As Safir Logo
المصدر:

إبراهيم مرعشلي دونجوان المسرح وفتاه الظريف ابن البلد النبيل وصانع الفرح في أصعب الأوقات

المؤلف: عيتاني اروى التاريخ: 2004-09-18 رقم العدد:9900

كل من عرف ابراهيم مرعشلي أكد لنا معاناة هذا الرجل الذي توصل الى مكانته الفنية التي وصل اليها في حياته بعد مسيرة طويلة من الكفاح والجهد والكد. تنقل بين الإذاعة والتلفزيون والمسرح، تتلمذ على أيدي كبار المخرجين والكتاب والممثلين، لينطلق بعدها وحيدا في عالم الفكاهة والكوميديا، الكل عرف ابتساماته وقفشاته، خفته وطيبته، لكن الكل لم يعرف عن أحزانه ومعاناته في السنوات الأخيرة. منذ انتكاسته الأولى منذ 6 سنوات تقريبا، عاش بعدها مسكونا بهاجس المرض، محاولا جاهدا الاستمرار. لكن في وسط معيشتنا التي بدأت تضيق من حولنا، بدأت الضحكة تفارق قلبه شيئا فشيئا لكنها لم تفارق محياه، وبدأ شبح الاكتئاب يحوم حوله، وفي السنوات الأخيرة رحلت أسماء كبيرة، رموز افتقدناها، غاب أصدقاء طريقه، وودع أكثرهم الى مثواهم الأخير، من شوشو وصولا لماجد أفيوني. الحال تغير، والفن تغير، حتى بلغ اكتئابه ذروته، قبل صراعه الأخير مع المرض، إذ كان يردد لكثير من الأصدقاء، في جلساته على مقاهي شارع الحمراء، أنه قريبا سيلحق بقافلة الأصدقاء... التجربة الغنية للذي لا يعرف بدايات الفنان ابراهيم مرعشلي، فهو ابن بيئة شعبية. في أول شبابه كان يعمل رساما. مع والد الفنان يوسف فخري، كانا يقومان بالرسم على القماش، فضلا عن ذلك كان ينظم بعض الأغاني الخفيفة، الأمر الذي قاده الى دخول عالم الإذاعة، من خلال دار الإذاعة اللبنانية، في السراي، قبل انتقالها الى الصنائع. عالم الإذاعة بهر هذا الشاب الطموح الذي زادت ثقته بنفسه وبقدراته، وبدأ يتعرف على آلفنانين ويقوم بأدوار إذاعية صغيرة. بعدها، طرأ حدث جعله يبدأ مشوارا جديدا مع افتتاح شركة التلفزيون اللبنانية (القنال 7)، حيث ومع بدء تصوير الأعمال المحلية التي كانت تبث مباشرة على الهواء، وأشهرها »أبو ملحم«، قام بأدوار صغيرة، عرفه من خلالها المشاهدون، استمر على هذا الحال، وصولا لأول نقطة تحول أساسية في حياته، وهي لقاؤه بلكاتب محمد شامل، الذي كان يعد آنذاك، مع شركة تلفزيون لبنان والمشرق (القنال 11)، برنامجه الأسبوعي »يا مدير« والذي تولى اخراجه انطوان ريمي. عرف »يا مدير« نجاحا كبيرا إذ ضم نخبة من الممثلين أبرزهم شوشو، ابراهيم مرعشلي، وفاء طربيه، سعاد كريم، شفيق حسن وزياد مكوك، من خلال الحلقات برز ابراهيم مرعشلي في أول دور حقيقي اسند إليه، رسم له محمد شامل صورة الفتى الأول »الدون جوان«. وهنا ظهرت بوضوح قدراته الأولى كممثل كوميدي. وكان هذا بين سنتي 1961 و1965. من خلال »يا مدير«. توطدت عرى الصداقة بين شوشو وإبراهيم مرعشلي، وقبل افتتاح المسرح الوطني، ألّف شوشو فرقة »شانوسونييه« ضمت ابراهيم مرعشلي، وقدمت عروضا في عدة أماكن منها ملهى »الكيت كات« في الزيتونة. لقاؤه بشوشو كان نقطة التحول الثانية في حياته. النقطة الثالثة كانت تجربته مع المسرح الوطني ولقاءه بالمخرج نزار ميقاتي ومحمد كريَّم. نستطيع القول بأن عمل ابراهيم مرعشلي في المسرح، لم ينضج الا بعد عمله مع فرقة شوشو في المسرح الوطني، الذي أسسه شوشو ونزار ميقاتي، بعد تحويل سينما شهرزاد الى المسرح القومي المعروف. الفرقة ضمت أسماء لامعة نذكر منها: ناديا حمدي شفيق حسن ماجد أفيوني سمير شمص زياد مكوك آمال عفيش هند طاهر وآخرين. في البدء، كانت المسرحيات مقتبسة من »البولفار« الفرنسي، لتتشابه مع الواقع اللبناني، الأمر الذي نجح، بفضل جهود المخرج الراحل نزار ميقاتي. المسرحية الأولى التي شارك فيها ابراهيم مرعشلي في مسرح شوشو كانت »شوشو بك في صوفر« اعداد وإخراج نزار ميقاتي التي قدمت في 11 تشرين الثاني، سنة 1965. توالت الأعمال، واكتسب ابراهيم مرعشلي خبرة مسرحية كبيرة. صحيح انه كان لا ينوع كثيرا في ادواره، وحافظ في أدائه على الكوميديا الخفيفة، لكنه تعلم الكثير من تجربته الغنية مع المسرح الوطني، من خلال تعاطيه مع كبار المخرجين والممثلين. قصص كثيرة عمله مع شوشو أطلق جميع قدراته الكوميدية ولا سيما من خلال العروض اليومية التي كان يقوم بها (الأمر المفقود اليوم). جميع العاملين معه في ذلك الزمن الجميل، يتذكرون تلك اللحظات، حين كان ابراهيم مرعشلي، ينسى أحيانا دوره، ليقف ضاحكا على »افيهات« شوشو، حاله كحال المشاهدين، ليعود ويرد بدوره في »ايفيه« مماثل كان سريع البديهة، حاضرا على الخشبة، مستمتعا الى أقصى درجة. من احدى طرائف شوشو وابراهيم مرعشلي (وهي كثيرة جدا)، في مسرحية »وصلت للتسعة وتسعين«، اخراج محمد سلمان (1973)، قال شوشو لابراهيم »شايف العمود هونيك؟«، نظر ابراهيم وأجاب »وين«، رد شوشو »اللي ساند الحيط هونيك؟«، فانفجر ابراهيم ضاحكا، فالتفت الجمهور للوراء، وإذا بالمخرج محمد سلمان يقف بالفعل جنب الحائط، مما اثار ضحكا قويا في الصالة، الأمر الذي راق للمخرج، وطلب من الإثنين إعادة »الإيفيه« في كل ليلة. قصص جميلة سمعتها أثناء محاولتي للتعرف على هذا الفنان الراحل الذي، قد أكون بالفعل، أجهل الكثير عنه، كالكثير من أبناء جيلي، حتى خلت انني وصلت متأخرة، بعد السماع عن تلك الأيام المحسوبة بالفعل كأيام وليس كشبه أيام بتنا نعيشها اليوم. بعد ال1973، بدأت بعض الخلافات تدور في فرقة شوشو، كما هي الحال في أي فرق أخرى، واختارت كل جماعة العمل بمفردها. وهنا ترك ابراهيم مرعشلي العمل مع شوشو وألف فرقة »شانسونييه« خاصة به مع كل من سمير معلوف، مارسيل مارينا، فريال كريم، قدمت الفرقة »اسكتشاتها« في كازينو فريد الأطرش، الذي لحن لهم آنذاك المطلع الموسيقي للافتتاحية. مع العمل المسرحي، عمل ابراهيم مرعشلي في العديد من الأفلام السينمائية، بعضها كان من انتاج لبناني مصري، نذكر منها (أفراح، الناس والملايين، فندق السعادة). قام بالعديد من الأعمال التلفزيونية، في الفترة نفسها، على أيدي مخرجين مخضرمين كالراحل انطوان ريمي، ايلي سعادة، جان فياض، نقولا أبو سمح والياس متى. كل هذه الأسماء، اكتسب منهم الراحل تجارب غنية اضافية. وكانوا مدرسة كبيرة وعالما واسعا تعلم منه الكثير. فترة الستينات كانت مرحلة ذهبية للفنان ابراهيم مرعشلي، حيث بالإضافة الى جميع أعماله الفنية، عمل 15 عاما، موظفا في تلفزيون (القنال 11) كمذيع للاعلانات والدعايات، لأن صوته كان صالحا إذاعيا وتلفزيونيا. مع بدء الحرب توقفت الأعمال. لكنه بدأ بالكتابة، وقدم برنامج »أغاني ومعاني« مع الممثلة رلى حمادة وليلى كرم. قام بكتابة عدة مسرحيات بين ال1979 وال1981 نذكر منها: »الكوي بوي مر من هنا«، »باي باي يا وطن«، »حمار سيدس«. في التسعينات صور وكتب العديد من المسلسلات الفكاهية والاجتماعية، بالتعامل مع عدة تلفزيونات »كالكابتن بوب«، و»ابراهيم أفندي«، »سكرتيرة بابا« و»المعلمة والأستاذ«. قدم فترة قصيرة، برنامج العاب، مكان الراحل رياض شرارة. وبعد غزارة انتاجه، عاش سنواته الأخيرة لا يجد بريقه الأول الذي سيعيده الى الشاشة، واكتفى بعمله في الإذاعة اللبنانية، حيث كان يعد برنامجا، يبث كل أحد، لمدة ساعتين بعنوان »البث المباشر«، يستضيف فيه أصدقاءه من الفنانين، ويذيع فيه الأغاني والاسكتشات القديمة، منها »شامل ومرعي« كلمة وفاء لجميع الأساتذة الذين كان لهم الفضل بنضج خبرته في مجال الفن. ابراهيم مرعشلي من الاسماء العصامية التي اعتمدت على نفسها وصنعت لها مكانا بالجهد والمعاناة الحقيقية. للأسف أثناء مراجعتي لأرشيفات هذا الفنان، ولتلك المرحلة، لم استطع ان أتوصل لجميع الحقائق، واعتمدت على أخبار من عرف هذا الفنان، وهذا ما جعلني أفكر جديا بقول أحد المثقفين، الذين ساعدوني على معرفة ابراهيم مرعشلي، بأننا شعب لا نمتلك أية ذاكرة ثقافية. في بحثي وسط الفوضى اللذيذة، لعالم الستينات، مرت أمامي أسماء كثيرة من رعيل الفنان ابراهيم مرعشلي كمحمود سعيد، يوسف فخري، أحمد الزين، ماجد أفيوني، شفيق حسن، عوني المصري، عبد الكريم عمر، أسماء صنعت مجدا لتلفزيون لبنان، وباتت نسيا منسيا. لماذا نرى هذه الأسماء غائبة عن كتبنا الأكاديمية. وتساءلت، لماذا لم اسمع عن أعمالها حتى المتواضعة واكتفينا بمعرفة سير الفنانين العالميين؟ فهم أناس يستحقون كل الاعجاب والتقدير. المحزن أننا، في هذه المناسبات المؤلمة، بتنا نعتمد على ذاكرة من عاش في تلك الفترة، والخوف انه، بعد رحيل من تبقى، ما الذي سيبقى من هذه الذكريات؟ أستدفن معهم في قبورهم؟ ومن آخر ما عرفته عن الفنان ابراهيم مرعشلي انه كان ضد الدوبلاج، حيث لم يستغل رخامة صوته للقيام بهذه العملية. لأنها، كما كان يراها، لا تمت للفن بصلة، وأخيرا، رحم الله الفنان ابراهيم مرعشلي، الذي حين دخل في غيبوبته، سارع البعض وسابق الموت، ليقلده وساما! في غيبوبته، فالمسكين لم يعلم به حتى ومن الممكن انه عاش لا يأبه له، فالوسام بتنا لا نراه سوى على النعوش، او بتنا نتشاءم منه، لأن المسؤول عن إعطائه، لا يقدمه، إلا وقد بدأ الفنان في صراعه مع الآخرة. باسم الأموات لماذا أحيانا، لا يعي القيمون على المسألة أن الفنان، فنان بالفعل في اوج عطائه وليس لدى أفوله. أعرف عدة فنانين، ومواهب شابة، هربت من حقل الفن الى ميادين أخرى خوفا من لعنة الوسام. فأرجوكم، باسم جميع الأموات، أقول لكم، قبل ان تقوموا بصبه وتقديمه، وقبل ان تفكروا باطلاق أسماء الراحلين على بعض الشوارع، وقبل القيام بالتماثيل، اعملوا على حفر هذه الأسماء في ذاكرة الوطن والشعب والأطفال، قوموا بتوثيق أعمالهم، ردوا اليهم اعتبارهم، ليضحكوا بدورهم وليستمتعوا قليلا، مثل ما اقنعونا هم مرات عديدة في حياتهم.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة