As Safir Logo
المصدر:

المختصر في الفرق بين الوثيقة وجواز السفر

في مخيم شاتيلا (وائل اللادقي
المؤلف: ابو هواش سامر التاريخ: 2004-09-29 رقم العدد:9909

لا ينبغي أن تخطئ في ذلك. اسمه »وثيقة السفر«، لا جواز السفر. وإن أخطأت عن جهل أو سوء تقدير فإن أحدهم سيصحّح لك فورا »تقصد وثيقة سفر«. لأنك تحسب خطأ أن عبورك المطارات بواسطته يعني ببساطة انه جواز سفر، أي أنه يجيز لك التنقّل من بلد إلى بلد. لكن هذا الواقع العملي شيء، والمبدأ شيء آخر تماماً. فمن حيث المبدأ أنت لاجئ، واللاجئون مثلما تعرف لهم وضع خاص. إنهم يسافرون بالتأكيد، وهذه واحدة من سماتهم لكنهم لا يسافرون كمسافرين، بل كلاجئين، لأنهم أصلاً لا يقيمون كمقيمين، بل كلاجئين، وهذا هو الفرق الجوهري، المبدئي، ولأن المبادئ الجوهرية لم توضع عبثاً، لأن جواز السفر يمنح عادة للمقيمين، لأهل البلد، للمواطنين، لا للذين يعيشون على أرض هذا البلد أو ذاك بصورة »موقتة«، من حيث المبدأ، ويسمّون، قانوناً، لاجئين. *** إنه كبير الحجم. أكبر من أي جواز (وثيقة..) سفر. وكأنه أريد بحجمه هذا أن يكون علامة تميزه عن جواز السفر العادي. هكذا لا يسبّب أي التباس أو إرباك، فما إن يقع نظر الناظر عليه حتى يدرك ماهيته، وماهية حامله. ثم إن حامله نفسه يتمكّن بمجرد النظر إليه من معرفة وضعه في العالم، إذ يكفيه النظر إليه، كما إلى بطاقة الهوية (الزرقاء) ليدرك »ما« هو، وما هي صفته، فلا يتوهّم للحظة أنه »مواطن« في هذا البلد أو ذاك. هذه الوثيقة البنية التي وضع في وسطها أرزة، هي الدمغة، الحرف القرمزي، الذي يحمله معه اللاجئ أينما كان. هكذا، ببساطة يعرف نفسه، ويعرفه الآخرون، مع ما يترتّب على ذلك من تصاريف واحوال. *** ثم يأتي من يسألك: »من أين أنت؟«. توفيراً لأي إرباك أو سوء فهم، بت تجيب بشكل قاطع ومباشر: »فلسطين«. فيسألك الآخر »من أين من فلسطين؟«، تجيبه »حيفا«. فيسألك إذا ما كنت آتياً من هناك، وعندها تشرح له انك آت من لبنان مثلاً، وانك بحياتك لم تر حيفا. »آه« يقول لك »يعني مش فلسطين فلسطين«، »لا« تجيبه »فلسطين لبنان«، وتشعر بغرابة هذا التحديد وأنت تلفظه، لكن الآخر يفهم عليك فوراً، »يسمح لكم بالسفر؟«، تهز رأسك غير فاهم السؤال »عادي يعني...« يستطرد، فتجيبه »أجل عادي«، يعني معك جواز سفر؟«، »اجل«.. يجيب: »تقصد وثيقة؟«.. أجل... وثيقة... اسمها وثيقة.. ارتحت... ينبغي أن تكون واضحاً في مثل هذه الأشياء المعقّدة. الوثيقة وثيقة، وجواز السفر جواز سفر. اللاجئ لاجئ، والمواطن مواطن. لا مجال للخلط بين الاثنين، لأنه عندها سيكون خلطاً يمسّ التاريخ بقدر ما يمس الجغرافيا، بقدر ما يمس الجوهر العرقي، والتكوين العصبي، للشعوب. ألم تسمعهم وهم يقولون لك: »مش مبيّن عليك« حين تقول لهم إنك فلسطيني. »مش مبين عليك« يقولون لك، وتدرك أن ثمة ما ينبغي أن يبان عليك، سواء في ملامحك، أو سلوكك، أو لسانك، ينبغي أن يكون هناك ما يدلّ عليك. وإذا أخطأت مثلاً وقلت إنك لم تنشأ في المخيم، تكون من دون أن تقصد قدّمت المبرّر الكافي نسبياً لشكلك ولسانك المختلفين، لكن عندها يكون عليك أن تشرح كيف ولماذا لم تنشأ في مخيم. أي كيف، بحق الله، »مش مبيّن عليك«. *** »من أين أنت؟«، سؤال ليس بالسهولة التي يبدو عليها. إنه سؤال الهوية في نهاية الأمر. سائق التاكسي الباكستاني وجّه إليّ هذا السؤال، حين عرف أنني آت من لبنان: »من أين من لبنان؟«، أجبته اختصاراً: »من الجنوب«. لكنه لم يكن كافياً بالنسبة إليه: »من أين من الجنوب؟«. هذا الرجل لم يسبق له أن زار لبنان، ولا يعرف الجنوب ومدنه وقراه، لكنه يريد أن يعرف بالتحديد من أي بقعة من الجنوب أنا، ولا يقصد بذلك معرفة اسم مدينة محددة، بقدر ما يريد أن يستخلص من إجابتي ما يمكن أن يحدّد له هويتي الطائفية. لذا حين أجبته »من صيدا« لم يشكّل ذلك أي فارق بالنسبة إليه، فصمت قليلاً، ثم رمى سؤاله مباشرة: »أنت شيعي؟«. أجبته »لا، لست شيعيا«. هذه مرحلة أولى من حوار أخرق يدور عادة لثوان قليلة، لكن كونه يدور بهدوء وبشكل عابر ولامبال في سيارة أجرة، في مدينة غريبة، لا يجعله مختلفاً عن »الحوارات« التي تشعل عادة الحروب وتمهّد الطريق للإبادات الجماعية والمجازر. قال الرجل مستدركاً: »شيعي.. سني.. مش مهم.. المهم مسلم«. لكن من قال لك إنني مسلم أصلاً؟ ومن قال لك إن هذا الجنوب الذي لم تره مرة في حياتك، كله إسلام؟ يريد الرجل أن يطمئن، بعد الخسارة الأولى، إلى أنني مسلم، وهذا بالنسبة إليه أهون الشرّين. »لكنني لست من الجنوب أصلا« استدركت بدوري، »أنا فلسطيني«.. »آه... أحمد ياسين« قال. »لا.. لا«.. »أبو عمار«.. »لا..لا..«. »من أين أنت من فلسطين؟«. »... شكراً وصلت..«. يستنتج المرء أن أفضل طريقة لإنهاء مثل هذه الحوارات هي ألا يخوض فيها أصلاً. ويستنتج أيضاً أن الهوية ليست شيئاً يسهل التخلص منه، أو التحايل عليه، إذ هناك دائماً طريقة ما تتسرب من خلاله إليك... يمكنك بالطبع أن تتمرّد على ذلك كله بالقول إنك لست من أي مكان، لكن هذا النوع من الحرية الممنوحة ذاتياً، لا يعفيك من فكرة أنك حين تكون »من لامكان« فأنت تنتسب حكماً إلى مكان ما، هو مكان الذين ليسوا من مكان محدد. وهذه حالة مثالية بالنسبة إلى اللاجئ، إذ إن حالة »اللامكان« تأتي معه، ولا يحتاج إلى التصريح بها، أو بما يخالفها، لكنها ليست امتيازاً أيضاً، خصوصاً أنها لا تبنى على خيار فردي، بقدر ما تنتسب إلى وضع جماعي، يتجاوز أي زعم أو ادعاء فردي. *** غريب وضع اللاجئ، الفلسطيني تحديداً. هناك حديث دائم عنه، لكن في الوقت نفسه ليس هناك أي حديث عنه. غريب حقاً. إذا أصبت بالزكام فإن جميع من حولك سيتعاطف معك، ويتدفق عليك بالنصائح والوصفات وأسماء العقاقير، أما وضع »اللجوء« فلم يعد يدعو إلى أي تعاطف، ربما لأنه أصبح زكاماً مستمراً ويومياً، أي صار حالة مستعصية وميؤوسا منها، وبالتالي لن يأتي من يقول لك: »عندي وصفة ممتازة لهذا الزكام المستمر معك منذ العام 1948«. لكن غياب الوصفة، كما في حالة »الأيدز« لا ينفي المرض، بقدر ما هو عارض أساسي من عوارضه. لكن في الوقت الذي يفترض أن تعبّر فيه »الوثيقة« عن الموقت والعابر، أي الزكام، نجدها معنوياً ونفسياً على الأقل تعبر عن الدائم والنهائي، أي »الأيدز«. فتصبح هذه الوثيقة »بطاقة هوية« بدلاً من أن تكون مجرد بطاقة مرور قانونية. وتخرج من مجرد الإطار العام (حط راسك بين الروس)، إلى المعاناة الفردية... والمشكلة الكبرى هنا أنه إذا كان يحق لأي كان أن يرفض جواز سفره ويتخلى عنه، أو عن جنسيته، لأسباب تتراوح بين السياسية والوجودية والنفسية والنفعية، فإنه لا يحق للفلسطيني أن يتخلّى عن »وثيقته«، إلا في حالة واحدة وهي أن يكتسب جنسية بلد آخر... وعندها فقط يستطيع أن يزعم فردية ما، وانتماء إلى شيء، أو هوية، أوسع من الوطن. أما بالنسبة إلى الفلسطيني، فالتخلي عن »الوثيقة« هو عملياً إنهاء وجود في العالم بأسره... وهي ليست الفردية التي قد يرغب فيها أي كان. *** لم تستطع زوجتي ضم طفليّ إلى جواز سفرها كما يمكن أن تفعل أي أم لبنانية، وكان عليها كي تتمكن من اصطحابهما معها أن تستخرج لكل منهما »وثيقة سفر«. قد يبدو الأمر شكلياً، لكنه ليس كذلك. ففي الوقت الذي ترى فيه زوجتي طفليها كطفلين أولاً، ثم كولديها، فإن الجهات الرسمية، تراهما ك»لاجئين«. لأن أولاد اللاجئ ينبغي أن يكونوا لاجئين، ولا ينبغي كما ذكرنا أن يكون هناك أي التباس في هذا الشأن، ولا علاقة للسن بالأمر.. طفلانا لاجئان منذ اللحظة التي حبلت بهما أمهما، وفي الوقت الذي كانا ينموان فيه داخل رحم أمهما كانا ينموان كلاجئين. وحين مدّت الطبيبة يدها كي تساعد زوجتي على إخراجهما، كانت عملياً تخرج لاجئين: »مبروك جالك لاجئ« كان يفترض أن يقال في هذه الحالة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة