As Safir Logo
المصدر:

جاك دريدا: الأدب قلب التفكيك و»لا شيء خارج النص«

دريدا والتوسير في رسم كاريكاتوري
المؤلف: حبش اسكندر التاريخ: 2004-10-15 رقم العدد:9923

منذ أعماله الأولى، أظهر جاك دريدا اهتماما خاصا بالأدب. أكان ذلك في مقدمته لكتاب هوسرل »أصول الهندسة« أو في »الصوت والظاهرة« الذي اعتبر مرجعا أدبيا حول جيمس جويس وادغار الان بو، حيث انسلا في قلب القراءات الفلسفية. هذا من دون أن نشير أيضا إلى كتاب » La grammatologie « (»ثقافة الكتابة«، علم يتناول الحرف والكتابة بصفتهما يشكلان معنى الثقافة والفكر)، وهو كتاب مخصص في قسم كبير منه بجان جاك روسو، في عمليه ووجهيه، كفيلسوف في »رسالة حول أصول اللغات« وككاتب في »الاعترافات«. على مر كتبه، غالبا ما نجد أن الأدب يأتي »لينافس« الفلسفة مثلا يقف جان جينيه بمواجهة هيغيل في كتاب »Glas« أو بالأحرى يأتي ليطوقه، كما أيضا لوتريامون ومالارميه وسولرز الذين يحيطون بأفلاطون في »La Dissemination«. من ثم، وبشكل ما، جاء الأدب ليشير إلى تفرده في هذه الرحلة الفلسفية، حين أصدر دريدا، ما بين 1986و1988 عددا من الكتب من بينها »شيبوليت، من أجل باول تسيلان« و»أنحاء« (مخصص بموريس بلانشو) و»عوليس الحاكي. كلمتان لجيمس جويس« و»مُوَقَع بونج«. وكما نلاحظ، ثلاثة من هذه الكتب، كانت تحمل اسم علم في العنوان، ولم يكن هذا الأمر مجانيا. إذ في كل قراءة، يلح دريدا على فرادة الكتابة، وعلى إعادة اكتشاف اللغة التي يكتب بها الكاتب كما على وحدانية التوقيع الذي يسمها. كذلك نجد وفي الوقت عينه، أن دريدا كان يقدم لنا قراءة بعض الموتيفات »النظرية« للعمل في النصوص المحللة (أي يطرح أسئلة تنهض، لا فقط من نظرية الأدب بل أيضا من كل حقول العلوم »الإنسانية«: الفلسفة، الحقوق، التحليل النفسي، الأنتروبولوجيا، علم الاجتماع...). من هنا، كان هذا الأمر يتبدى، على الأقل، كمقترب مزدوج للنص المتحقق: أي يعود الأمر إلى الاهتمام ب »الشاعر«، بذاك الذي له علاقة باللغة التي يكتب بها، أكان يكتب الشعر أم لا يكتبه (بالمعنى المؤسساتي للكلمة) كما أنه أيضا يتابع تأملا نظريا، يقاد إلى مكان أبعد في العديد من الأحيان، حول النصوص الفلسفية على سبيل المثال. بحسب جاك دريدا، للغة جوهر طيفي، أي أنها لا تتوقف عن أن تستعيد نفسها كما هي عليه، وفي الوقت عينه، نجدها تظهر، في كل مرة، كلغة أخرى. من هنا يميل دريدا إلى اعتبار أن أولئك الذين يحددهم كشعراء يمررون هذه الافتراضية الشبحية (الطيفية) للغة، يقول في مقالته »اللغة لا تنتمي« (مجلة »أوروبا« عدد كانون الثاني شباط 2001) »أسمي شاعرا ذاك الذي يترك ممرا لأحداث كتابة تعطي جسدا جديدا لجوهر هذه اللغة، الذين يتركونها تظهر في عمل ما (...) إبداع عمل يعني إعطاء جسد جديد للغة، إعطاء اللغة جسدا لدرجة أن تظهر فيه حقيقة اللغة كما هي عليه، لتظهر ولتختفي، ولتظهر في انسحاب إضماري«. علينا أن نستدعي هنا مالارميه وفرانسيس بونج وجيمس جويس وأنطونان أرتو وباول تسيلان وهيلين سيكسوس والعديد غيرهم كي نظهر كيف عرف دريدا عبر كل واحد منهم أن يفشي أو بالأحرى كيف ينتزع لمسة عبقرية اللغة، الطريقة التي وسمتهم بها اللغة كما الطريقة التي وسموها بها. في هذا الحيز، ثمة اسم وعنوان يحضران بقوة: »موريس بلانشو« و»لحظة موتي«. أعطى دريدا لهذا النص تحليلا ذا اتساع ودقة لافتين. لكن لنؤجل الحديث قليلا عن هذا التحليل الذي يلقي الضوء على »الشاعر« الذي كانه موريس بلانشو. يعود الأمر هنا إلى التساؤل حول جملة بلا فعل (اسمية)، إلى جملة ذات تركيب محير: »Mort - Immortel«. (الموت - الخالد) لقد لفت هذا الخط الفاصل دريدا في البداية: انه يجمع ويفرق في الوقت عينه، كما أنه »يشير، بدون أي كلمة، إلى مكان كل الطرق المنطقية« (Demeure) أي »في هذه الأثناء، لأنه، بصفته، بينما....«. هذا الخط الفاصل يقسم لحظة الموت، في اللحظة التي وفي الوقت عينه نكون فيها موتى وخالدين لأن الموت لا يصيب الذي مات. فبطريقة مقتصدة جدا (كلمتان وخط فاصل)، لخص موريس بلانشو فكره عن الموت وعن كيفية موته، لكنه أعطى بالطبع، وفي الوقت نفسه، مفهوما عن الخلود غير ذاك المفهوم الذي وجدناه عند أفلاطون أو في الدين المسيحي. منذ نهاية الستينيات، شهد مفهوم »النص«، في حقل الفكر الفرنسي، عملية إعادة »تحضير« كما إعادة »تحديد«. لقد فكر جاك دريدا بهذا الأمر على أنه نسق آثار لا يُختصر في مادية النتيجة المكتوبة. بشكل أكثر دقة، لا يعود الأمر إلى إعلان أن كل شيء كان لغة، بل لأنه بالضبط ليس لدينا أي منفذ إلى ما يوجد وراء اللغة إلا النص.هذا هو معنى تلك العبارة الشهيرة: »لا شيء خارج النص«. لقد تتابع عمل جاك دريدا النظري عبر التساؤل حول بعض »الأمكنة« الاستراتيجية للنص المكتوب: لقد تم توضيح وظيفة العنوان في كتابه »أنحاء« وبخاصة في دراسته عن »جنون النهار«، ولكن أيضا في كتابه »أحكام مسبقة« حيث يدرس نصا لفرانز كافكا بعنوان »أمام القانون« وبخاصة في علاقة العنوان بالحقوق. لقد حاصر دريدا دور »التوقيع« في كتابه »مُوَقَع بونج« حيث ميز بين ثلاثة أنواع من التواقيع: اسم الكاتب كما يتبدى على غلاف الكتاب والذي يحيل إلى شخص »فيزيائي« (الشكل الجسماني)، »الأسلوب« بالمعنى الاصطلاحي للكلمة أي حصة الفرادة في هذه الكتابة (طول الجمل، التركيب النحوي، استعمال الاستعارات...) التي تسمح لنا بتحديد هوية الكاتب، وأخيرا تعيين النص بنفسه على أنه نص (النص الذي يوقع نفسه). ومع ذلك، فلكي يكون التوقيع فعالا، علينا أن نعهد إلى قارئ »افتراضي« مسؤولية أن يقبل استلام هذا المرسال وأن يصدق على توقيع النص وأن يوثقه. هذا المقترب للتوقيع سيعاد إكماله فيما بعد عبر إعادة تثمين لمفهوم العمل. جاء بحث »ورقة آلة« مناسبة لدريدا لإعادة قراءة جان جاك روسو حيث برهن فيه كيف أن نص هذا الأخير يستطيع أن يعمل بشكل آلي، أي بغياب الشخص الموقع عليه، المنزوع منه: فحين يقول روسو في نهاية »النزهة الثانية« بأن على كل شيء أن يدخل في انتظام في نهاية الأمر، وبأن دوره سيجيء عاجلا أم آجلا، فهو بذلك يعهد لنصه عناية أن يستمر لغاية أن تنصفه العدالة من جديد. بمعنى آخر، نجد أن النص، المبعد عن روسو، سيعمل وحده كأنه آلة. حينئذ يُحدد العمل بأنه »في الوقت عينه، نتيجة وأثر تركتهما عملية متجاورة، عمل يستمر بالحياة بعيدا عن هذه العملية المفترضة وبعيدا عن الذي أجراها، المفترض أيضا«. من هنا، يتم التفكير بهذا العمل، كأنه فوق حياة كما أيضا مكان مصاهرة »بين العفو والآلة، بين القلب والتلقائية«. كتاب »ه .س، من أجل الحياة، يعني...« سمح لجاك دريدا أن يقترب بشكل مختلف أيضا من هذه المصاهرة: نجده يعلن أن عمل هيلين سيكسوس هو هذا اللقاء ما بين »حساب الكتابة الأقوى، (...) أي الاستراتيجية المتيقظة والمتعمدة« وما بين »النفحة الأكثر بداهة للفظة«، ويعني ذلك التقاطع والإنفكاك لليقظة والحلم، للعام والخاص، للمتخيل والواقع، من دون أن يكون بمقدورنا أن نشير بيقين إلى الحد الفاصل ما بين هذه العوالم الأنماط. هذا الحد الذي لا يمكن تحديده، هو بحسب جاك دريدا، في كتابه »AGeneses,genealogies,genres et le geni » أثر عبر الأدب، مثلما تعتقده سيكسوس، لأنها تحرم القارئ »من سلطة أو من حق أن يحسم ما بين الواقع والمتخيل، ما بين المتخيل الذي هو حدث واقعي دائما، مثلما هو »فانتاسما«، وما بين الواقع المذكور الذي يمكن ألا يكون دائما سوى غلة للمتخيل«. من هنا تأتي قراءة هيلين سيكسوس بمثابة مواجهة ذاتية مع إحدى سمات الأدب: » اللابتية ما بين السر وتمظهره وبين ظاهرته الخاصة«. لم تقد تأملات جاك دريدا في قلب النصوص الأدبية، إلى مجال نظرية الأدب فقط، لأننا نجد أحيانا أنه يقترب من بعض الإشكاليات الفلسفية، وذلك بفضل الأدب. هكذا يقترب من »الكذب«. ثمة تقليد فلسفي كامل وجد في »الكذب« كصنيع دولي بغية خداع الآخر، حتى وإن كان يقول الحقيقة. يتعلق الأمر هنا، بالقول أو برغبة في القول، أي يتعلق بصنيع وليس بحدث. من خلال هذا المقترب التقليدي الذي ينسج عليه دريدا، وبخاصة بواسطة القديس أغسطين، نجده يصل إلى نتيجة يظهر من خلالها أنه من المستحيل إثبات أن فلانا كان يكذب حتى وإن كان في وسعنا أن نثبت أنه لم يقل الحقيقة، وبأن تصريحات من مثل »لقد أخطأت، لكنني لم أكن أرغب في جعلكم تخطئون، لتصدقوني« أو مثل »لقد قلت هذا فعلا، لكن لم أكن أقصد هذا، لم يكن في نيتي أن أغش، انه سوء فهم...« تمنعنا من أن نبرهن عن أي شيء يتعلق بالكذب. هذا التأمل الفلسفي حول مقترب الكذب، يستخدمه عبر دراسة للإشكالية عينها في الفضاء الأدبي. إحدى »افتتاحيات« كتاب »اعترافات« جان جاك روسو، تزعم الصدق إذ انها تزعم الالتزام المناجز للحقيقة لا »الحقيقة الموضوعية« مثلما يبرهن عليه كتاب »ورق آلة«، لذلك نجد أن كل علم بيان الاعتراف والاعتذار تعاد مساءلته انطلاقا من هذا التعارض. هذا ما نجده في »حنث باليمين، ربما« وهو تحليل لرواية هنري توماس »حنث باليمين«. في إحدى مقاطع الرواية يجيب شخص صديقه: »هذا صحيح. تصور أنني لم أكن أفكر بذلك. شكرا«، الجواب هذا جاء كرد على المأخذ الذي أعلنه الراوي حين ذكر صديقه بأن الذاكرة قد خانته لأنه قبل سفره للزواج في الولايات المتحدة، كان صرح بأنه لم يتزوج أو تطلق من قبل، ناسيا بذلك زواجه الأول. هذه الجملة، بالنسبة إلى دريدا ليست سوى مناسبة للتنظير حول »الحنث العادي باليمين« الموجود في كل عمل وفي كل سرد. هناك أيضا إشكالية التسامح، التي يدمجها دريدا بتقليد مسيحي وبلاهوثي سياسي، والتي تصبح إحدى المحاور في قراءته لعمل شكسبير »تاجر البندقية«، ويقصد بذلك السؤال التالي: »ماذا تعني ترجمة »كاشفة«؟ لقد وقع اليهودي شيلوك الذي كان يقول عن نفسه انه غريب عن هذا التقليد أسير آلة »تهدي« عليها أن تبدله من خارجانية الحرف إلى الداخلانية والروحانية، من ختان اللحم إلى ختان القلب البولسي (نسبة إلى بولس الرسول).هل شغف دريدا حقا بالأدب؟ منذ نصوصه الأولى وحتى الأخيرة، لم يفعل سوى ذلك. (*) تعتمد هذه المقالة على الملف الذي أفردته »الماغازين ليتيرير« حول جاك دريدا في أحد أعدادها الأخيرة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة