أكثر من خمسين سنة مضت على إعدام أنطون سعادة. »عرزاله« في بلدة ضهور الشوير، بين الصنوبر، »اشتاق الى الحبر والورق وقلم الزعيم«. ورفقاؤه كانوا ينتظرون »احتفالاً غير عادي«. احتفال »يخلدون فيه ذكراه«، يؤكدون »الوفاء والتزام الواجب«، ويواكبون »السياسة اليومية« ويعلنون »المواقف«. امتلأت ساحة ضهور الشوير أمس، بجماهير الحزب السوري القومي الاجتماعي وكوادره وقيادته وأصدقائه، يحيون حفل إزاحة الستار عن النصب التذكاري »للزعيم أنطون سعادة«، برعاية رئيس الجمهورية العماد إميل لحود. الحفل تحول الى مهرجان ترواحت نسبة المشاركين فيه بين 10 آلاف و13 ألف مواطن حسب التقديرات. كان نائب رئيس مجلس الوزراء عصام فارس، ممثلاً رئيس الجمهورية، أوّل المتكلمين. اعتلى المنبر وقبْل إلقاء كلمته رفع يده وعبّر عن »احترامه للمناسبة وتقديرها« مُطلِقاً: »تحيا سوريا«. وردوا له، »انصار الحزب«، التحية بالهتافات »لسوريا«. قال فارس متسائلاً: »ماذا أضيف على ما قلته في مطلع هذا العام يوم الاحتفال بمئويته. ألسنا بعد مرور قرن على ولادته نشعر معكم أن غيابه ما زال أقوى من حضوره، إنه حاضر في الحزب الذي أنشأه. وفي الكتابات الرائدة التي دبّجها في الحياة، الإنسان، والكون والمجتمع، وفي التعاليم التي نشرها والتي ما انفكت تشغل الباحثين والمفكرين والمحللين، وفي الثورة الفكرية التي أشعلها على الانتداب والاستعمار، وعلى الظلم والطغيان، وعلى الجهل والتخلف والتزمت، وهو حاضر في فلسفته المدرحية الجامعة بين الفلسفة المادية والفلسفة الروحية، والداعية الى الحداثة وإلى عدم مزج السياسة بالدين«. واعتبر فارس أن المحتفى بذكراه »حاضر في الدعوة الى الحياة الواحدة التي منها تنطلق وحدة مصالح الأمة، والإرادة الحرة في تقرير مصيرها والتحكم بمصادر ثرواتها وممارسة سيادتها على أرضها، وهو حاضر في بعث النهضة القومية والاجتماعية والمتميز في بصيرته ورؤياه البعيدة، المنادي والمناضل من أجل بناء الدولة العصرية«. وأشار ممثل رئيس الجمهورية الى أن »سعادة« هو الذي »تنبه باكراً للمطامع والمخاطر الصهيونية، والقائل إن الحياة إما أن تكون وقفة عز أو لا تكون، فيقدم حياته وهي أغلى ما يملك، فداء عن العقيدة التي أطلقها والمبادئ التي آمن بها«. وقال: ان سعادة هذا هو الرجل النابغة المتعدد المواهب واللغات، الذي وعى تاريخ امته وأمجاد ماضيها، ورصد واقعها، وتحسس الامها ومآسيها، ولفت الى التحديات التي تواجهها وعبر عن آمالها وتطلعاتها، الغائص في رحاب الحق والخير والجمال، الخبير في اشكاليات العلاقة بين الدين والسياسة، وفي نشوء الامم، وفي فلسفة التاريخ، الواقف بين منطق القومية ومنطق العولمة، وبين القومية الاجتماعية والمجتمع المدني، المكافح، التواق الى التغيير والترقي. ثمة من اعتنق عقيدة الزعيم، وثمة من عارضها، ولكن الاكيد ان ثمة اجماعا على احترامه وعلى اكبار نبوغه وعبقريته، وإنه ليستحيل على مئة عام مضت على مولده، وخمسين سنة على غيابه ان تمحو اسمه من صفحات التاريخ فهذا النصب شاهد على الرجل ونحن الشهود له. وكان للجنة النصب التذكاري كلمة ألقاها نقيب الصحافة محمد البعلبكي فقال: إن المهرجان مناسبة »نحج« فيها »الى ساحة المقاومة الوطنية نزيح الستار لمن أزاح بفكره النيّر الثاقب الغشاوة عن الأبصار وحرر بعقله وقلبه العقول والقلوب حتى افتدى الأمة بروحه ودمه.. وما أحوج الأمة اليوم وهي تواجه أعتى المخاطر التي تهدد مصيرها القومي أعظم تهديد عرفته في التاريخ، وإذ تتعرض لأشرس محاولات الإبادة، الى أن تذكر أنطون سعادة، وتأسيسه للنهضة القومية الاجتماعية. ساهمت بلدية ضهور الشوير في تشييد النصب التذكاري وعملت على إنجاح الاحتفال وستؤمن كافة المستلزمات الواجبة في مواكبة أي نشاط عن »قائد حركة التغيير والرافض لقيم الطائفية.. إبن البلدة وأحد المبدعين الكبار أنطون سعادة«، في تحية منها نقلها رئيس البلدية نبيل غصن الى المحتفلين وإلى »مناضلي الحزب السوري القومي الاجتماعي« يوم أمس. علت »الهيصات« مع سماع عريف المهرجان يقدّم »كريمة الزعيم« أليسا أنطون سعادة: »تحيا سوريا...« إبنة سعادة أرادتها مناسبة في عدّة اتجاهات. »إنها لحظة توهج وتوحد معه طال انتظارها.. لحظة تجمع شملنا في غمرة الرياح العاتية التي تلف المنطقة بأسرها من مناطق الشام البعيدة ومن الأردن ومن أقاصي لبنان ومن كل بلدة ودسكرة آتون اليه، لكأننا جموع البارحة المتدافعة الى رمل بيروت لاستقباله بعد غيابه الطويل بانتظار ما سيعلن«. كذلك اعتبرت أن الوقوف عند مئويته ليس لإقامة »صنم لمحطِّم الأصنام.. ولا لمجرد تكريم ينتهي بانتهاء المناسبة بل لنعيد الحياة الى موقع العرزال حيث تزدحم صور حياته وكتاباته وصراعه وتضحياته، ولتكون محطة مفتوحة للجميع ولكافة هيئات المجتمع بمفكريه وشعرائه وفنانيه ومناضليه وكافة مواطنيه، ليستعيد نهر الحياة الاجتماعية مجراه الطبيعي فيعيد انتاج وحدتنا وتنوعنا ودينامية حوارنا واختلافنا بغير التشنج والكيدية السائدين على امتداد الوطن«. رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي جبران عريجي. القى كلمة ومما قاله: إن العناوين اللبنانية المحلية المطروحة وإن كانت متنوعة بل متناقضة، يبقى مجال حلها في إطار الدولة، أجدى من حلها خارجاً أو مفروضاً من الخارج، أو في الشارع استجابة لبعض الغرائز التي لم تتعظ من التاريخ.. ويتعذر تشكيل فضاء سياسي وطني حقيقي في لبنان، ما لم نجد حلاً جذرياً لمشكلة العلاقة بين الحزبية الدينية والسياسية. فالديموقراطية بقيد طائفي، إطار من غير مضمون، لأنه يوفر فقط بعداً طائفياً للحوار. وحوار الطوائف خطير جداً لأنه يؤدي الى سوء تفاهم وإلغاء الدولة بمؤسساتها.. لذا طالبنا ونطالب بقانون انتخابي يعكس رغبات المواطنين ومصالحهم لا أمراء الطوائف«. وتطرق الى موضوع »العلاقات اللبنانية السورية« معلناً نظرة الحزب تجاهها »على انها من مسلمات انتمائنا القومي الواحد. لكن الخطير، أن البعض مصرّ على أن لا يرى في هذه العلاقات أكثر من حضور عسكري وأكثر مما يتم التداول فيه على أنه تدخل، آن الأوان ليخرج عنا أو نخرج عنه«. وبمواجهة التكتلات الكبرى دعا جبران عريجي »الى رفع الحواجز كاملة بين لبنان والشام، وفتح الحدود لتسهيل مرور الناس والبضائع في الاتجاهين من غير إجراءات أو تعقيدات..« ووضع »أسئلة كثيرة هي برسم المستقبل الذي هو أمانة بيد الرئيس لحود« دون مطالبته »بخطاب قسم جديد« بل أمل »أن تسلك النيات طريقها الى التنفيذ..«. حضر المهرجان وزير شؤون رئاسة الجمهورية السورية غسان لحام ممثلاً الرئيس الدكتور بشار الأسد، النائب علي بزي ممثلاً رئيس مجلس النواب نبيه بري، وزير الشؤون الاجتماعية أسعد دياب ممثلاً رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري، بالإضافة الى وزراء ونواب وشخصيات وممثلين عن وزير الدفاع وقائد الجيش ومسؤولي الأحزاب الوطنية والإسلامية وعن النقابات وممثلين عن الفصائل الفلسطينية ونواب في مجلس الشعب السوري، الى جانب قادة الحزب السوري القومي الاجتماعي.