تُظهر الصورُ الجويَّة، والخرائط، والتحقيقات الميدانية، مدينة المكلاَّ مجَّزأة إلى أربعة أقسام. القسم الأول، وهو النتوء الظاهر في البحر،حيث تقوم المدينة القديمة أي »البلاد« أو (حي الشهيد، وحي الصيادين). والقسم الثاني، وهو الشريط الضيق الممتد من المرفأ القديم حتى السيل أي منطقة السَّدة (حي السلام). والقسم الثالث، الممتد من مصب السيل متسلقا الكثبان الرملية في الغرب، أي (حي العمال بشرقه وبغربه). والقسم الرابع، الذي يحاذي مصب السيل، ويمتد فوق الهضاب شمالا، وهو (حي أوكتوبر بمركزه، وبأطرافه). ويبدو كل قسم، وكأنه يشكل نسيجا مدينيا بذاته. لذا سنتوقف عند كل قسم، لفهم الطابع المديني الخاص به. وربما وجدنا في الأقسام الأحياء، نماذج سكنية تميِّزها، فتظهر الخاصيات المعمارية أولا، وبعض مظاهر استعمالات المجالات وطرق العيش، ثانيا. صورة المدينة ÷ (فحيُّ الشهيد)، أو »البلاد« هو، أقدم نسيج مبني في المدينة. وهو بتعرجاته وبمفاجآته، أشبه بالمتاهة. كل معلم في هذه المتاهة الحلوة، هو مشهديٌّ، مرئي. فالمعلم يمكنه أن يكون مبنىً مسكنا، أو زقاقا، أو شارعا. والبحر بذاته، هو معلم رائع، حين يفاجئك في أطراف الأزقة المتعرجة. تختلف المعالم، إلا أنها تتكامل بشكل مدهش،مع الطابع المعماري العام الحاضر بقوة، وبثراء فريد، من التناسق، والتناغم، والتفاصيل، والألوان، والضوء. وترسمُ مقبرة يعقوب، الحدود الأولى للحي، المؤلف من جزء علويٍّ محصور بين المحور الرئيس والبحر. تخف وطأة المتاهة في هذا الجزء، وتصبح الشوارع أكثر عرضا. فيسمح النسيج المبني، بدخول الشمس إلى البيوت. ويبدو النسيج في هذه الضاحية القديمة المسمَّاة »حفَّة الصومالي«، أكثر تنظيما، ويظهر البحر، في آخر الأزقة المعتدلة الإلتواء. وتبدو الشوارع، ملاعب للأطفال صبيانا وبناتا، دون أي تمييز. أما الصبايا البالغات، المارات في الشارع، فإنهن في خمارهنَّ الأسود، تطلين بالظلال المعتمة، جدران البيوت البيضاء. مساجد »البلاد« هي مساجد البحر. تبدو مياهه، وكأنها تشارك في الصلاة. المساجد بيضاء وزرقاء بلون الضوء والبحر. تتيح لها أشكالها البسيطة، الإندماج الرائع في مواقعها وفي النسيج المديني بعامة، فتساهم بوضوح في كتابة عمارة المكان. وخلافا لما ألفناه في المدن الإسلامية، فإننا لا نجد المساجد هنا في مركز النسيج المديني. فهي تفاجئك بعد التفاف بسيط، أو مع انفجار الضوء، في طرف الطريق. بنيت معظم »المباني المساكن« في هذا الحي القديم، في مطلع القرن الماضي. الأسلوب الإنشائي تقليدي، جدران حاملة من الحجر الصخري الظاهر، مسلَّحة بشبكة من العوارض الخشبية. اهتمام خاص بالزخرف يطبع المباني المساكن، خاصة في أبوابها وشبابيكها، والسور العالي الذي يزَّنر سطوحها. المباني هنا علامات فارقة، والتكامل ليس في اشكالها فقط، بل بدورها الإجتماعي. فالوظيفة الإجتماعية للمبنى المسكن النموذجي، وهو من ثلاثة طوابق، يمكن قراءتها من الخارج. فالطابق الأول هو مخصص للزوَّار، إذ لهم فيه ديوانان، واحد للرجال والثاني للنساء، وغرفه تُعار إلى الجيران الأقرباء، في المناسبات. وفي الطابق الثاني يعيش كبار السن في العائلة، وبعض الغرف فيه تقوم بوظائف متعددة. أما الطابق الثالث وهو الأهم، فهو مخصص لرب العائلة، حيث يعيش مع زوجته. في الطابق ركن مخصصٌ للزوجة، وفيه غرفة مخصصة للأولاد. إن هذا التوزيع التقليدي للوظائف داخل المبنى المسكن، يبدو وكأنه أكثرُ من تلبيةٍ لعادات إجتماعية موروثة، إنه محدِّدٌ هامٌّ، لإعادة إنتاجها. ÷ والنسيج المبني في (حي الصيادين)، يجعل منه أكثر أحياء المكلا شبها بالنسيج المبني النموذجي في المدن الإسلامية. ربما شعرنا بذلك، لأن المدينة في هذا الحي تأخذ معناها من المسجد. فالمسجد شبه مركزي، وحياة الحي، منظمة حوله. وخلافا لما هو قائم في »البلاد«، (حي الشهيد)، يبدو السوق وثيق الارتباط بالمسجد. الطابع المعماري أقل غنى هنا، والضوء أقل لمعانا، إلا أن الحي أكثر حياة. وتبدو نساء الحي وهن ذاهبات إلى سوقهن، أكثر حرية، في استعمالهن للمدينة. وطابع المتاهة، في النسيج المبني أقل حضورا، والعلامة الفارقة ليست بالضرورة مرئية، فهي رمزية، إجتماعية. والوحدة المعمارية في النسيج المبني، تؤكِّد هذه الرؤية. ففي »البلاد«، تبدو بعض المباني المساكن بطابعها المشهدي المميَّز، أكثر غنى بالتفاصيل، وهي بالتأكيد العلامات الفارقة هناك. أما هنا في (حي الصيادين)، فالمعلم إجتماعي بامتياز. ففي هذا الحي يعيش الناس بجانب دكان »أبي علي«، أو بجانب دكان »أبي أحمد«...، والناس هنا ينتمون إلى الحي، قبل إنتمائهم إلى شريحة إجتماعية، والحي وحدة، هي في أصلها التاريخي، امتداد لتشكُّل الأمة. المبنى المسكن النموذجي في (حي الصيادين)، هو مبنى تقليدي من أربعة طوابق، يقع عند شارع المكَّلا الرئيس. إنه مبنيٌّ من الحجر الصخري، مكسوٌّ بالطين الكلسي، بني في العشرينات من القرن العشرين. المبنى عال، ممشوق، نقرأ استعمالاته في واجهاته، إذ نلحظ في كل طابق غرفة واحدة. واجهة المبنى المسكن، من العمارة الصافية، نظرا لبساطتها، وتكرار نوافذها، وتجانسها، بألوانها البيضاء والزرقاء. يقع المدخل في الجهة الجانبية، بعيدا عن روعة التفاصيل المعمارية المنتشرة في الحي. جسر يربط المبنى المسكن بالمبنى المجاور، تحجبه المشربية الخشبية. وخلافا لما هو عليه في »البلاد« (حي الشهيد)، المبنى المسكن في (حي الصيادين) مغلق إجتماعيا، والفصل بين الطابق الأول والطوابق العلوية، ظاهر بوضوح. الطابق الأول فيه، هو المجال الوحيد الملتبس بين العام والخاص. لا يُسمح للزوار بالدخول مباشرة إلى المبنى المسكن، والزوار الذكور ينتظرون في الممر، وهو مجال انتقالي. أما الزائرات، فيمكنهن استعمال الديوان شرط أن يغادره الرجال. أما الطابق الثاني، فهو مخصص للأولاد، يستعمل خلال النهار كديوان للنساء أو للعائلة. والطابق الثالث، يستعمله الأهل في وظيفته الأصلية، للنوم، وللجلوس. ÷ ويشير النسيج المبني في منطقة السدَّة القديمة في (حي السلام)، دون أي شك، إلى الإنقطاع الأول في تماسك النسيج المبني في مدينة المكلا. ففي القسم الأعلى من الحي، تنتظم الشوارع في شبكة منهجية، متعامدة. المحاور العمودية من المرتفعات الصخرية حتى البحر، هي شوارع رئيسة. أما المحاور الأفقية، فهي فواصل بين المباني. يجد النازل باتجاه البحر، المحور الأفقي الرئيس الذي يوصل الحي بمسجد عمر. تحوط المسجدَ الدكاكينُ والخدماتُ التجارية. إنه علامة فارقة، تفصل الأمكنة السكنية، عن الأمكنة الإدارية والتجارية. وفي أعلى الحي أيضا، يحافظ المسجد على موقعه المركزي، مع الفسحات الحرة حوله. ويشكِّلُ المحورُ الأفقيُّ الثاني في اسفل الحيَّ، القطبَ الرئيس في المدينة، ويوصل إلى المسجد على امتداد المحورين. ومسجد عمر وساحته، يشكلان نقطة وصل بين الجزء المنظم، والمدينة اليمنية بنسيجها التقليدي. ونقطة الوصل هذه، مرسومة بقوة. والإنتقال من نسيج مديني، إلى نسيج مديني آخر يبدو مشوشا، أو مخفيا، لأن الحضور البارز للمعلم المعماري يحجبه. كل شارع أو كل ضاحية، هو المشهد الذي تظهر عبره في لحظة ما، كل حياة الحي. ويكاد الطابع المعماري أن يكون تكرارا، مع بعض الإستثناءات، في الأبواب، بثرائها المعماري الخاص. ولا يُخرجُ الشبكة من المنظور المضجر، سوى المرتفعات الجبلية، التي تقطعُ المنظور وتعقِّده. ويعطي هذا القطعُ، المحاورَ التي تتسلق حتىَّ المرتفعات الحدود، بعض العُظمَوية. والمبنى المسكن النموذجي في (حي السلام)، بنى منذ أكثر من سبعين عاما. ويُظهر الطابع العام للمباني المساكن، تطورا في مواد البناء، باستعمال الطوبُ الطيني أحيانا. والواجهات شديدة البساطة، تلامس الفقر، وتدل على بداية أكيدة لغياب المهارات المعمارية التقليدية، التي تصنع المشهد المعماري في المدينة القديمة. أشكال معظم المباني، هندسية، بسيطة، قاسية. المربع والمستطيل، يشكلان أساس المسَّطح، ويصنعان النسيج المبنى العام، ناتج الشبكة المتعامدة، الخاصة بالحي. ويسكن مالك أحد المباني المساكن المميَّزة، في الطابق الخامس. يُميِّزُ المبنى مدخلُه، كما يميِّزه نظام الإستعمالات فيه، إذ نصل الديوان مباشرة من الدرج. باب الديوان مفتوح، وهو يستقبل الزوار طول النهار. ولهذا الديوان وظائف عديدة، فهو غرفة قراءة لصاحب المبنى، وقاعة جلوس للعائلة، وديوان خاص بالرجال خلال ساعات النهار. وفي الطابق الخامس غرف عدة، تُستخدم إحداها لاستقبال الزائرات. والطابق الأعلى الجزئي مخصص بكامله للأطفال، غرفة للصبيان وثانية للبنات. أما السطح »الريم« كما يُعرَّف، فهو مسوَّر بجدار عال من المشربية المزخرفة، ويستعمل للعب الأطفال، أو لجلوس النساء، أو كمجال مفتوح للعائلة في أيام الحر. نجد في هذا المسكن معادلة جيدة، بين الوظيفة الإجتماعية للمجال مرتبطة بموقع شاغله في المجتمع، وبين المحافظة على خصوصيات المسكن التقليدي. فتصميم المسكن النموذجي هذا، واستعمالات المَجالات فيه، تشكل ظاهرة مميزة في هذا الحي. ÷ أما (حي العمال)، فهو، بنسيجه ذي الطابع العسكري القاسي، مدينة بذاته،غابت عنها المعالم المدينية أو المعمارية. يتصل جزء الحيّ الشرقي بالمدينة، بمحاوره التجارية الرئيسة، التي تشكل الجزء المديني الوحيد فيه. فالحي هو تكرار بلا نهاية، لمساكن مصطفَّة، متلاحقة. ينخفض ارتفاع المباني من الشرق إلى الغرب، أو من المباني الكولونيالية القديمة، الى المساكن الفردية (العريش) كما تسمى، والمبنية جدرانا وأسقفا من جذوع الشجر، ومن الأقمشة المكسوَّة بطبقة من الطين الكلسي. تبدو هذه المساكن وكأنها شبه مؤقتة. والمزيج من المباني المرتفعة، ومن النسيج المديني القليل الإرتفاع يمكن ملاحظته. أما الإنتقال من المزيج المذكور، إلى المساكن شبه المؤقتة، فلا يمكن تحديده في نسيج الحي الإجمالي، والفرق في ارتفاع المباني، هو العنصر الوحيد الذي يكسر الرتابة فيه. ومن الظاهرات الدالَّة، امتداد المساكن شبه المؤقتة، وفق نظام الشبكة الكولونيالية المتعامدة ذاتها. لقد أعطت هذه الشبكة، التي بني على أساسها الحي بكامله، الإنطباع عن وجود تنظيم لهذا النمط الجديد من المساكن، إلا أن المدينة فقدت معها كل معالم النسيج المديني اليمني التقليدي، حتى عندما يحافظ الشارع، على وظيفته كمجال للحياة الإجتماعية. العنصر المديني هو غالبا غير موجود، والبحر الذي يمكنه أن يكون عنصرا مدينيا، لا يظهر إلا كحدود للإمتداد المتسارع للبنيان. المباني مرتفعة نسبيا في شرق الحي، كما ذكرنا. ويقع المسكن النموذجي، في الطابق الأول من المبنى المؤلف من أربعة طوابق. بني في منتصف العقد الرابع من القرن الماضي، جدرانه من الحجر الصخري الظاهر. والواجهة المطلة على الشارع، تظهر بوضوح جودة العناصر في عمارة الطرز الكولونيالي. والمسكن ضيق مقارنة بمساكن المكلا القديمة، مما يضطر ساكنه إلى استعمالات متعددة للمجال الواحد. ورغم ضيق المجال، فإن الزوجين اللذين يعيشان فيه، يتمسكان بالعادات الاجتماعية التقليدية، مما يزيد المجال ضيقا على ضيق. ÷ ولحي أوكتوبر صورتان، صورة في وسطه، وصورة في أطرافه. ففي الصورة الاولى، تذكرنا الشبكة المتعامدة، بالشبكة التي عرفناها في (حي العمال). إلا أن الطوبوغرافيا في وسط الحي، جعلت الطرقات المتعامدة تبدو أقل قسوة. والمسجد، تحوطه الدكاكين وبقربه ساحة وفندق وكلها عناصر مركز، تعطي هذا الجزء من الحي، معنى مدينيا لا نجده في (حي العمال). إلا أن العناصر المدينية ليست غنية، وهي توجد أحيانا كمعالم. والمسجد شبه المفتوح وهو واحد منها، يبدو مجالا مرحبا، يقطع المحور الرئيس الذي يعبر الحي في وسطه. أما الصورة الثانية في أطراف (حي أوكتوبر)، فميزتها، أن الأطراف أكثر ارتفاعا من الوسط، فيفصل بين القسمين امتداد من النسيج »المبني الأخضر«. ونسيج الحي في أطرافه، الذي يتمدَّد ليذوب في وسطه، لا يظهر فعليا إلا في الصور الجوية، أو على الخرائط. فالشبكة المتعامدة الجزئيَّة، لم تعد في أطراف الحي، نسيجا مدينيا حقيقيا. ويصبح المشهد أكثر جاذبية، إذا تحركنا باتجاه المرتفعات الجبلية، حيث يزداد عدد المساكن شبه المؤقتة »العريش«، كما عرَّفناها سابقا. ويبدو الحي مضجرا بدون هذه المواقع المرتفعة، إذ أن المعالم المعمارية فيه نادرة. ففي الهضاب المرتفعة، لا محاور متعامدة منظمة، والطرقات الموجودة تتبع الإنحدار الطبيعي لمجرى السيل. والقسم الهام في أطراف (حي أوكتوبر)، هو بالتحديد القسم الذي لا يعرف الشبكة المتعامدة، فيبدو كتجمع ريفي. وتبدو المدينة هناك وكأنها ملعب طبيعي للأطفال. كما تبدو المسافات بين المساكن، وكأنها تحدّد الصفة الريفية للسكان. والمسكن في (حي أوكتوبر)، يمثل حالة مثيرة للإهتمام. فمعظم المساكن، اقترحتها إدارة الإسكان، وكرَّرتها. وطرق العيش فيها تُفصِح، عن مظاهر تمسُّك الساكنين، بالعادات التقليدية. والبناء النموذجي في وسط الحي، هو من الحجر الظاهر، لا ميزة معمارية له، ولا شىء فيه يدل على الموروث من الجوار المباشر، أو البعيد. إذ اختفت عناصر الزخرف كليا، أو أنها أصبحت موَّحدة، جافة، مكرَّرة، مثل المشربيات المصنوعة من الخرسانة المسلحة. كما اختفت أيضا الأقواس، ومعها الأبواب الخشبية المزينة. المسكن من طابق واحد، بقياسات متواضعة، نوافذه مستطيلة أفقية. وهو يشكِّل قطعا واضحا مع الماضي، حيث اختفت المهارات اليمنية التقليدية. إنه واقع معماري جديد واضح. ونجد في نماذج المساكن في (حي أوكتوبر) أحيانا، فناء داخليا مسقوفا. إنه حيز ملتبس، بين العام والخاص، يستعمل أيضا كحيز انتقالي، ربما وجدنا فيه بعض التشابه، مع نموذج الفناء الداخلي، في البيت العربي الإسلامي. نصل هذا الحيز الإنتقالي من المدخل مباشرة، فيتم بذلك تخصيص غرفة الإستقبال للرجال فقط، ويُحَافظ بالتالي على خصوصية أقسام المسكن الأخرى. وربما أوصلنا هذا الحيز الإنتقالي أيضا، إلى السطح، الذي يصبح، مجالا واسعا للإستقبال وللعيش. أما النساء، فهن تستقبلنَ الزائرات في غرفة مغلقة، عندما يكون رب الأسرة غائبا عن المنزل، وتنسحبن إلى المطبخ إذا كان في المنزل ضيوف. والمطبخ في مسكن (حي أوكتوبر)،هو جزء من الحيز الخاص بالعائلة. ولا قيمة لتقسيم المسكن بين استعمالات الليل واستعمالات النهار، إذ يقسم المسكن إلى ثلاثة أقسام، (1) حيز ملتبس بين العام والخاص المدخل والديوان، (2) وحيز خاص ديوان النساء إذا وجد، (3) وحيز خاص بالأسرة،غرفة النوم، المطبخ، الحمام، ووسط المسكن المسقوف. مميزات المشهد المعماري في الأحياء ÷ يمكننا القول بصورة عامة، أنه في تنقُّلنا في أحياء المكَّلا، إنما ننتقل من نسيج مديني معقد يتميز تاريخيا بالطابع المعماري البالغ الثراء (الأحياء القديمة، البلاد، الصيادين) حيث المباني العالية، إلى نسيج بسيط مبالغ بقسوته، كما في (حي العمال)، أو في وسط (حي أوكتوبر). ويمكن تفسير هذا التحول في النسيج المديني، جزئيا، بتراجع مفهوم العائلة الكبيرة، (رب العائلة واهله، واولاده)، التي تعيش في المبنى المسكن، واستبداله بمفهوم الأسرة الصغيرة، التي تعيش في مسكن إفرادي، ربما رأت فيه مجالا لحياة إجتماعية أكثر ثراءً. ويظهر هذا التحول الإجتماعي، مع المضاربات العقارية الأولى، التي حوَّلت (حي السلام) كما ذكرنا. وفي الوقت ذاته، الذي كانت فيه المباني المساكن التقليدية تتحول، تعبيرا عن التحولات الاجتماعية، كانت المباني الجديدة في (حي العمال)، تبنى كمساكن مستقلة منفصلة، بالتلازم مع المضاربات العقارية. وفقر النسيج المبني الجديد، يظهر بقوة في التمدُّد السكاني الراهن. وقد ساهم تردِّي النسيج المبني الموروث، في تقليص الممارسات الإجتماعية التقليدية. فتراجعت حصة المرأة في المنزل، وفضَّل معظم الرجال أن تستقبل زوجاتهن الزائرات، أثناء غيابهم. وبالاضافة إلى هذا المظهر الجديد من تصغير لمساحات المسكن المنفرد، فإن مظهرا جديدا آخر، نلحظ انتشاره في غرب (حي العمال) وفي أطراف (حي أوكتوبر)، هو الفناء الداخلي، الذي يعبّر ربَّما، عن التحول من الفردي إلى الإجتماعي. وقد أظهرت التحقيقات الميدانية، أن هناك منحى عاما لتجنُّب المنزل التقليدي، والسكن في مناطق شبيهة بأطراف (حي أوكتوبر)، وبغرب (حي العمال). ربَّما فقد مفهوم الحي، الذي نجده في المكَّلا القديمة، كل معناه، ولم يعد يشكل ضرورة لسكان المكَّلا. ÷ أما ما يمكننا تأكيده حول مميزات المشهد المعماري في أحياء المكلا، فهو أولا، تدهور البيئة المبنية في منطقتين هامتين (1) حي العمال، (2) وجزء كبير من المدينة القديمة في رأس (حي الشهيد) »البلاد«، وفي (حي الصيادين). وتؤكد التحقيقات ثانيا، أن امتداد السكن يتم بالمباني ذات الطابق الواحد، الذي يقطع بشكل كامل، مع النموذج التقليدي للبنيان اليمني في المدينة. كما تؤكد ثالثا، التحُّولَ في بنية العائلة، والتحُّولَ في النسيج المديني الناتج عن ذلك. والنسيج المبني في الحيين القديمين، (الشهيد، والصيادين) واحد، ونماذج المباني المساكن وارتفاعها، هو واحد أيضا. ولا تَنتُجُ حالة التدهور المعمَّمة في الحيَّين،عن عمر المباني، وعن استعمال التقنيات الجديدة فقط. فثمة أسباب أخرى تساهم في ذلك. أولها، الطوفان الدوري للسيل، ودخول المياه إلى المباني، بما يساهم في تصدعها. وثانيها، الكلفة الباهظة لتأهيل الحي، ولترميم المباني فيه. ويبدو الوضع العام في (حي السلام)، أفضل مما هو عليه في المكلا القديمة. إن هذا التحسن الظاهر في أوضاع المباني وفي المشهد المعماري، هو التعبيرعن نمط جديد في استعمال مواد البناء. فالإنتقال من طريقة في البنيان إلى طريقة أخرى، هو لافت في الحي. إذ أنَّ معظم مبانيه هي من الحجر الظاهر، وهي جديدة نسبَّيا. ربع مباني الحي تعود إلى عهد السلطانين، ونظام الحماية الكولونيالية البريطانية، في حين أن نصف مباني (حي الصيادين) تعود إلى العهد ذاته. وخلافا للمنحى العام في المدينة، وهو إنخفاض ارتفاع المباني الجديدة، فإن مباني الحي، حافظت على الإرتفاع ذاته الموجود في المكلا القديمة. لقد كان لتأجير طوابق في المباني، دور بارز في تطور نماذج المساكن في (حي السلام). واللافت في (حي العمال)، هو أن المباني فيه، تبدو جديدة مقارنة مع الأحياء القديمة في المدينة. فالفرق في عمر المباني واضح بين شرق الحي وغربه، وتكثر المباني الجديدة كلما اتجهنا غربا، وتختلف النماذج أيضا. إذ تكثر المساكن شبه المؤقتة، المعروفة »بالعريش«، كما ينخفض ارتفاع المباني. فالقطع واضح إذا، عند الإنتقال من شرق الحي إلى غربه، في نماذج المساكن، وفي ارتفاعها، وفي طرق البنيان، وفي المواد المستعملة. وانتشار المباني شبه المؤقتة، هو الظاهرة اللافتة، في تمدد السكن بسرعة في مدينة المكلا بكاملها. أما في (حي أوكتوبر)، فصورة المدينة تبدو أكثر اشراقا، يساهم في ذلك ارتفاع موقع الحي، وطوبوغرافيته. فالمساكن أكثر انتشارا مما هي عليه في (حي العمال)، وترسم بانتشارها هذا، إطارا صحيا للعيش. وانتشار البنيان في الحي سريع، إذ أن نصف الجديد المبني في مدينة المكلا بكاملها، نجده في هذا الحي. معظم مباني هذا الحي، شيدت في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي. وأكثر المباني شبابا نجدها في أطراف الحي، وأكبرها عمرا نجدها في وسطه،وهي في معظمها، من طابق واحد، أو من طابق ونصف. وفي هذه المباني، وجهُ شبه أكيدٌ، بين أطراف (حي أوكتوبر)، والأطراف الغربية (لحي العمال). إلا أن معظم المباني، لا تزال تبنى بالطرق التقليدية، حيث يزداد بسرعة، استعمال الأحجار الإسمنتية في بناء الجدران، والخرسانة المسلحة في الأسطح. شكل المدينة وطابعها يمكننا التأكيد في نهاية هذا العرض السريع، أنه ليس لمدينة المكلا شكل نهائي محدَّد، كما أنها لا تشكِّل وحدة مدينية متماسكة. ÷ محاطة بالماء عند نشأتها، في »البلاد« أي في (حي الشهيد) وفي (حي الصيادين)، ÷ وملزمة بتطور شريطيٍّ فرضه موقعُها، وضيقُ الأرض، بين البحر وسلسلة المرتفعات الصخرية التي تحاصرها، في (حي السلام) خاصة، ÷ ومنتشرة في مناطق رملية واسعة في (حي العمال)، في شرقه وفي غربه، ÷ ومتمددة، مبعثرة، فوق هضاب لطيفة، كانت بالأمس القريب مناطق زراعية، (حي أوكتوبر) في وسطه وفي أطرافه، ومشطورة، بالإضافة إلى كل ذلك بالسيل، بين قديمها والجديد، للمكلا وفق هذه القراءة، أربعة وجوه. والوجوه الأربعة هذه، هي التعبير الطبيعي والتاريخي عن تطورها. وكل قسم من الأقسام الأربعة التي ذكرناها، له طابعه المعماري الخاص، ويشكل نسيجا مدينيا بذاته. وربما وجد هذا التعريف مصداقيته الكاملة، في الأحياء الجديدة، (العمال وأوكتوبر) وهما حيان منفصلان تماما، بصريا وعضويا. كيف ستنمو المدينة؟ إنطلاقا من واقعها المفتَّت؟ لتلاقي اهمية موقعها، ولتلبي حاجات سكانها، الذين يزداد عددهم بسرعة لافتة؟ كيف ستحافظ على تراثها المعماري؟ كيف ستعيد قوة الجذب إلى مركزها التاريخي؟ ليصبح قلبُها مجدَّدا، ويضخ فيها الحياة ؟ وكيف ستُوَّحدُ، إقتصاديا ومدينيا ؟ لتحتل مكانتها، في اليمن، وعلى امتداد الشاطىء؟ أسئلة تجد الإجابة عنها في بحث مكمِّل.