As Safir Logo
المصدر:

عقبات ترجمة العهد القديم إلى العربية.. اغتصاب حمور لدينة نموذجاً

المؤلف: اشقر احمد التاريخ: 2004-09-10 رقم العدد:9893

(لذكرى منصور كردوش (1921 1998) وصالح برانسي (1928 1999) اللذان اعتقدا حتى آخر يوم في حياتهما، أن مجزرة أخوا دينه بأقارب حمور بن شِخِم من الذكور، ما هي إلى حلقة بدأت »منذ مقتل المصري في الوادي«... إلى مجزرة »بِنِي سخنين«... لكن هيهات... إن فتية رفح لهم بالمرصاد!) الترجمة ليست نقل نصّ من لغة إلى أخرى فقط. فهذه »الترجمة« غير موجودة أصلا، ولا يمكن أن تنوجد بتاتا! والترجمة هي محاولة لحوح للوصول بالنصّ الأصلي إلى نصّ جديد شبيه مطابق النصّ الأصلي. إنها محاولة مضطربة وإشكالية، لأن مواقف وقيم المترجمين تتسرب إلى النصّ الأصلي، المُتَرْجَم إلى نصّ جديد شبيه مطابق. وقد أخبرنا صاحب كتاب »الحيوان«، الجاحظ، قائلا: »ومتى وجدنا (الترجمان) قد تكلم بلسانين علمنا أنه قد أدخل الضيم عليهما (إليهما)، لأن كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى وتأخذ منها وتعترض عليها«. مثلما النصوص والمؤلفات الإبداعية المختلفة، درجات وطبقات من حيث المستويات الفنية والمضمون والأصالة، كذلك الترجمة. أي أن المترجمين درجات وطبقات من حيث المستوى والقدرة على تحويل النصّ إلى آخر شبيه مطابق. قد نجد ترجمات قد أحسنت إلى النص الأصلي، ونجد العكس أيضا. إذ قلنا أن الترجمة، هي محاولة مضطربة وإشكالية، فإننا بالتأكيد سنقول: إن أكثرها اضطرابا وإشكالية، هي ترجمة النصوص الدينية. لأن هذه النصوص مقدسة لدى أتباعها ومقدوح بها لدى خصومها وأعدائها. وإذا خرجنا عن ميادين القداسة والقدح (أنا لا أتواجد في أي ميدان منهما)، لا ينخفض مستوى الاضطراب، بل ندخل إلى ميادين أكثر تعقيدا. وأول هذه التعقيدات، هي السياق التاريخي لتك النصوص، التي يبتعد بعضها عنا آلاف السنين. أي أن: كيف وهل يمكن أن يعيش الترجمان تلك الفترة السحيقة من الزمن بتعقيداتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والنفسية؟ إنه يحاول الاقتراب منها، ليس إلا. لأن هذه التعقيدات مجتمعة تتكثف في اللغة. وقد عبّرا كل من ماركس (1818 1883) وإنجلز (1820 1895) عن هذا بقولهما: »اللغة قديمة قدم الوعي، واللغة وعي عملي حقيقي يوجد الآخرين كما يوجد عند البعض أيضا، واللغة مثل الوعي تنشأ عن الحاجة والضرورة للاتصال. بالآخرين من الناس (...)«. أما رومان جاكبسون، الباحث والمنظّر في علم الاتصال واللغة، فقد خَلَصَ إلى ضرورة: »يجب بحث اللغة«. وللغة أيضا تعقيداتها: أصلها، سيوسيولوجيتها، سيكلوجيتها وفقهها. واللغة/ الوعي مليئة بالتصريح والتلميح والمجاز، الذي هو أهم مستوياتها. والمجاز بحسب ابن رشيق القيرواني (ت 1064) »يحتمل وجوه التأويل« (المختلف عليه بين فقهاء الأديان). وبما أننا في صدد البحث في قصة من القصص العهد القديم المسمى مجازا القصص التوراتي لا بد لنا من الإشارة إلى أن أول من أدخل البحث المجازي إلى هذا الحقل، هو اليهودي الهولندي باروخ سبينوزا (1632 1677) في القرن السابع عشر. وكانت المسشرقة حافا لزاروس يافه (1930 1998)، المختصة بالغزالي وابن حنبل، قد أشارت إلى أن سبينوزا قد استعار منهج قراءة العهد القديم، قراءة مغايرة نقدية من الفلاسفة العرب المسلمين الأندلسيين. ويمكن الإضافة هنا، أن عائلة سبينوزا كانت ضمن المطرودين من الأندلس بعد أن تمكنت الحركة الوطنية في إسبانيا من تحرير البلاد؛ وقد تأثر المثقفين اليهود (عائلة سبينوزا) بالمدرسة الرشدية في التفكير والبحث. ويجب التأكيد على أن أول من قرأ القرآن قراءة جديدة، نقدية، في الفكر الإسلامي هم المعتزلة، وابن رشد (1126 1198) كان معتزليا في منهجه الخاص بالبحث القرآني. والسؤال هو: هل بإمكان الترجمان أن يفقه ويعي هذه العناصر، المجتمعة المتشابكة، بدقة؟! إنه يحاول فقط. وإذا اقترب الترجمان من الكمال المهني، هل بإمكانه أن ينسلخ عن البيئة التي تسهم بتشكيل وصياغة شخصيته، التي دفعته إلى امتهان الترجمة؟! إنه يحاول فقط. وبكلمات أخرى: الترجمة هي محاولة لحوح ومضطربة للوصول بالنصّ الأصلي إلى نصّ جديد شبيه مطابق، في السياق التاريخي المُعطى موضوعيا. عقبات موضوعية وذاتية يواجه مترجمو العهد القديم العرب مجموعتين أساسيتين من العقبات، موضوعية وذاتية: الموضوعية بات من المؤكد أن العهد القديم كُتب بلغة »ميتة مجهولة القواعد وكثير من المفردات المستعصية، حتى يومنا هذا، على الفهم« كما يؤكد زياد منى، وهي على ما يبدو قد كُتِبَت بلغة أهل البلاد الأصليين »سفَت كَنَعَن« كما يرد في سفر يشعيهو. وتم تدوينه وإعادة تحريره، وفقا لمصلحة المجموعة التي تتبوأ السلطة بين اليهود (وأعدائهم) مرات عدّة، كما يشير إلى ذلك فلهاوزن (1844 1918) وكمال الصليبي... وزياد منى. ولدينا الآن نسختان أساسيتان منه؛ الأولى المتداولة بين اليهود والمسيحيين، والثانية المتداولة بين السامريين، التي تشتمل على الأسفار الخمسة الأولى فقط وتسمى Pentateuch، وباللغة »السامرية« وهي »لهجة آرامية«، بحسب أنيس فريحة، التي هي غير اللغة المكتوب بها العهد القديم اليهودي المسيحي. كان الأستاذ حسيب شحادة، المحاضر والباحث في اللغات السامية في جامعة هلسنكي بفنلندا، قد أتم بعد أكثر من عقدين من الزمن في البحث الجاد والمتواصل، في العام 2001، تحقيق ترجمة التوراة السامرية إلى العربية والعبرية، والتقديم لها في مجلدين هامين للغاية، صدر الأول في العام 1989، والثاني في العام 2001. كانت الدراسات التوراتية قد ازدهرت في فترة المد الاستعماري في الوطن العربي، نتيجة الدراسات والحفريات والمكتشفات واللقيات الأثرية، التي أثبتت أن القصص في العهد القديم ليس أصيلا، وإنما أصله تراث شعوب المنطقة. وبما أن هذا العمل لم يتم إنجازه بعد، لذا يمكن القول: إن فهمنا للعهد القديم لا يزال ناقصا. من الممكن أن تسهم »لفائف البحر الميت/ قمران« لو تُفتح لجمهور الباحثين في هذا الحقل، في حل بعض الإشكاليات وصعوبات البحث التوراتي. إلا أن سيطرة »إسرائيل« السياسية عليها، وفتحها تحت رقابة شديدة، وتآمر »إسرائيل« والكنيسة الكاثوليكية على إتلاف بعض اللفائف، كما يؤكد أحمد عثمان، يمسّ بالبحث العلمي للتوراة واليهودية (والمسيحية أيضا) ومحاولة الاقتراب من الحقيقة التاريخية. الذاتية العرب الذين قاموا بترجمة العهد القديم إلى العربية، هم مسيحيون مؤمنون متدينون ممن لهم باع طويل في الأدب والنحو والصرف العربي، إضافة إلى معرفتهم واطلاعهم الواسع وإيمانهم وتدينهم المسيحي. وبما أن المسيحيين يؤمنون أن العهد القديم لهذا سمي القديم مهَّد لمجيء يسوع المسيح، أي أنهم يفهمونه على ضوء إيمانهم. أي أنهم فعلوا بما يخص يسوع المسيح وأمه مريم، وكما يؤكد زياد منى: »تعقيب تأويلي أو قولبة دينية Exegical Elaboration))«. أي أن الترجمة ليست موضوعية ومحايدة. لذا يقرأ العرب العهد القديم، تَرْجَمَةً منطلقها الإيمان المسيحي العام. هذا عدا اختلافات الترجمة بين الطوائف المتعددة والمختلفة. بكلمات أخرى: تُحسِن هذه الترجمات إلى اليهودية، فهي تحاول إخراجها من إطار القبيلة إلى الإطار الإنساني، من عائلة الديانات النارية وإدخالها في عائلة الديانات المائية. إنها محاولة فقط. وبالطبع، هناك ميزة هامة للمترجمين العرب لا يتميز ويمتاز بها غيرهم من المترجمين إلى اللغات الأخرى، لأن اللغة العبرية التوراتية واللغة العربية، هما من أصل واحد والعديد من قواعد النحو والصرف واحدة، وناهيك عن تشابه الكلمات بين اللغتين إن جاز التعبير. مما تقدم نفهم وندرك صعوبة (وأحيانا سهولة) قراءة وفهم العهد القديم باللغتين العبرية (المعاصرة) والعربية. وفي القسم التالي من هذه المقال، سوف أحاول قراءة حادثة »اغتصاب حمور دينه«، كما تؤكد تفاسير العهد القديم والترجمات العربية له. قولي لن يكون القول الفصل في هذا المجال، وإنما محاولة نقدية لقراءة علاقة »حمور« ب»شِخِم« و»دينه«، وهل هم اسماء علم أم ماذا؟ ومحاولتي وصول الحقيقة، شبيهة ب»أمل إبليس بالجنة«! ترد قصة »اغتصاب حمور* دينه« في الإصحاح الرابع والثلاثين من »سفر برأشيت/ سفر التكوين«، أحد الأسفار الخمسة المكوِنة للتوراة. والقصة مكثفة تكثيفا عاليا، ومليئة بالخروق غير المنطقية. وخلاصتها، أن »دينه ابنة لِءَه التي ولدتها ليَعَقُب« خرجت لتشاهد بنات البلد. فشاهدها شِخِم ابن حمور الحِوِي.. واغتصبها... شَغُف بها وأراد الزواج بها. وعندما علم أبوها واخوتها، اشتطوا غضبا. وعندما تقدم شِخِم لخطبتها لولده، دبر الأخوة مكيدة ومصيدة للقضاء على آل حمور. وبعد أن أقنعوا شِخِم بضرورة اختتانه هو وجميع أفراد قبيلته، كي يصبح الزواج من دينه شرعيا. وفي اليوم الثالث لاختتانهم، قام أخواها، لِوِي وشمعون، وقتلوا جميع ذكور آل حمور ونهبوا المدينة؛ بحجة تدنيسه شرف أختهما. منذ بداية قراءتنا القصة نلاحظ أمرا غريبا للغاية، »دينه ابنة لِءَه التي ولدتها ليعقب« لماذا لم يقل النص: دينه ابنة يعقب من زوجته لِءَه؟ ولفهم هذا الموقف نعود بنا إلى حثيثيات علاقة، لا نقول زواجا لأنه لم يكن زواجا رسميا، يعقب بِلِءه. والحادثة كما يخبرنا بها الإصحاحان التاسع والعشرون والثلاثون من السفر ذاته، وخلاصتها: أن يَعْقٌب شغف برَحِل ابنة لَبَن وأراد الزواج بها. أما مهرها فكان عمل سبع سنوات في خدم لَبَن، فوافق يعقب. وعندما حان موعد الزواج، وأحد شروط الزواج بحسب اليهودية، هو العلاقة الجنسية. وفي ليلة الدخلة، أدخل لَبَن ابنته لِءه، عروسا إلى العريس الموعود... وفي الصباح عرف العريس أنه يَعْقُب قد خدعه، فواجهه قائلا: »ما هذا الذي فعلت بي! أليس برَحِل خدمت عندك؟ لما خدعتني؟«... وكي يتزوج يِعْقُب رَحِلَ، خدم عند يعقب سبع سنين أخريات. (صدرت فتوى بتحريم الزواج الضرائري بين اليهود، لأول مرة في القرن العاشر في أوروبا). نفهم مما تقدم أن علاقة يعقب بلِءَه لم تكن علاقة زواج إطلاقا؛ لأن من شروط الزواج (أيضا) العقد وموافقة العريس (لا دخل للعروس بهذا)، وقد غابا كليا من هذا السياق. والسؤال هو: ما هي علاقة دينه بهذا؟ وتتمة القصة، هي حثيثيات ممارسة لِءه الجنس مع يعقب وحملها منه وولادة دينه. بعد زواج يَعْقُب من رَحِل، اتفق مثلث العلاقة والزواج على تقاسم الأيام بين يعقب ولِءه، ويعقب ورَحِل. ونتيجة لهذه العلاقات البدائية، أنجبتا لِءه ورَحِل عدة أبناء وبنات. وفي أحد الأيام، عندما كان رءُوبِن، ابن لِءه عائدا من الحقل ومعه لُفاحا، طلبت رَحِل من لِءه أن تعطيها منه بعض الشيء. وعلى ما يبدو كانت العلاقة بين الاثنتين متوترة، فردت إليها غاضبة: »أقليل أنك أخذت رَجُلي (وليس زوجي) فتأخذين لفاح ابني أيضا؟«. فردت رَحِل مقايضة إياها قائلة: »إذ يضجع معك الليلة عوضا عن لفاح ابنك«. وعندما عاد يعقب مساء »خرجت لِءه لملاقاته وقالت: »إلي تجيء لأني استأخرتك بلفاح ابني«. ونتيجة لهذه الليلة أنجبت لِءه دينه. أي أن دينه وُلِدَت نتيجة لعلاقة جنسية غير شرعية بالكامل. لِءَه«يصءَنيت/ العاهرة/ الداشرة« بالطبع لم يرق سلوك لِءه لمفسري وفقهاء العهد القديم. لقد قدح ر.ش.ي (رابي شلُمُه بن يصحق/ 1040 1105)، أحد كبار الفقهاء، بلِءه واصفا إياها، لأنها »خرجت لملاقاته«، بال»يصْءنيت« خارجة«. والترجمة العربية لا تفيدنا بشيء، لذا وجب إعادة النص إلى الأصل العبري. وال»يَصءنيت« هي العاهرة أيضا. ونبهتني إحدى الصديقات، إلى أن الترجمة المُثلى هي »الداشرة«، الصفة التي تُصَف بها النساء اللواتي يخرجن لسبب أو آخر عن أطر وقيم المجتمع. و»داشرة«، تحمل بطياتها بعض الصفات الإيجابية، مثل قدرة هذه المرأة، التي جنى عليها المجتمع، على التأقلم. وعلى ما يبدو ستلاحق أفعال الأم ابنتها. تبدأ القصة التي نحن بصددها بالقول: »وتِصِه دينه/ وخرجت دينه«... ويستمر ر.ش.ي القول »مثل أمها خارجة/ يَصءنيت«، أي »داشرة مثل أمها«. أما التفاسير الأخرى فتجمع على أنها خرجت دون إذن أو علم أهل بيتها. أي »طَفْشَت«. هذه البداية تؤهلنا لفهم طبيعة علاقتها مع حمور. ثم يضيف النص: »وشاهدها شِخِم بن حمور الحِوِي وأخذها واضجع معها وعذبها«. هل تم الاغتصاب فعلا بحسب الترجمة العربية؟ مما تقدم نفهم أن هناك شكوكا بصحة التفاسير اليهودية والترجمة العربية، وعليه يجب العودة إلى النص الأصلي. »وأخذها« في الأصل »وَيِقَح ءُته«. والفعل »وَيِقَح«، يحتمل أكثر من معنى. يمكن فهمه على أنه أخذ الشيء بالتراضي أو عنوة، أو/و علاقة جنسية بالتراضي أو عنوة، أو/و زواجا، أو/ التلاقح؛ لأن الاشتقاق »لوقحين«/ »قِيحَه« معناه الزواج في العهد القديم والتلمود. أي أن الحالة »وَيِقَح ءُته« تحتمل أكثر من معنى. وفعلا عندما توجه حمور إلى والده شِخِم، كي يخطب دينه، قال له: »قَح لِي إتْ هَيَلْده هَزُت لِءِشَه«، ومعناها: زَوِّجني هذه البنت. إذا لماذا عذبها؟ يساعدنا النص الأصلي على الفهم، أن سلوك دينه كان مشكوكا به. مرة يصفها ب»نَعَر« ومعناه: فتى (ولم يذكر المؤنث: »نَعَرَه«)، ومرة يذكرها ب»يَلْدَه« ومعناها: بنت. لماذا؟ بالطبع، أشغل هذان الوصفين المفسرين والفقهاء، وقد أجمعوا أن استعمال »يَلْدَه« هو للدلال. إلا أني أعتقد أن هناك سببا آخر: إن سلوكها غير المنضبط اجتماعيا، وخروجها من البيت دون إذن أبيها أو/ واخوتها، جعل النصّ يصفها ب»الفتى«، والتي تعادل: المستزلمة والمسترجلة، على اعتبار أن الفتيان دون الفتيات، يحق لهم خرق الضوابط الاجتماعية والخروج من البيت دون إذن، دون أن يتعرضوا في العادة إلى مساءلة، أو وصفهم بصفات سلبية على العكس، قد تكون هذه الصفات إيجابية. وبما أني استبعد عملية الاغتصاب، يمكن تفسير سلوكه كالآتي: قد يكون حمور ساديا (السادية شائعة بالعلاقات الجنسية)، وقد يكون، وعندما قضت دينه وطرا منه، أراد الاستمرار... رفضت فضربها بعنف، وبما أنه شغف بها، عرض عليها الزواج، وعندما رفضت عذّبها، وقد تكون فرية من قبلها. وقد يكون الاغتصاب ادعاءً من قبل محرري النصّ، كي يبرروا المجزرة. لذا وعندما تقدم والد حمور إلى والد دينة لخطبتها، تقدم إليه بصورة عادية جدا، وكأن أمرا من هذا القبيل لم يحدث. هل يعقل هذا!؟ نعم يُعقَل، كما سنرى لاحقا! والذي يساعدنا لاستبعاد عملية الاغتصاب هو النص نفسه؛ اخوتها غضبوا لأن حمور »ضاجع« أختهم و»دنسها«. ولو أن الاغتصاب قد حدث فعلا، لذكر النصّ الاغتصاب صراحة. نذكر: الاغتصاب وعقوبته مذكوران في العهد القديم، والعقوبة هي تعويض أبيها/ أخيها/ زوجها. ولهم الحق الكامل بصرف هذا التعويض كاملا. أما في حالة غيابهم، فقد اختلف الفقهاء... هل تمت المجزرة فعلا؟! يخبرنا النصّ أن حمور شغف ب»دينة ابنة يَعْقب« سنحلل هذا النسب لاحقا لذا أرسل والده، شَخِم، كي يخطبها. ويضيف: »سمع يَعْقُب أن (حمور) دنّس دينه«. مرة أخرى: لا ذكر لحادثة اغتصاب. والتدنيس هنا أن غريبا/ goy مارس الجنس مع يهودية، إذ لا يجوز لليهودية حسب الشريعة أن تمارس الجنس مع غير اليهود إطلاقا. أما التدنيس في اليهودية، ممارسة المرأة الجنس مع غير زوجها، وممارسة الجنس مع زوجها، ليس وفقا لشروط الطهارة، كما يذكرها الرمبام (1135؟ 1204) في ال 613. وما غضب اخوتها إلا لهذا السبب، ممارستها الجنس مع غريب. لذا وعندما تقدم شَخِم لخطبتها لولده حمور، ومصاهرة ومشاركة أهلها في الحياة الاجتماعية في البلد، نصب الأخوة مكيدة لآل حمور من الذكور، إذ اشترطوا عليه أن يُخْتتنوا. وعندما فعلوا هذا، وفي اليوم الثالث لاختتانهم، هاجمهم أخوا دينه، شمعون ولِوِي، وقتلوا جميع المختونين... سَبُوا النساء، وسلبوا جميع ممتلكاتهم! هل هذا منطقي؟ بالطبع لا. هل يعقل أن أحدا منهم لم يتمكن من امتشاق سيفه أو رمحه ليقتل واحدا من المهاجمين، أو كليهما؟ هل يعقل أن النساء لم يدافعن عن أنفسهن؟! ويعقل في حالة واحدة فقط: إذا كان حمور وأبوه هم كل آلِهِ، والمهاجمان فعلا شمعون ولِوِي! لقد ذكرنا أن النص يذكر »دينه ابنة لِءَه« مرة، وقد شرحنا السبب، ويذكر »دينه ابنة يَعْقُب« مرة أخرى، لماذا؟ يبدو أن لهذا النسب له طابعه القانوني: سواء كانت دينه مغتصبة أو مدنسة، يحق لوالدها مقاضاة الفاعل؛ لأنها جزء من ممتلكاته بحسب إحدى الوصايا العشر: »لا تشته بيت قريبك: ولا خادمه ولا خادمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئا مما لقريبك« (خروج 20: 17). وبحسب النص، تم التعويض، بمقتل الذكور وسبي النساء والسطو على جميع ممتلكاتهم. إن تأكيد النص على المجزرة والسطو على الممتلكات، ينسجم كليا مع العقلية التوراتية المعادية للآخر عداءا مانويا رغم رغبة ونية آل حمور بمصاهرتهم ومشاركتهم الحياة الاجتماعية. أي أن يمكن فهم المجزرة فهما مجازيا. بقي أن نشير إلى أن »حمور« كما يكتب في الأصل هو الحِمار! ويساعدنا على التمسك بهذه الترجمة، هي صفات التياسة بحسب النص ولأنه لم يفهم ويعي عقلية آل يَعْقُب وعداءهم لآله.. لذا وصفه النص ب»حمور« وهي الحمار! (كان الدكتور دان باين، وهو قاضٍ متقاعد ومحاضر، في كلية »شَعَري مِشفاط/ بوابات القضاء« في مستعمرة »هود هَشَرون« للقانون، قد أعطى طلبته اختبارا بيتيا، في إطار القانون الجنائي يستخدم خصومة بين عائلتين: أسرة اسم والدها يعقب وابنته دينه، والعائلة الثانية، »اسم الأب حَمور (حمار) وأولاده جنين ونابلس وقلقيلية«. الطلبة العرب اعتبروا أن استخدام الاسم »حمور/ حمار« إساءة لهم. وعندما تسربت المعلومات للصحافة، حاول الأستاذ القول إن »حمور« اسم علم مذكور في التوراة. وعندما لم يقبل الطلبة هذا التفسير، اعتذر! كان حريا بالأستاذ أن يعلن منهجه في التفسير، هل هو من أتباع مدرسة ال«فشَط/ البسيط« أم ال»درَش/ التكليف«، كي نقبل اعتذاره أم لا! قد يكون اسم علم، إلا أنه حمار، لأنه لم يفهم ما يحصل له في تاريخه المديد مع آل دينا)! أما دينه هي الأخرى ليست اسم علم. فلو كان اسم علم لكُتبت منتهية بالألف، هكذا: دينا. والذي يساعدنا على هذا هو ذكر اسم العلم دينا هكذا شائع بالتلمود، ويكتب منتهيا بألف. وإلى يومنا هذا لا يزال اليهود المتدينون يكتبون اسم العلم »دينا« منهيا بألف. أما غيرهم من اليهود، فيكتبونه دون اعتبار لقاعدة أو خلفية؛ »دينا« و»دينه«. أما المعنى دينه، فهو مشتق من »دين« ومعناه القانون والعرف والعادات والحكم. وقد نترجم »دينه« بمعنى حكمها، أو عدالة بحسب العقلية والشريعة التوراتية المعادية عداء مانويا للآخر. وعندما راجعت ترجمات العهد القديم بالإنكليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والروسية واليونانية، وجدت أنهم اعتبروا حمور ودينه اسما علم. أما القاموس الكتابي اليوناني إنكليزي فقد نوّه إلى أن معناها: justice التي هي العدالة. ولإقامة العدالة وتثبيتها، هناك أدوات... ما من واحدة مذكورة في النص. لذا أفضل ترجمتها: حكمها. وال justice أصلها لاتيني: juste وتعني الإنسان المستقيم والعادل والصادق العادي. ويبدو أن أصل الأمور العادية، هي الاستقامة والعدالة والصدق. هكذا كان حمور وأهله أناسا عاديين. أما شِخِم هو الآخر، معناه: الكتف/ السند، وعندما ينهار منطق السند، تنهار المجموعة كلها؛ هذا ما حصل له عندما عرض منطقه العادي مقابل المنطق التآمري، غير العادي. وبعد: هذا المقال ليس إلا ملاحظات ونموذجا أوليا، في سبيل دراسات توراتية أكثر رصانة؛ طبقة أولى من طبقات البحث الذي يسبق الترجمة. باحث في مقارنة الأديان ([email protected]) * ستكتب جميع أسماء العلم، بطريقة نسخ الأحرف كما ترد في المصدر، ولن تحرك بالكامل، لأن الحركات الرئيسية والثانوية للغة العبرية المكتوب بها العهد القديم، وعددها عشر، كما حددها حكماء طبريا في القرن السابع الميلادي، لا تتسع لها حركات اللغة العربية الثلاث. لذا أقدم اعتذاري سلفا للقراء والقارئات الذين لا يجيدون اللغة العبرية، ويستصعبون قراءة الأسماء كما ترد في المصدر.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة