As Safir Logo
المصدر:

أميتاف غوش في »المدّ الشّره«: الأرض البدائية أقوى من الإنسان

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 2004-10-04 رقم العدد:9913

إذا شكّل الأدب الهندي المكتوب باللغة الإنكليزية نوعاً مستقلاً بحدّ ذاته، فإن أميتاف غوش، هو من دون شك، ممثّله الأكثر تبحراً. اهتماماته ثقافية بشكل رفيع، أكان ذلك يتعلّق بوصف التطور الخفي الذي يكتسب الناس من خلاله القدرة على التأثير في محيطهم اكتشاف علاج ضد الملاريا، كما في كتاب »كروموزوم كالكوتا« (1998)، أو بإلقاء الضوء من جديد على قصص منسية كما في »قصر المرايا« (2002)، أو في سرد أثر ماضٍ خفيٍّ في المشهد المعاصر كما في »خائن في مصر« (1994). يبدو غوش، عبر العلاقات التي نسجها ما بين عناصر متباينة ظاهرياً، وكأنه من أتباع فرضية »غايا« التي تعتبر الأرض من خلالها جسماً حياً مستقلاً بذاته وخليّة تحفظ الشروط الضرورية لبقائها حية. كلما ازداد تقدم الأرض نحو تعقيد أكبر، يلعب الإنسان دوراً هاماً مثله مثل الأسماك والمحيطات والغابات والذاكرة والأرواح والمعارف الخفية. يخلق غوش في روايته الأخيرة غير العادية »المدّ الشّره«، بيئة دائمة للحبّ. إلا أن الانفعالات الفردية لا تهمه، زد على ذلك أن الشخصية الرئيسة في كتابه ليست إنساناً، وإنما المدّ. لقد موضع أميتاف غوش روايته في »الساندرا بانز« (أوسع غابة مانغروف في العالم، تقع ما بين الهند وبنغلادش على ضفة خليج البنغال)، هي بلاد المد والجزر، بلاد »مخلوقة من القمر«، تتغير فيها حياة الإنسان تحت رحمة المدّ (جوار) والجزر (بهاتا). إن المدّ عند غوش، هو مدّ مثقل بالتاريخ والانفعالات وإعادة الاكتشافات وفيض من الحب القديم يغمر تقاليد العالم الإنساني. تكشف رواية »المد الشره« أسرار سلوك الإنسان عبر تيارات الهواء والماء والتاريخ التي تحيط بها. يعتبر غوش مسافراً في الطبيعة وما وراءها وكاتباً ذا معرفة واسعة وذكاء هائل. يقسم الكتاب إلى جزءين: جوار وبهاتا. نجد في القسم الأول، حيث تتلاقى جميع الشخصيات في لوزيباري، (إحدى جزر الساندار دانز)، ب»بيا روي«، عالمة أحياء، هندية الجسد لكن أميركية العقلية، وقد أتت لتعد دراسة عن »الأوركايللا بريفيروسترس«، وهو دلفين منطقة إيراوادي، كذلك نجد »كاناي دوت«، مدير وكالة ترجمة في نيودلهي، أتى لزيارة خالته نيليما، عاملة اجتماعية ملتزمة، توفي زوجها الثوري الفاشل نيرمال منذ سنوات قليلة. هناك أيضاً »فوكير« الصياد الفظّ الهارب من الحضارة ومن زوجته »موينا« التي تحلم بالارتقاء الاجتماعي ومن والدته »كوزوم« ذات الإرادة الصلبة. كلما عبرت الكائنات البشرية سيراً على الأقدام أو على متن السفينة »موهوناش شبكة المياه التي تحيط بالجزر وكلما انكشفت حيواتهم وبرز ماضيهم، نشعر بأن التهديد قد اقترب. من الجانب الآخر لحياتهم ومن الجانب الآخر للأفكار التي تلقوها عن اللغة ومن الجانب الآخر لمصطلحات خطاب الغرام ومن الجانب الآخر للمسلّمات العلمية عن الدلافين، فإن »الجوار« يترقّب. في القسم الثاني، الذي يودي إلى الحل النهائي، تبتلع الأمواج المفاهيم التقليدية للحب وتزيل العقبات الهشّة في النظام القائم. تتعلّم »بيا« أن تحب متجاوزة الكلمات ويفقد المترجم ومهرب الثقافات »كاناي« كامل ضمانه كحضري عند مواجهته لنمرّ في مكان موحل ويقع الصياد الجاهل »فوكير« في حب امرأة تعتبر مجسّدة للعلم. فيحمل إعصار مروّع الموت ويضع حداً لحب غني بالاحتمالات. يمزج غوش ببراعة أفكاره عن اللغة وإمكانية الترجمة ومذبحة جزيرة ماريشجهابي المنسية (أطلقت الشرطة الهندية عام 1978 النار على لاجئين بنغال لطردهم) بتفاعلات الشخصيات. غير أنه إذا كان من الممكن انتقاد »المدّ الشّره« فذلك للإسراف في التفاصيل حول سلوك الدلافين والإشارات الإراثية والتصنيفية، مما يهدّد بالقضاء على الغاية الفلسفية. بيد أن نية غوش تبقى واضحة من أول الرواية حتى نهايتها، فليس المقصود وصف جمال »بلاد المدّ والجزر« المأساوي فحسب، إنما إظهار مدى ضعف المشروع الإنساني مقارنة مع قوة الأرض البدائية والإشارة إلى أنه في حياة كل شخص لطالما كان المد متبوعاً بالجزر. في هذا الصدد يُعتبر »المدّ الشّره« كتاباً مصمّماً بمهارة. ترجمة: ملاك رزق

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة