»أنا مت« هي عبارة يتوقف جاك دريدا عندها في احد نصوص إدغار آلان بو. عبارة عبثية، مستحيلة، لكنها في الوقت نفسه، شرط كل لغة، بمجرد امكانية أن تعني هذه العبارة شيئاً ما. من هنا، يبتدئ الحديث عن دريدا، ويتأجل كلما لاح دنوّه. 2 عند جاك دريدا ان الكتابة سابقة على الكلام. بل إن الكلام نفسه هو شكل من أشكال الكتابة. وعنده أن الكتابة حاضرة في كل أنواع الحي، ليست حكراً على الانسان وحده. وهذا أمر ما لا يمكن تبصره دون الافلات من مقال الحيوانية كما طرح نفسه في الميتافيزيقا الغربية. لقد شغفت هذه الميتافيزيقا بالثنائيات: النور في مقابل العتمة، والحضور في مقابل الغياب. وعلى المنوال نفسه، فقد وضعت الانسان بما هو كل واحد في مقابل الحيوان بما هو كل واحد. لذا، تنبه دريدا منذ وقت باكر إلى أن مقال الحيوانية في الميتافيزيقا الغربية هو الحلقة الأضعف في اطارها، حيث تساق المقدمات والحجج الأكثر سذاجة. بصورة ما، يمكن ارجاع كل منظومات الميتافيزيقا الغربية الى أوجه تمييز بين الانسان والحيوان. هذا يميز الانسان عن الحيوان من خلال نطقه أو منطقه، وذاك يميزه من خلال لغته أو كتابته، فيما نجد من يجعل من القدسي والمحرم خاصية الانسان. ليس عند دريدا شيء من هذا القبيل. يرفض اختزال الانسان الى ما ليس بانسان، غير أنه يرفض كذلك تلك الثنائية التعارضية المستحكمة بين »الانسان والحيوان«، بل يرفض أن يجعل من الكتابة مثلاً خاصية الانسان وحده كما سوف نرى. قبل دريدا، ادعى مارتن هايديغر هو الآخر الخروج عن النزعة الأنسنية التي اعترت التفكير الفلسفي ووصمته باللاتفكير. تباهى هايديغر بأن الانسان لم يكن أصيلاً في أبحاثه، اذ لا يشكل بدايتها ولا نهايتها، فما يهمه هو الاشتغال على الكينونة التي لفها النسيان في تراثات الميتافيزيقا، نظراً إلى فصل الميتافيزيقا بين الكون وبين ما هو كائن، أو بين الوجود والموجود، أي عدم تفكرها لكون الكائن ووجود الموجود. وحتى حين خاض هايديغر في الضروب التوجيدية »للكون الذي هنا«، أو »الدازاين« فقد رفض أن يلحق الدازاين بماهية انسانية ما، مع ان الدازاين هو الانسان بطبيعة الأمر الواقع. بناء عليه، أعاب هايديغر على سارتر ترجمته الدازاين بالواقع الانساني، منتقداً القراءات الاناسية التي شوهت مقصده. لا يخضع دريدا المنظومة الهايديغرية لأي مأخذ من خارجها، وانما يفككها من الداخل مبيناً أن ما تدعيه من تجاوز النزعة الانسنية هو بالضبط وصول بهذه النزعة الى مداها. فان لم يكن الدازاين الهايديغري هو الانسان في ماهيته فهو ليس شيئاً آخر غير الانسان، وهذا ما يتضح أكثر فأكثر حين يعالج هايديغر »الكون الذي هنا« بما هو »الكون من أجل الموت«. يجعل هايديغر الموت حكراً على الانسان دون الحيوان. الانسان يموت والبهيمة تنفق. للحيوان علاقة بالعالم لكن ليس لديه عالم. للحيوان علاقة بالموت لكنه لا يموت. هذا ما يتوصل اليه هايديغر فيقلبه دريدا رأساً على عقب، اذ ما يكون الموت اصلاً بالنسبة الى الدازاين ما دام هايديغر يرفض تعريف الدازاين أصلاً على أنه حي؟ بمتابعة المنطق الهايديغري نصل الى ان الانسان الذي يموت لا يحيا وأن الحيوان الذي يحيا لا يموت. تواز ميتافيزيقي حاد بين الحي والميت. بعد ذلك، سيبين دريدا أن هايديغر لم يميز بين ثلاث ظواهر مختلفة، هي »قول الموت«، و»تجربة الموت« و»فعل الموت نفسه«. تجربة الموت هذه غائبة عن الحيوان والانسان سواء بسواء. عندما أكون حياً، يغيب الموت، والعكس صحيح. لا أصادف الموت أبداً، وبالتالي لا يمكن الموت أن يكون امتيازاً للانسان كما عند هايديغر. كل الحيوانات، بما فيها الانسان، لا تصادف الموت، وانما تكتفي بالعلاقة معه، وبالإماتة التي هي الحياة. اذا كان الموت هو امكانية كل استحالة عند هايديغر، فانه عند جاك دريدا استحالة لكل امكانية. وهذا التفكيك الدريدي لمقال الموت عند هايديغر انما يستند الى كتابات ايمانويل ليفيناس التي ذكرت هايديغر »بأنني لا أقيم أبداً تجربة مع موتي أنا بل مع تجربة موت أناس آخرين«. 3 لنعد الى »الكتابة«. الكتابة عند دريدا هي »الأثر«، أي ما يخلّفه الحيوان وراءه، في لعبة محو وتهجين واضافة، يتخلع فيها المعنى ويتأجل تحققه دائماً، ولا يؤتى منه الا بسلفة معنى، في حين يشاد المبنى أصلاً على أساس التصدع. ما تفكيك النص اذاً غير كتابة تاريخ هذا التصدع، على أساس استحالة الامكانية، أي على أساس استحالة الإفراغ من ذلك. الكتابة هي الأثر الذي يمحى، والأثر الذي يضاف. هي الأرشفة، تتشارك بها كل أنواع الحي، وتتخلع في اثرها أنواع الفصل بين الحي والميت. للكتابة بعد شبحي اذاً. وهذا يوجب مراجعة البداهات الهادئة عن التعارض بين الحضور والغياب. فالدلالة ليست حاضرة كلياً ولا غائبة كلياً عن النص، بل هي متفرقة فيه، متناثرة، لا هي مباشرة ولا هي مخفية. هذا المفهوم للأثر، المستل من كتابات ايمانويل ليفيناس نفسها، هو الذي مكن دريدا من تفكر مفهوم النص أو مفهوم الحدث. كما أن دريدا بقي مديناً لسيغموند فرويد الذي اكتشف أن الأرشفة هي الشغل الشاغل بالنسبة الى الجهاز النفسي، وان كلاً من الدافع الى اللذة والدافع الى الموت يقومان بحفظ الآثار وأرشفتها، وأن هذه الأرشفة هي في الوقت نفسه عملية محو، ومحو لعملية المحو، وهو ما يخلف أثراً اضافياً فوق أثر. 4 يبدو أننا مضينا الى المتن الدريدي رأساً، متناسين واجب التعزية، أي أن جاك دريدا، مفكر المأتمية والقربانية بامتياز، قد مات. الا اننا اذ نسمح لأنفسنا بالحديث، تجاوزاً، عن »متن« النص الدريدي فمرد ذلك بالضبط الى أن جاك دريدا قد مات. عندما كان حياً، طرح نفسه كقارئ لهوامش النصوص وبياضاتها، مؤرخ لثورة هوامش النصوص وبياضاتها على متونها، وكل ذلك يذكر بمحاورات التلمود التي شكلت تراثاً شفاهياً يعلي من شأن الكتابة ويلتفت الى هوامشها وبياضاتها دون أن يتوصل أبداً الى التأليف المتجاوز للمادة الكتابية التي يعالجها. لكن بما أن دريدا قد مات، صار بالامكان توقع أعماله الكاملة، وبالتالي توقع أن يطفو متن ما على سطح كتاباته، وتلك لعبة محاصرته المستحيلة... سيقال في معرض حصاره أن المؤلف يخلّد بكتاباته. سنقول مع التوسير إنه كان مارداً للفلسفة، وسنقول مع دريدا نفسه إن المرء يباشر بالكتابة لما بعد وفاته مذ يولد. سنتذكر وصف دريدا لجلّ كتاباته على أنها من قبيل السيرة الذاتية. في كل منها، تحضر ذكرى هذا اليهودي الجزائري الذي بقيت الجزائر الكولونيالية تشكل صورة أرض ميعاده ومنفاه الأصلي في آن، والذي لم تحوله تجربة »نهاية الاستعمار« الى داعية لتكراره، أو الى جعل الاستعمار مشجباً يعلّق عليه كل كوارث الدنيا. ان موقفه من الاستعمار هو جزء من موقفه من الميتافيزيقا الغربية، اذ هو حين يقوم بتفكيكها لا يتوخى تدميرها ولا حتى نقضها. انه يدرك ان الفلسفة كمشروع لتفكر الكون، بما هو كون، ولدت في اليونان حصراً. الا ان الفلسفة كانت منذ البداية مزودة بطموح الى الكونية، الى حركة تكونن ما زالت آخذة في النشوب والحراك والتقطع والانزياح والتمدد منذ خمسة وعشرين قرناً. لذا، يدعو دريدا الى عمل كل شيء لوعي الحدود الاثنومركزية والجغرافية وعبورها في الوقت نفسه، وهذا ما لا يقتضي بالضرورة ازالتها. ينبغي أن نستمد من الذاكرة ارث الأدوات المفهومية التي تسمح بمعارضة الحدود التي فرضها هذا الارث على نفسه. في موضوع حقوق الانسان مثلاً، هي حقوق تتحول بلا انقطاع وتُستمد من شرعة تاريخية معينة. على المنوال نفسه، لم ينفصل دريدا عن تحدره اليهودي ولا ساقه تحدره إلى باب انطواء الهوية أو الجماعة، وانما تمثل بمثال »المرائي« اليهودي غير اليهودي عقب سقوط الأندلس، هذا الذي تصدعت الحدود بين داخله وخارجه، بين حاضريته وحضوره. والحق أنه لن يكون بوسعنا نقل دريدا الى العربية ما لم نلتفت الى هذه القربى السامية الابراهيمية التي تشهد عليها كتاباته لمن يدمن كتاباته، وما لم نتلفت الى الاشارات المتفرقة لدريدا عن أهمية المركب اليهو اسلامي اللامفكر فيه بامتياز قياساً على المركب اليهو مسيحي. أياً يكن من شيء، يبقى الشعار الذي عنون به جاك دريدا أحد كتبه بمثابة شعار عملي لديموقراطيي القرن العشرين، هؤلاء الذين يستعجلون الديموقراطية التي تنتظر: »يا كوزموبوليتيي العالم... مزيداً من الجهد«. إنه شعار يندمج فيه عنوان لمانيفست الماركي دو ساد (أيها الفرنسيون... مزيداً من الجهد)، مع شعار مانيفست ماركس وانجلس (يا عمال العالم اتحدوا). فيذكر دريدا من خلال ذلك أننا لم نصبح كوزموبوليتيين كلياً، وما زالت هناك حدود يجب فتحها أمام النموذج »المرائي«. في الوقت نفسه فإن شعاره ينبه الى أن الكوزموبوليتية وحدها لا تكفي. مما يحضر في هامش العلاقة بين السياسة والأخلاق عند دريدا، تفكيكه لكارل شميت. عند شميت أن الاختلاف السياسي يتأتى من التمييز بين الصديق والعدو، أما دريدا فهو يعود الى تصور فرويدي يدرج الكراهية في مأتم اصدقائنا قبل اعدائنا. مثال آخر يستخدمه هو مثال القنافذ التي ترفض أن تلتصق بعضها بالبعض الآخر كي لا تموت من شدة البرد، فيشوّك احدها الآخر ويجرحه. الا ان هذه القنافذ تبقى مجبورة على الاقتراب مجدداً ساعة يشتد الصقيع، فهي تنتهي الى مسافة مناسبة تقيها مغبة الاحتكاك والتباعد. 5 سيقال إن دريدا ما زال غائباً عن المكتبة العربية. سنقول إن النصوص التي يفككها دريدا هي أيضاً غائبة عن هذه المكتبة ما أتعسها مكتبة. وسنقول إن الحجج التي تساق ضده من طه عبد الرحمن الى أمينة غصن ما هي الا أدبيات لاسامية معادة مكررة. واذا كان أساطين الفلسفة العربية يركنون دريدا في عداد »النقد الأدبي«، فإن المشكلة مع نقاد الأدب أنفسهم أنهم يحوّلون التفكيك الى منهج من المناهج. مع ذلك، فليس التفكيك منهجاً ولا نظرية، ولا هو عدمية أو سفسطائية. انه اعادة اعتبار للكتابة، تلك التي حطت الميتافيزيقا الحضورية من شأنها لصالح المركزية الصوتية والمركزية الانتصابية التي تستند اليهما مركزية اللوغوس، كما ان التفكيك هو اعادة اعتبار للمجاز بما يجعل من المفهوم مجاز مفهوم. التفكيك عند دريدا هو أخذ علم بالتصدع الذي في كل نص. ليس هناك في التفكيك ما هو خارج النص. لا يعني ذلك أن المؤلف مغيب تماماً، بل هو عنصر من عناصر النص، ممثل بآثاره داخل النص الذي يولده ولا يملكه الا اعتبارياً بحسب القوانين المكتوبة المعمول بها. كل ما هو هو في النص. النص ليس سوى أثر من أثر. كل نص هو تحويل عملي لنص آخر. مع ذلك، لا يسبغ التفكيك طابع الاطلاقية على النصية. كما يذكرنا مارك غولدشميت في »مدخله الى جاك دريدا«: ان لم يكن من خارج على النص فهذا يعني أن النص نفسه ليس موجوداً (بالمعنى التقليدي). لقد وسع دريدا النص الى العالم، وسوّى العالم بالنص، فتصدعت فكرة حضور الذات في ذاتها من تلقائها، ولم يسقط هذا الحضور تماماً بل تحول الى وعد قائم بالأرجاء وللأرجاء. من هنا، لم يعد ممكناً بعد دريدا الوصول الى الأشياء من خارج النصوص أو بمعزل عنها، تماماً مثلما صار التصدع بادياً في أصل النصية. لم يفكك دريدا شيئاً. التفكيك ليس مشروعاً فلسفياً اعتباطياً لمؤلف ما كما يضيف مارك غولدشميت. انه مبدأ التصدع المندرج في كل نص ساعة كتابته. التفكيك يعمل كعدوى فيروسية تصيب الأصل من الأصل. تأكله ولا تستهلكه مثلما هو حال العليقة المشتعلة في الكتاب المقدس. ليس التفكيك نقداً ولا نقداً للنقد، وهو لا يتجاوز النصوص التي يشتغل عليها. انه الحركة المضادة للتحكم الفلسفي المزعوم بالمبنى والمعنى، باتجاه اعطاء مجال للقراءة، أي لإعادة بلورة ما همش وقمع وضبط في النص نفسه منذ كتابته مروراً بالكتابات التي »قرأته«. ان كل نص يعود ويكرر ما يدعي تجاوزه، أما التفكيك فليس يدعي تجاوزاً. من هنا، كانت اعادة الاعتبار للكتابة، تلك التي حطت الميتافيزيقا الغربية من شأنها من افلاطون الى روسو وصولاً الى دوسوسير وليفي شتراوس فبدت ملحقة بالشفاهة، مترجمة لها، مبخسة للذاكرة، مثيرة للعنف والفتنة، وبالتالي من الضرورة ترويضها لأنها تزعج الراحة الفلسفية. لقد بيّن دريدا أن الكتابة هي المشكلة التأسيسية والسرية للفلسفة. الفلسفة محاكمة لا تنتهي للسفسطائية. الا ان ذلك يجعلها مصابة بعدوى غريمها السفسطائي، أي غريمها المذنب نظراً إلى استخدامه البريء للكتابة دون مسعى ترويضي، دون اخضاعها الى ثنائيات الميتافيزيقا الغربية الوافدة من ثنائية النور والعتمة. المشكلة الكبرى أمام استقبال دريدا في الفكر العربي هو أن البعض ينظر اليه كرائد للعدمية قبل قراءته، في حين أن البعض الآخر لا يبحث في كتابات دريدا الا عن طريقة أو منهج. وفي الحالتين، يخال هؤلاء أنهم بالامكان قراءة دريدا أو الحكم عليه دون قراءته على أساس تلخيص الميتافيزيقا الغربية السابقة عليه الى عناوين ليس الا، وعلى أساس التجاهل المطبق للبعد اللاهوتي في أعمال دريدا، هذا البعد الذي يتواصل من موقع »اليهودي غير اليهودي« مع فكر الآخر بما هو الآخر اللامتناهي عند هانس روزنتسفايغ وايمانويل ليفيناس. من دون هؤلاء، لن نفهم اشارة دريدا الى ان التفكيك ليس تدميراً، وانه يحتفظ بتأكيدية النعم الأصلي كما عند روزنتسفايغ وليفيناس. كما لن نفهم اشارة دريدا في الوقت نفسه الى ان التفكيك ليس انشاء. ان التفكيك هو أولاً تخلع للحدود التي تقيمها الميتافيزيقا الغربية بين ما هو »أدب« وما هو »فلسفة«. في التفكيك يستحيل المفهوم ضرباً من ضروب المجاز، كما يتداعى الانقسام التقليدي بين الايمان والمعرفة. ثمة أفق لاهوتي يأخذ اذاً بمهمة جاك دريدا، ومن هنا أهمية ما كتبه عن الدين والكتاب الديني والحرب الدينية. 6 عند دريدا أن الدين أكبر مما ندرجه في العادة تحت هذا الاسم. »الدين« تعبير عن كل ظاهرات الاعتقاد والايمان التي هي بطبيعة الحال في أساس القانون واللغة. انه بهذا المعنى تعبير عن الحياة، وهذا التعبير يجد مصدرين له: الدافع نحو الايمان وراحته من جهة، والدافع نحو السلامة والطهارة من جهة أخرى. الدين يبدأ مع الحياة ولا ينفصل عنها. ما من حي يمكن ان يدعي، بهذا المعنى، انه براء من الدين. يلفت دريدا الى ان الديانات التاريخية كانت دائماً على علاقة مزدوجة ومتناقضة بالحياة نفسها. فمن جهة، يسود الاحترام المطلق للحياة: »لن تقتل أبداً!« (على الأقل لن تقتل مثيلك)، ومن هنا المنع الأصولي للاجهاض أو للموت الرحيم مثلاً. لكن في المقابل، ودون حاجة للتطرق الى الحروب الدينية، يمكن الالتفات الى مقصدية أخرى يغذيها الدين، وهي المقصدية القربانية الأضحوية، الكونية هي الأخرى. كل دين هو اذاً للحي والحياة وفي الوقت نفسه يضحي بالحياة باسم الحياة، »بالايمان بالأكثرهم حياة«. ينقلب الدين على الحياة متحالفاً مع العلم التقانة. يتقاسم الدين والتقانة منطق »الباقي على (قيد) الحياة«. يتحالفان لخدمة الحياة وتدميرها. يؤمنان بها كقيمة مطلقة ويستبقيانها كشبح حياة. ان هذا التحالف مع التقانة هو ضرورة حيوية للدين كونه يؤمن التئام الدافعين المصدريين للدين أي الايمانية من جهة، والطهرانية من جهة أخرى. هذا يعني، استطراداً، ان العقل والدين يحاول الواحد منهما الذود عن الحياة من تهديد الآخر، في حين أن كلاً منهما بمفرده، او بانتاج مشترك، يقوم بالتضحية بالحياة نفسها للحفاظ عليها من خطر الآخر! ثمة جذر مشترك اذاً بين الايمان والعلمان، ومن هنا يقرأ دريدا الحروب الدينية ويعتبر كل حروب الغرب دينية. الحرب الدينية في ايامنا اما ان تبنى على عنف ديني بأسلحة رقمية وشبكية، واما ان تنبني على عنف بدائي جديد. لا يستقيم مبحث الدين عند دريدا دون تفكيك فينومينولوجيا الدين عند هايديغر. يحسب هايديغر انه ينبغي البحث عن »تجلوية« أكثر أصالة من كل تجل، فيعود عندها الى التمييز الدان سكوتي بين اللاهوت (المقال في الله، الايمان والتجلي) الى التلهوت أو الالهوت (مقال في الكون الالهي وماهيته). أما دريدا فيبين أن هذه التجلوية ليست الا لحظة في اطار تاريخ التجلي نفسه وليست ابداً مصدراً لهذا التاريخ. ان مسألة الكون الالهي وماهية الالهي تفترض قبل ذلك تجربة اللغة، ودريدا يظهر ان اللغة في منشأها تستولد الله، وان الله هو بالارجاع، امكانية كل »فعل« كلام، فان تكون اللغة »حاضرة معنا قبلنا« فهذا ما يسميه اللاهوت الهاً. الله هو اذاً امكانية الكلمة. كل مقال هو بماهية لاهوتية سواء ذكر فيه الله أم لا. اللاهوت غير قابل للاختزال اذاً، فالله هو الشاهد المطلق الذي في أصل كل عنوان. بمجرد ان اتوجه لمكالمة الآخر فانا استحضر ضمانة الله لكلامي. كل ما يصدر عبر الكلام يحيل على الله أو يستدعيه. لقد خبر دريدا الصيرورة اللاهوتية لكل مقال، لا بمعنى انحصار كل مقال أو خطاب في منظومة لاهوتية تاريخية بعينها (فقط)، وانما بمعنى هذا الجذر اللاهوتي السابق على كل لاهوت خاص. بيد أن التفكيك ليس مع ذلك تحديثاً للاهوت السالب، وانما هو اسبينوزية جديدة. فكما أعمل اسبينوزا معادلة »الله أو الطبيعة«، يتوصل دريدا الى معادلة »الله أو النص«. يدرك دريدا جيداً الصيرورة اللاهوتية لنصه هو ايضاً. ان فكره ليس محصوراً بقضية واحدة. انه فكر لا يتحدد بطرح بعينه. ليس عدمياً ولا طرحياً، بل هو فكر يظل مفتوحاً على انتظار آت ما يتأجل وصوله. وكما يقول دريدا، ليس من مقبل بلا ذاكرة أو وعد مشيحاني، بلا شحنة مشحنة هي أقدم من كل دين ومن كل مشيحانية، انها شحنة مشحنة تبقى بلا اجابة، بلا مآل أخير، وعد لا يفقد شيئاً من وعديته لأنه بالضبط »عنصر مشيحاني بلا مشيحانية«. 7 في كتابه »وهب الموت« يعود جاك دريدا الى جدّه النبي ابراهيم. نقطة الانطلاق، ابراهيم على جبل الهيكل. قبل أن يرسل له الرب ملاكاً لينقذ ابنه من اختبار التضحية. يذكر دريدا بأن ابراهيم لم يفاتح زوجته ولا ابنه، ولا هاجر وإسماعيل المبعدين أصلاً بالأمر. كل شيء يجري كما لو ان الرب أمر ابراهيم أن يدخل بعلاقة حصرية معه، وعدم التكلم مع أي كان بشأنها. السرّ هو ميدان الاختبار نفسه. فيه يرتفع الواجب المطلق فوق موجبات المجتمع والعائلة والاخلاق والقانون والسياسة. انها تضحية أخلاقية فائقة وفوق اخلاقية في آن. من هنا، أكثر من خلاصة حول مفهوم المسؤولية، فهو مفهوم يفترض السر والعزلة الجذرية، ولا يفترض جردة الحساب أو التبرير أمام الآخرين كما نعتقد. كذلك، فمعنى أن تكون مسؤولاً بشكل مطلق يعني أن تخرق الايتيكا لصالح الآخر المطلق وليس أن تتبع هذه الايتيكا. عند دريدا ان اختبار ابراهيم على جبل الهيكل هو ما نعيشه في كل لحظة قرار. الواجب أو المسؤولية تربطني بالآخر. ينبغي أن نكون مسؤولين أمام آخر بعينه، أي أن نهمش الآخرين الباقين. ليس اختبار ابراهيم صورة بلاغية فحسب. هذا ما يحدث في جبل الهيكل الآن، أي في المكان الذي اختاره سليمان ليبني بيتاً للرب ثم أسرى اليه النبي محمد. مكان مقدس ومتناحر عليه. اختبار متجدد للعنف القرباني. افتداء خلاصي ينتظر. الوحدانيات الثلاث تتقاتل ولا داعي لإنكار ذلك في مسكونية ساذجة. تقاتلت في كل وقت، واليوم أكثر من أي وقت آخر. تراث التضحية الابراهيمية هو نفسه ميدان للتضحية الدامية. تضحوية اسحق مستمرة. ليس هناك تقابل بين »مسؤولية« من جهة، و»انعدام مسؤولية« من جهة أخرى، وانما صدام بين أنواع من المسؤولية مختلفة. في معرض قراءته للقربان الابراهيمي يقدم جاك ديريدا صورتين افتراضيتين: 1 في القدس، نشهد اختباراً متجدداً للعنف القرباني. لكن التضحية باسحق مستبعدة الآن، على الأقل في المظهر. لنتخيل ان والداً سوف يصحب ابنه لنحره على تلة مونمارتر في باريس. ان لم يرسل له الرب كبش فداء فإن قاضياً نزيهاً، ويفضل ان يكون مختصاً بالعنف الشرق اوسطي، سوف يتهمه بالقتل العمد المريع، وسوف يجمع المحلل النفسي والمعالج النفسي والصحافي على أن الأب هو »المسؤول«. يمكن الأب أن يؤكد مع ذلك أن الآخر المطلق، الآخر تماماً، هو الذي أمره بالقيام بذلك، في السر، لاختبار ايمانه. لكن، كل شيء منظم لمحاكمة هذا الرجل وإدانته. في المقابل، فإن عمل المجتمع لن يتضرر، ولن يمس خطابه الأخلاقي والسياسي والحقوقي، وبالضبط لأن هذا المجتمع يمكن أن يترك قرابين بالجملة في أماكن أخرى دون أن تتحرك أي ضابطة عدلية أو اخلاقية، كأن يترك الناس يموتون برداً أو جوعاً. 2 كيف يمكنكم، يتساءل دريدا، أن تبرروا للقط الذي تطعمونه وتعطفون عليه طيلة أيام السنة أن قططاً تموت من الجوع في كل لحظة؟ ما هذا النوع من الأسئلة، غير إيحاء بالأفق المشيحاني الذي سكن أعمال دريدا، ويحوم حولها بعد وفاته.