كما ترجمها كاظم جهاد وصدرت بالعربية بتمويل من اليونسكو. حدث ذلك منذ سنة ونصف على الأكثر. وتبين لي أن من الصعوبة بمكان ابداء رأي بشاعر فرنسي احتل مكانة اسطورية على أساس قراءتي له بالعربية. على الأرجح أن الترجمة أفقدت الكثير من الأسرار الشعرية ومن عبقرية رامبو كما يجمع عليها قراؤه الفرنسيون. أظن أن شعر رامبو بالعربية خسر أكثر من النصف من قوة تأثيره وأهميته. لذا فكرتي عن رامبو هي أهم من مطالعتي لشعره. أظن أن أسطورة رامبو الثقافية أثرت في شعري أكثر من قصيدته. لقد قرأته فقط منذ فترة قصيرة نسبيا. أسطورة رامبو هي الملهمة بالنسبة إلي. أعتقد أن الشعراء النيوكلاسيكيين العرب، ما قبل شعراء الحداثة عرفوه وتأثروا به على نحو رائع. أما شعراء الحداثة فقد عرفوا بيانه وأخذوا به على نحو جدي وخطير. أظن أن تأثير رامبو على الشعر العربي أتى عبر اقتراحات مختبر مجلة شعر وبالأخص الشعراء اللبنانيين ذوي الثقافة الفرنكوفونية. لا أريد أن أحدد الأسماء كي لا أجانب الصواب. هذا هو الأثر الخفي والقوي في آن معا. أتذكر الآن أن كتاب شربل داغر »العابر الهائل بنعال من ريح« كان له ذاك الأثر الثقافي على الذائقة الشعرية أكثر بكثير مما ترجم لرامبو إلى العربية. حكاية رامبو كما نعرفها نحن المثقفين العرب هي الأثر الأكبر على قصائدنا. الشائع في الثقافة العربية أن لها دوما حيزا كبيرا في مفاعيل الكتابة والابداع. »شائعة رامبو« لا شعره هي المؤثرة وتلك هي المفارقة التي تستدعي السؤال عن الشائعات الأخرى. (شاعر من لبنان)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة