As Safir Logo
المصدر:

صدر كتابه »بولينغ في بغداد« بالفرنسية نصري الصايغ: أروي الحدث بانفعال مشهدي

الصايغ للغة وظيفة (مصطفى جمال الدين
المؤلف: حبش اسكندر التاريخ: 2004-10-12 رقم العدد:9920

عن منشورات »فايار« باريس صدرت حديثاً الترجمة الفرنسية لكتاب نصري الصايغ »بولينغ في بغداد« الصادر العام الماضي عن منشورات رياض الريس، وفيه يروي الكاتب عبر 7 أحلام سيرة التقاء أطفال العراق وفلسطين والولايات المتحدة، بلغة لا تخفي ميلها إلى الشعرية، كما إلى الانفعالية، وبخاصة أنه كتبه في ظل الحرب على العراق. حول الكتاب والترجمة كان هذا الحوار. ÷ سأبدأ من نقطة أجدها محيرة بعض الشيء: في الطبعة العربية للكتاب، ما من تعيين لنوع الكتاب، في حين نجد أن الترجمة الفرنسية حملت كلمة رواية؟ كيف تحدّد كتابك هذا، وإنْ كنت شخصياً أميل إلى القول إنه يمتلك بعض عناصر »رسالة هجاء« كما بعض عناصر المقالة الأدبية، وبخاصة في الجزء الثاني منه؟ { لا أعرف إلى أي نمط من الأنماط المعروفة يمكن أن ينسب هذا الكتاب، وقد أثار خلافاً في التصنيف إبان معرض الكتاب العربي في بيروت. لكن من الممكن أن نحكم عليه في قسمه الأول، المؤلف من 7 أحلام عراقية، يرويها أطفال عراقيون لأطفال أميركيين، لأن القسم الثاني يشكل إطارا سياسيا أدبيا لما جاء في القسم الأول. بنية الأحلام بنية روائية، تقصدت فيها أن أنقل المشهد الإنساني في السياسة على مسرح الأحداث العراقية والفلسطينية، لأن الكلام السائر اليوم كلام تجريدي في السياسة، إنه تصريحات وأرقام وعدد القتلى والجرحى والمنشآت المدمّرة والبيانات الرسمية وبيانات الاستنكار وعمليات الاغتيال والسيارات المفخخة. هذا الكم الهائل يُخفي عن عمد أو غير عمد شريط المأساة الواسع للشعب العراقي وللشعب الفلسطيني. حتى الصورة التلفزيونية حين تنقل مشهد الحدث المأسوي الدامي فإنها تمحوها صورة أخرى ربما تكون أشد شراسة. لذلك اعتبر علماء السوسيولوجيا هذه الصور تسطيحاً للمأساة. ثمة سؤال لا بد أن يُطرح، ما دور اللغة هنا؟ تلعب اللغة دوراً لا تلعبه الصورة على الإطلاق باستثناء الأفلام الوثائقية. دخلت هذا العالم السياسي محاولاً إيقاظ الإنساني في المعاناة والمشهد والإحساس، كل ما كتبته في الكتاب يعود إلى وثائق، لكنني لم أنسخ الوثيقة بل أعدت صوغها بأسلوب أستنفد فيه الأحاسيس، أستفز المشاعر محاولاً بذلك إعادة صوغ المشهد الواقعي بالكتابة الشعرية. الحرب المدمّرة ÷ لماذا سمّي الكتاب في فرنسا رواية؟ { بعد مشاورات بيني وبين دار النشر حدثت قناعة مشتركة بأن هذا الكتاب إذا حذفت منه بعض العناصر التسجيلية يمكن أن يندرج في باب الرواية المختلفة، ويبدو أن الأوروبيين يحبون الشيء المختلف القادم من العالم الثالث. ÷ ألا تخشى أن يقع الكتاب في مفهوم الاكزوتيكية عندما تتحدث عن الشيء المختلف بالنسبة إلى الأوروبيين؟ { الكتابة هي المختلفة ولذلك عندما سئلت في لقاء صحافي في باريس عن البطل في الرواية، وعن الشخصية الرئيسية والثانوية، كان الجواب مزدوجاً: أولا أنطلق من نقطة إنه أول شيء منهجي يحدث في الحروب هو التدمير، الفعل الأساسي للحرب من الفكر الصيني إلى كلاسفتس وبيار هاسنر، يؤكد أن الطبيعة الأولى للحرب هي التدمير، ولكن قلة تحدثت عن قدرة الحرب في تدمير بنية الإنسان وبنية النص والآفاق التي يمكن أن تتخذها الكتابة في التعبير عن ذلك. الحرب كانت ملاصقة لجميع أنواع الفنون والآداب والموسيقى والمسرح. تذكر هوميروس، الفكر اليوناني، الروماني، العصور الوسطى كلها، بإمكاننا أن نقول إن الانتاج الأدبي والفني هو وليد الحروب. السينما اليوم لا تشذ عن ذلك. ماذا فعل الأدباء؟ استدرجوا الحرب إلى جعلها بناء في شخصية مركزية أو مجموعة شخصيات. انتظمت الحرب هكذا في البناء الكلاسيكي للرواية. ما قمتُ به، إلغاء هذه الظاهرة وفلش الحرب كما هي بتأثيراتها التدميرية على الناس. لنأخذ كافكا على سبيل المثال، كما في روايته »التحوّل«. أين هو البطل؟ إنه الصرصور، ولكن نجاح هذه الرواية أدبيا جعلها سندا من أسانيد الأدب المعاصر. أنا لا أدّعي أنني نجحت مثل كافكا لأنني كتبت الكتاب تحت وهج الحرب وانفعالاتها وآثارها... من هنا لا تدمّر الحرب الانسان والبنى التحتية والجسور فقط، بل تدمّر اللغة وبنية النص. ما الدادائية؟ أليست هي نتاج تدمير الحرب؟ لذلك جاء نصي في الكتاب متقطعا أحيانا، وأحيانا فوضويا، وأحيانا مشاعيا فالتا. أداة الجمع كانت اللغة الشعرية. تزويج الفوضى ÷ ولكنك كتبت بلغة شعرية، أقصد ببنية لم يصبها أي دمار؟ { لا تستطيع أن تقول جملة مفيدة ونصاً معبراً من دون بنية ما، بنية الجملة الفعلية أو الخبرية، الخ... أنت بحاجة إلى بنية. ما حاولته في هذا الكتاب هو تزويج الفوضى التي أنشأتها الحرب على المستوى الانساني والانفعالي والشعوري من تمزيق وتدمير مع بنية لا تملك متانة النثر الكلاسيكي. بنية النص الشعري بنية هشة، لا بدّ منها لإيجاد هذه العلاقة الواهية التي جعلت النص متماسكاً بطريقة ما. هناك أمر آخر، استفدت منه، وهو أن تروي الحدث والانفعال بطريقة مشهدية بحيث أن الكثيرين قالوا إن هذا الكتاب يصلح للرسم والسينما أكثر منه للقراءة. ÷ تحدثت عن البنية الهشة، ولكنك تقع أحياناً في الانفعال، هل لعب هذا الانفعال دوراً إضافياً في الإمساك ببنية النص؟ { عندما كتبت الحلم الرابع حيث حضر أطفال أميركا وأطفال العراق إلى فلسطين لم أستطع أن أكتم بكائي. وعند صدور الكتاب قرأت هذا الفصل مرة أخرى، استطعت أن أصدّ بكائي ولكن كان يقشعرّ بدني، ومع ذلك أقول إن درجة هذا الانفعال الذي أودى بي إلى رتبة البكاء، هو أقل بكثير من رتبة الهذيان الانفعالي التي تصاب به الأم أو العجوز أو الفتاة الفلسطينية بهستيريا الانفعال. لا يمكن نقل ذلك بلغة محايدة، تجب استثارة طاقة اللغة بكاملها، بكامل مخزونها الذاتي والشعوري والانفعالي لبلوغ مرتبة التعبير الضئيل عنها. كنت أتمنّى أن يكون للغة العربية أصوات كالصراخ وحروف تمتدّ أكثر من النداء والتفجّع لكي يأتي التعبير اللغوي اللفظي المصاحب للتعبير الصوتي في درجة أعلى من درجة الكتابة. هنا أجد أن مسرحة مشاهد من الكتاب، مثلما فعل ناجي صوراتي في »تجزؤات« أعطى دليلاً على أن الصوت والصراخ في الأداء المسرحي الذي قام به الممثلون، رفع النص إلى مستوى التعبير العالي عن الوحشية والبربرية والألم. ÷ نصك مليء بالإحالات الثقافية للتراث العربي، ربما يشكل هذا لغزاً غير مفهوم للغرب، كما أن بعض الإحالات للثقافة الغربية والتراث الغربي، الفني والثقافي والسينمائي، يشكل لغزاً لعدد من القراء العرب؟ { تشكّل الإحالتان مشكلة في الكتاب، ولا أظن أن لهذا حلاً. لكنني تعمّدت ابان الكتابة بخاصة في الحلم الثاني الذي يحضر فيه أطفال أميركا إلى العراق، أن أجعل هؤلاء الأطفال يزورون عراق التاريخ والشعر والثقافة والأدب والحقوق والآثار. كان هذا الفصل غنياً لا بل مسرفاً في إبراز حمورابي وأبي نواس وهارون الرشيد والشعر الصوفي والخمريات وحركة الحداثة والتقاء الديانات بمعناها العميق الإبداعي وليس بتواجدها اللصقي لإظهار ان العراق ليس بئر نفط وليس بلادا موبوءة، وانها اذا كانت مريضة بحكامها فلأن هؤلاء كانوا يرضعون السلطة من القوى الغربية. ÷ تحدثت عن السينما وتهدي الكتاب إلى مايكل مور. كم لعبت أفلامه الوثائقية في خلفية هذا الكتاب؟ هذا إذا أضفنا أن العنوان مستوحى بدوره من عناوين أحد أفلامه. { تعرّفت إلى مايكل مور منذ عامين ونصف في باريس وحضرت فيلمه الوثائقي العميق »بولينغ فور كولومباين«. وجدت أن الآلية التي عمل بها آلية العين الرائية والكاميرا الحشرية حيث ذهب في موضوعه الوثائقي إلى عمق ولبّ أسباب الخوف والعنف في الولايات المتحدة. قلت لماذا لا يتحوّل فيلمي إلى كاميرا بدلاً من أن ينقل باللغة العادية النثرية حقائق الواقع العيني بالمعيار الموضوعي؟ هذه الوسيلة جعلتني أقرأ العراق وفلسطين ونيويورك بعد سقوط برجيها بعين القلم الرائي وليس بعين القلم الكاتب. إضافة إلى أنني في كتابتي ملتزم بتطرّف وإلى الحدود القصوى من الالتزام، وقد كان هو في فيلمه ذاك ملتزماً أكثر منّي؛ لأن الفيلم لم يكشف فقط أسباب الخوف والعنف في أميركا بل ذهب إلى علاجه بنفسه متسلّحاً بالكاميرا. لذلك جاء الكتاب بعنوانه »بولينغ في بغداد« مهدى الى مايكل مور (فيلمه هذا أعمق وأفضل من فيلمه الذي حاز عليه جائزة كان »فهرنهايت 9/11«. ÷ كيف تقرأ الآن كتابك بالفرنسية؟ { لم أكن أتصور أنه سيكون غريباً عني إلى هذه الدرجة، رأيته ينتمي إلى مؤلف آخر سواي، أحسست أن للمترجمة ضياء سابا جزار حصة كبيرة أكثر من حصتي في تأليف الكتاب. السبب أن اللغة العربية هي صوتي وانفعالي وجسدي وغضبي وكل وجودي، حتى أنني أحلم أحلامي باللغة العربية الفصحى. عندما قرأته بالفرنسية شعرت بأن هذه اللغة هي لباس مؤقت، زي عابر. قد أحتاج إلى قراءات كثيرة حتى أقتنع أن هذا النص هو أنا. سألت عن هذه الحالة عدداً من الشعراء فقالوا أحياناً يشعرون بهذه الغربة، أما كتّاب البحث والمقالة والفكر فإنهم لا يشعرون بذلك. حداثة هجينة ÷ تقول في كتابك »من يكتشف لنا لغة أخرى/ من يجهش لنا مفردات جديدة/ من يعطينا موهبة الجملة التي لم تكتب بعد؟«. هل اكتشفت لغة جديدة وأنت تكتب هذا الكتاب؟ { لامست موضوع الكتابة بلغة جديدة. أما اللغة الجديدة فلا يمكن أن تحصل إلا بتغيير كبير وتبدل جذري في بنية المجتمع العربي ذلك أن اللغة ليست مفردات وجملاً وبنية فقط، بل هي مضامين تستطيع أن تحملها اللغة فتصبح جديدة. ولأتفلسف أكثر، قيل سابقاً إن علينا كسر بنية اللغة وتحطيم أطرها لبناء الجديد، ولكن تبين لنا في ما بعد أن تكسير أطر اللغة لم يأت من اللغة ذاتها بل من المضامين الجديدة التي أنشأها الفكر والثقافة والمجتمع. لغتنا حالياً على مستوى الأداء الإبداعي غير الشعر تكرارية، وسببها ليس الكاتب ولا الكتابة بل الواقع الذي تتعامل اللغة معه. ما الجديد في واقعنا؟ أين الحداثة في مجتمعنا؟ وهي حداثة يمكن أن يُطلَق عليها ذات يوم أنها حداثة هجينة. لا أدعي أنني أسست لغة جديدة، أنا أقلّ من ذلك بكثير، انما فتحت نافذة صغيرة عبر دعوة اللغة والنص لأن يكونا رائيين وذوي نبض يحاول أن يوظف العتمة العربية في اضاءة شمعة عمياء. ÷ ولكن اللغة ليست حيادية، نصّك غير حيادي؟ { قد تكون بنية النص حيادية ولكن الكاتب لا يمكن أن يكون حياديا. حتى عندما يستعمل برودة اللغة وحياديتها المطلقة وتوصيفها للأشياء بدقة موضوعية فإنه يقود النص بكامل خيوطه وتشعّباته باتجاه قذف كل المشكلة بوجهك كي تفاجئك، كي تغضبك، كي تحزنك. بمعنى آخر وظيفة اللغة هنا هي أن تذهب بهدوء إلى إشعال المحرقة التي تلهبك. مثل أنطونيو تابوكي في كتابه »بيريرا يدّعي« الذي يقود النص بحياد وبرودة وأناقة نظيفة، حيث لا استعارات ولا تشابيه ولا انفعالات ولا حرارة، وفجأة يندفع المشهد بكامل عناصره بكامل برودته لينفجر أمام القارئ كالصاعق. هذه الكتابة الحيادية حتى من حيث توليفها، هي باردة ولكنها بكامل عناصرها تقود إلى لحظات الانفجار. كتابتي انفعالية، حرارة الموضوع، المشاهد، البؤس، تراكم المأساة، السنوات الطويلة من العذاب، انتظار الفاجعة القادمة جعلت خياري أن تكون اللغة فائقة الحساسية متوترة، انفعالية وذاتية جداً.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة