ظلت شهرزاد تغزل الحكايات دون كلل، الواحدة من رحم الأخرى، لتسلية الملك المطعون في رجولته وسطوته ولشفائه من هواجسه وجروحه، تثنه عن عزيمته التي لا رجوع عنها في اغتصاب النساء، وقتل واحدة منهن في كل ليلة، مؤجلة موتها الى ما لا نهاية بفضل أساطير مليئة بأبطال ذوي سطوة خارقة لا تهزمهم العثرات والحواجز، وبنساء من كل الألوان، وبأزمنة وأمكنة خرافية وطقوس حسية مبهرة، تقوم على تمجيد الحواس والملذات، محولة السرد الى منبع لذات ووقائع بديلة عن الحياة وباعتمادها السرد كوسيلة خلاصية وحيدة، تحول شهرزاد الملك المتغطرس المجروح شهريار الى طفل ناقص التجارب والخبرات، قاصر عن التعامل الفكري مع الحياة ووقائعها وعن إعادة التوازن بينه وبين المحيط الإنساني حوله، وبينه وبين قيود العالم الخارجي وأخطاره، ويحتاج الى الخيال والحلم لاستعادة توازنه. بعد ألف ليلة وليلة، خرج شهريار أكثر ثقة بنفسه وقبل واقعه كزوج مخدوع بمزيد من القوة متخلصا من إحباطه ومآزمه وقطيعته مع الحياة، مسقطاً على أبطال الروايات صراعه وأزمته ولكن بأي ثمن وأي صور للنساء وأي صورة للعلاقات بين النساء والرجال قدمت له على طبق من فضة. ترتكز دينامية علاقة النساء بالرجال من »الليالي« على ثنائية: فمن جهة يسيطر الرجال على النساء وأجسادهن سيطرة تامة وتستباح هذه الأجساد فيما يطلب الى النساء الالتزام بالنظام التراتبي القائم على كبح ذواتهن وإلا هددن بكل أنواع العقوبة بما فيها القتل. وعلى غرار استباحة شهريار لجسد ألف امرأة، كانت أجساد النساء في الليالي مستباحة ومهدورة، يأتي بقوافل منهن الى حظائر الخليفة أو الأمير، تساعده في ذلك مختلف السلطات المجتمعية والقضائية والدينية. وفي مجتمع الليالي يتم تسليع جسد المرأة بقدر ما يتموضع الخلفاء والأمراء والرجال في حقل الثروة والسلطة والجنس، رافعين سيوف وصايتهم فوق رؤوس النساء، معتبرين أن المرأة قاصر وأنها متعة للرجل السيد، وخادمة له ولأولاده، يكفي أن يعجب رجل نافذ بامرأة حتى تجلب إليه، فقصور الخلفاء كانت تعج بقوافل الجواري التائقات لمباركة سيدهم فهو يشتريها أو تهدى إليه أو يغتصبها بالقوة. بأية حال تتناغم علاقات الرجال بالنساء في الليالي بعلاقات السلطة العباسية بشعبها، فالسلطة في »ألف ليلة وليلة« تعسفية واستبدادية مفصولة عن مجتمعها، ومفصولة حتى عن أقرب الناس إليها، وما يهم السلطة من نساء مجتمعها هو الجنس، باعتباره غاية مطلقة وكلية، والسلم الحقيقي لصعود أو هبوط المرأة ولتأكيد سلطة الحاكم المطلقة وغير المسؤولة. وهذه العلاقات الغرامية التراتبية هي على شاكلة مجتمعات الليالي، التي تكرس سياستها واقتصادها لفرض علاقات استلابية بين سيد وعبد، بين غني وفقير، بين حاكم ومحكوم، بين رجولة فائرة بالجنس وأنوثة لا تستطيع إلا أن تكون خاضعة لهذه الرجولة، ممتصة لأرقها ونزقها وتوجهها الجنسي. والبنى الاجتماعية والمعرفية لليالي وليدة المجتمع العبودي من مماليك وخدم وجوار وقوادين وقهرمانات ومخصيين وغلمان. ومن خلال هذه البنى المعرفية يظن الخليفة أو الأمير نفسه أنه الأزلي أو الكلي، إنه المعشوق الأول أو الرجل الأول، والعقل الأول، إنه ظل الله على الأرض وما على نساء المملكة أو الإمارة، عذراوات أو متزوجات، أبكاراً أم لا، إلا أن يرضخن لنزواته متى فارت، فتصبح كل النساء، أجسادا وظيفية تتركز مهمتها بالدرجة الأولى على الترفيه عن الرجل. ورغم استباحة أجساد النساء لصالح ذوي النفوذ تخضع النساء لنظام صارم يقضي بعدم تقرير مصيرها، ولا باختيار موضوع رغبتها بنفسها فتضخم رغباتها وتؤسطر ويبرز التأديب بالقتل كوسيلة لإعادة النظام والتوازن وإحقاق سيطرة الرجل. ولكن الليالي تحاسب المرأة وتترك الرجل حراً طليقاً، فسوف نرى في هذا البحث مصير الخيانات الغرامية التي يرتكبها الجنسان، وكيف تقمع المرأة ويعذر الرجال، في آلية تقضي بتجنيس الفضيلة وتحميل المرأة مسؤوليتها. الحكاية المؤسسة تتأسس الليالي على »جريمة شرف« فالملك شهريار رمى عنق زوجته بعد أن ضبطها بالجرم المشهود مع »عبد أسود«، »العبد«، بالإضافة الى دونيته، رمز جنسي كما هو معلوم، ولم يكتف شهريار برمي رأسها بل رمى أعناق الجواري والعبيد مجتمعين، وعزز موقفه توافق حاله وحال أخيه »شاه زمان« الذي تعرض للتجربة ذاتها مع زوجته التي خانته هي الأخرى مع عبد أسود وزاد الطين بلة تعرضهما معها لضغوطات »امرأة الصندوق« العروس التي خطفها الجني يوم عرسها ومنذ ذاك راحت تضاجع الرجال بالقوة وفي كل مرة تحتفظ بخواتمهم من أجل الإحصاء والذكرى، محولة الرجل من فاعل الى مفعول به حتى بلغ مجموع خواتمها خمسمئة وسبعون خاتماً! وشرع بعد هذه المشاهدات والخبرات السلبية، في حكمة الإرهابي كلما يأخذ بنتا بكرا يزيل بكارتها ويقتلها في ليلتها، ولم يزل على ذلك مدى ثلاث سنوات. فضجت الناس وهربت ببناتها ولم يبق في تلك المدينة »بنتاً تتحمل الوطئ«، أي أنه ارتكب حوالى ألف جريمة قتل، ليشفي غليله ويروي ظمأ الانتقام، ولاسترداد ثقته برجولته بمعناها البيولوجي البحت، تلك الرجولة التي صارت على المحك منذ خانته زوجته، وكأنه عاشر مئات النساء بحثا عن هذه الرجولة الضائعة أو المهملة، وكأنه بقتل من يضاجع يضمن عدم خيانتها له، مقدراً أن كل واحدة منهن خائنة بالقوة. ولم ينقذ الملك الموتور من عصابه وهوسه إلا شهرزاد التي حشدت سير الملوك المتقدمين وأخبار الأمم الماضية وكل ما قرأت من أجل تسلية وإمتاع الملك العصابي وتأجيل استحقاق موتها، هذا الموت الذي كان يؤجل لمجرد أن الملك يريد معرفة الحكاية ليتسلى ويستمتع بالمشاهد والمتع الحسية، من موسيقى وغناء وطرب وأكل وشرب وجماليات بصرية، ويموّه عن خاطره المكسور بأساطير الأولين والراهنين، ولما زال تشنجه وتخلص من هواجسه وعفا عنها، قبلت شهرزاد يديه وقدميه، والأرض بين رجليه، معتذرة عن ذنب لم تقترفه، وأهدته بعد كل هذه الجهود 3 ذكور لم يتخللهم أنثى واحدة لكي تفوت عليه فرصة التخلي عنها طالما لم يقتلها. وفوق ذلك أدبت كل النساء الخارجات عن النظام التراثي القائم وأزهقت أرواحهن بعد أن بينت انفلات غرائزهن وتماديهن. شهوانية النساء الأسطورية من جهة أخرى وبما أن النساء لا تتشابه وبما أن »الليالي« تكرس ميولهن الشهوانية الجامحة، بدءاً بالحكاية التأسيسية، حكاية شهريار وشاه زمان وحكاية »امرأة الصندوق« تلجأ النساء الى أساليب ملتوية للفوز بالرجال الذين تشتهين كما في »العاشقة ولغة الطير« حيث تستفيد إحدى الزوجات من ترجمة لغة الطيور كي تستميل من أعجبت به، و»تتمتع« به، و»امرأة الصندوق« التي تشتهي كل الرجال بدون استثناء تحتفظ بخاتم كل من ينام معها، وتجاوز عدد خواتمها المئات، ويقع في عداد ضحايا »شهريار« وأخوه »شاه زمان« المجروح هو الآخر، لخيانة زوجته له، وزوجة سلطان »الجزائر السود« تغادر في كل ليلة فراشها الزوجي بعد أن تخدر زوجها لتلاقي عشيقها »العبد الأسود« وتنتقم من زوجها لأنه ضرب هذا الأخير وأسقمه فتسحره وتحوله »نصف بشر، نصف حجر«، وزوجة المعلم »عبيد الجوهري« تقيم سرداباً يصلها »بقمر الزمان« الشاب الجميل المدلل الذي عشقته حالما وصف لها وعملت ما بوسعها لاستحضاره وإغوائه والمحافظة عليه، حتى أنها غادرت بيتها الزوجي للحاق به، وزوجة البدوي في حكاية »الأحدب والنصراني والمباشر واليهودي والخياط« تراود الأخ السادس للمزين وتتعرض له، كلما خرج البدوي وهو يتمنع »حياء من الله، فتبدو النساء خائنات عهود وعقود، وتبدو علاقاتهن ومساعيهن غير مشروعة ومدانة، خلافاً للرجل. تمعن الليالي في أسطرة شهوانية النساء وجنوحهن الى إرضاء رغباتهن الإيروسية في البيئة العباسية. في حكاية »وردان الجزار وصاحبة الكنز« تلجأ المرأة الى وسائل غير مألوفة لإشباع نزوعها الجنسي أكان أخلاقيا أم دونياً، ويدخل في المنحى الأسطوري والخرافي، إلا أن ترفض المرأة وهب جسدها لوردان الجزار، لتهبه لدب يضاجعها عشر مرات، وهذه المرأة شاذة في منظور العرف الاجتماعي والأخلاقي والديني والقواعد الطبيعية. وفي »داء غلبة الشهوة في النساء« يتعلق قلب ابنة بعض السلاطين بحب عبد أسود افتض بكارتها وأولعت بالنكاح فكانت لا تصبر عنه ساعة واحدة، فكشف أمرها الى بعض القهرمانات التي أخبرتها »أن لا شيء ينكح أكثر من القرد« وابنة السلطان هذه محرومة من الجنس، فتهرب بالقرد الى الصحراء. وفي الحكايتين إدانة واضحة لفوران المرأة الجنسي الموصوف كمعطى طبيعي غير مفتعل، وإدانة أخرى لمحاولة هذه الأخيرة إرضائه بطرق »غير مشروعة«، وفيما تدان النساء للهاثهن وراء اللذة »الحيوانية«، تمجد سلطة الرجال الجنسية على كل من تقع تحت نظره وسمعه ويميل لها »قلبه«. في سياق هذه المكائد، تقاوم النساء الوفيات لأزواجهن أو عشاقهن، الرجال المتوددين الكائدين كما في »حكاية امرأة والمعجبين الخمس« أو »حكاية الملك وزوجة الوزير« أو »حكاية اتهام غير عادل في زوجته« ففي الحكاية الأولى تقاوم الحبيبة إغراءات الملك والقاضي والوالي والكاتب والنجار، وفي الثانية إغراء الملك وفاءً لمن تحب، وفي الثالثة تقع ضحية مكيدة دبرها عاشق لم تكترث له، فيما لا يتم ذكر رجال قاومن اغراءات النساء وفاء لزوجاتهم، وفي حال تجاوبوا لاغراء النساء فتجاوبهم مباح، فيما تتعرض هذه الاخيرة للعقاب. وهكذا تبدو المكائد والمساعي متبادلة وعلى قدم المساواة او مشتركة كما في »حكاية التاجر وامرأته بديعة الجمال«، إلا ان العقاب ليس جديراً إلا بالنساء: ففي »قمر الزمان وزوجته الجوهري« وفي »حكاية الحمال مع البنات« و»الصبية والتفاح وريحان العبد« و»اتهام غير عادل لزوجته« يقتل الازواج او العشاق نساءهم، »فالجوهري اتكأ على زمان حلق زوجته وكسرها«، وفي حكاية »الحمال والثلاث بنات« اخذ العفريت جرجريس السيف وقطع اطراف ورأس فتاة كان اختطفها ليلة زفافها واحتجزها لمدة 25 عاما لانها طلبت من صعلوك ان يقيم عندها في عزلتها ويؤانسها ولانه ضبطها وهي »تزني بعينيها« لمجرد انها اشارت لهذا الاخير »بعينيها«، ولا يستدرك الزوج افتراء على زوجته في »الصبية والتفاح وريحان العبد« او في »اتهام غير عادل لزوجته« إلا بعد فوات الأوان، اي بعد خنقها. اي انهم لا يطيقون الانتظار حتى التأكد والتحقق من افعال زوجاتهم، فليس من يحاسبهم او يطالبهم بالتروي. ولا تملك النساء المهملات من اجل اخريات إلا المكائد للتخلص من منافساتهن كما هي حال زوجة هارون الرشيد التي تكمن وتكيد للجارية الجميلة »قوت القلوب«، وتحاول دفنها حية كي تتخلص منها وتوهم الخليفة، المأخوذ والهيمان بها، انها ماتت، وفي حكاية »الاحدب والنصراني والمباشر واليهودي والخياط« تقتل ابنة »صاحب دمشق ووزيرها وحاكمها« اختها الصغرى بعد ان شجعت عشيقها على النوم معها ولما تم الامر وجدت هذه الاخيرة في اليوم التالي مقتولة وقد »تدحرج رأسها عن بدنها«. وكأنهن يعذرن الحبيب او الزوج، ويحمّلن المرأة وحدها المسؤولية. وقد تكون الحبيبة اكثر من متسامحة، فعزيزة تساعد خطيبها وابن عمها وتمهد الطريق له كي يفكك اشارات ورموز وحيل معشوقاته، في حالة من نكران الذات والتضحية لا مثيل لهما. وفي حكاية »الحشاش مع حريم الاكابر« تواجهنا اسطورة زنى الزوجة (المعاكسة لزنى الزوج)، اذ تكشف الحكاية على لسان الزوجة اسباب زناها مع ما تسميه »اوسخ الناس«، كرد على زنى زوجها، الذي رأيته راقداً مع جارية من جواري المطبخ، وهي من النساء النادرات اللواتي ينتقمن مباشرة من الزوج لا من حبيبته، بتقليده لا بقتله، كما يمكن ان يفعل الزوج، وتعامله معاملة الند للند، ولا ننسى ان الجارية جارية مطبخ لا جارية بلاط. الرجال المعذورون بالمقابل »قمر الزمان« الذي تواطأ مع زوجة التاجر »عبيد الجوهري« وقبل بتركها منزلها وزوجها وبلادها، اذ رحلت من البصرى الى مصر، ما لبث ان اهملها بناء على رغبة ابيه الذي زوجه ابنة »شيخ الاسلام«، واقيمت من اجل فرحه الولائم والضيافات، ولقد برأه من المسؤولية، زوج عشيقته نفسه وواساه. وحده تاج الملوك كاد ان يشنق لانه ضبط وهو يغازل الاميرة دينا في عقر دارها، اي تجاسر على بنات الملوك دون ان يعلن هويته الملوكية، ولكنه ما لبث ان نجا، وكان لا بد ان ينجو حتى تكتمل اللوحة الطبقية، فهو ايضا ملك ولكنه مقنع، ولما كشف هويته استقوت الاميرة دينا وراحت تهدد أبيها ان هو تعرض له. والملك عمر النعمان، الذي اقتنى ألوف النساء، ظل ناجيا من العقوبة حتى اعتدى على امرأة من عمر آخر: الملكة ابريزا ابنة ملك الروم، متسببا فوق ذلك بموتها اثناء هروبها فخطط هؤلاء لقتله انتقاما لكرامتهم وعرضهم واقتصاصاً من خصمهم السياسي والعسكري. و»عزيز« حصد الخيبة فحسب وندم على فعله لانه استهان بإخلاص ابنة عمه »عزيزة« بعد ان حاول اغراء مجموعة من النساء »المستهترات«، وكان عقابه الندم لا غير، وذنبه يقع على آخرين طالما خضع لنساء مستهترات، وكانت نهاية »عزيزة« »ضحية المستهترات« الموت تحسراً. والرجال لا ينجون فحسب بل تتوفر لهم كل نساء الارض، اذا امتلكوا سلطة او مالاً ولا يطلب إليهم الاكتفاء بامرأة واحدة، وهم أحرار في ان يشتهوا من يريدون. وقلما ترد تفسيرات او تبريرات لهذه المواقف التي تميز بين تجاوزات المرأة والرجل »الجنسية« وحدة »الديوث« (كما يلقبونه في الليالي بدل اسمه الحقيقي) وجد لنا القاعدة السحرية مطمئنا والد »قمر الزمان« بأن »ولده ما عنده ذنب لان الرجال لها طمع في النساء وعليهن ان يتمنعن عن الرجال«، اي ليس على الرجال ابداء اي مقاومة، ولو دخل هؤلاء بكامل ارادتهم في اللعبة، اي على النساء مقاومة الاغراء والامتناع عن المبادرة به، والا يتعرضن للقتل وتغدو معاقبتهن ومعاقبة المرأة المتمردة على الاعراف مسؤولية جماعية، اذ ان التاجر »عبد الرحمن« والد »قمر الزمان« في حكاية »قمر الزمان وزوجة الجوهري« احتجز الزوجة، عاشقة الابن وجاريتها في قصر عال وقفل عليهما وقيد بهما جارية سوداء توصل اليهما اكلهما وشربهما وقال لها: انت وجاريتك تستمران محبوستين في هذا القصر حتى انظر لكما من يشتريكما وابيعكما له فحولهما الى ملكيته الخاصة، »وكأن القضية قضيته« والمسؤولية عامة، فعلى المجتمع المبادرة في العقاب. واعادة الامور الى نصابها. إلا ان هناك حالة استثنائية تتحول فيها المرأة الى مبادرة وتعاقب بنفسها الرجل الذي استأنس بغيرها. إذا كان الرجل ذو النفوذ السياسي والمالي يستبيح كل جسد يثيره ويحاول الاستئثار به، بالضغط او بمزايدات او بتجيير القوانين الدينية، إلا ان بعض النساء في مواقع السلطة، تلك التي يكتسبنها بعلاقة رحمية بيولوجية، زوجات او اخوات او بنات ملوك، سلاطين او وزراء، يقلدن الرجال، ويحولن الرجل من مبادر وفاعل في العلاقة الغرامية الى موضوع جنسي: من كان موضوعا، اي المرأة، يتحول الى ذات والعكس، وهن في الليالي يخترن عموما من دونهن مرتبة، العبيد السود عموما، كزوجات »شهريار« و»شاه زمان« وزوجة صاحب الجزائر السود، وفي »حكاية الرشيد مع الجوهري«، تخترق شخصية انثوية، هي دنيا البرمكية، الجدار الذكوري وتتخلص من دونيتها مستفيدة من نفوذها وتتحول الى صيادة رجال. تعجب دنيا، بنت الوزير يحي خالد البرمكي، وأخت الوزير جعفر البرمكي ب»محمد علي الجوهري«، تطارده الى سوق التجار بحجة شراء عقد، وتصحبه معها الى منزلها تمهيداً للوصول الى جسده، اغوته بحسنها وزينتها وعرضت عليه الزواج وعقدت عليه. وأقامت معه شهراً غرامياً كاملاً، لم ير الجوهري طيلة حياته الاجتماعية والجنسية، اطيب من الليلة التي يخلو فيها الى جسد هذه السيدة. وتستمر دنيا بتأدية دورها الذكوري حين تخرج الى الحمام وتطلب الى الجوهري إلا يغادر المنزل: »وقد عزمت اليوم على المسير الى الحمام فاستقر انت على هذا السرير ولا تنتقل من مكانك الى ان ارجع اليك وحلفني على ذلك«، اي ان دنيا تحافظ على الجوهري كأحد ممتلكاتها، لانه مصدر لذتها. إلا ان الجوهري لم يتمكن من الوفاء بوعده، ودون قصد، اذ لبى دعوة السيدة زبيدة بالحضور الى قصرها للاستمتاع بظرفه وجماله وهيئته، ولما عادت دنيا، وبدل ان تتجاوب مع محمد علي الذي كان يداعبها، رفسته ورمته فوق السرير وراحت توبخه وطلبت ان تضرب رقبته »لانها طعنت بأنوثتها ولا تقبل، كالذكوريين في الليالي، ان تشاطرها امرأة اخرى جسد من تحب وكادت ان تقطع رأس الجوهري لولا شفاعة الجواري له، ولم يهدأ روعها إلا بعد ان ضربوه على اضلاعه ورحل بعيداً عن القصر، حاملا على جسده سطوة المال والسياسة. موقع دنيا البرمكية السياسي والمالي منحها امتيازات الرجال السائدة في مجتمع الليالي إلا ان السرد لن يجاريها في مراميها ونزواتها ويتدخل لانقاذ الجوهري في الوقت المناسب مبقيا على علامات السلطة على جسده مذكرة ان ثراءه لا يكفي لمجاراة ذوي السلطة السياسية والعسكرية والمالية. الا ان نموذج دنيا البرامكية، عدا عن كونه نموذجا نادرا في مجتمع الليالي الذكورية، لا يكفي لتشكيل نمط، فهي تصطاد رجلا لتعقد عليه، وتحرص عليه، بينما يستبيح رجال الليالي النافذين الجواري لليلة واحدة، يفضلونها بكراً ويتركونها مثقوبة الجسد والذاكرة. وهكذا وامام هذا المشهد »الخياني« تعاقب الزوجات والحبيبات بشكل جذري لا عودة عنه، فيما يبقى الرجال يسرحون ويمرحون، ما عدا »العبيد السود« الذين يدفعون ثمن تجرؤهم على اقتسام زوجات اسيادهم ويذهبون ضحية لونهم ووضعهم الاجتماعي، وفي الاحوال والوضعيات الاخرى يجد لهم السرد اعذاراً ومبررات وتقنيات انقاذية. وهكذا تتجذر »جريمة الشرف« الانثوي في اللاوعي العربي وتجذر معها تجنيس (جنسوية) الخيانة، ويتغلغل التمييز في اساطيره ومروياته، وتستخدم هذه الجريمة، في الواقع والمتخيل، كأوالية مقاومة ضد اي تحول في علاقات القوة بين الجنسين. ونساء الليالي المخترقات للنظام الاجتماعي القائم، او المستهترات به صدفة او عن قصد والمتعرضات للفناء، تذكرنا بأن المجتمعات الابوية تعتبر القوة الجنسية للمرأة شيئا شيطانيا يهدد بنيان المجتمع، ومهمة شهرزاد الحضارية تقضي بأن يخضع النساء والرجال للنظام الطبقي الجنسي وإلا حصلت كوارث واختلت الموازين الاجتماعية، وليس عبثا عن تكون حكاية »امرأة الصندوق ذات الحاجات الجنسية المتورمة التي قامت بقلب الموازين وممارسة دور الرجل التقليدي النافذ ذاك الذي يستبيح كل النساء دون ان يرف له جفن، جرت شهريار الى وضع خطة للتخلص من كل بنات المدينة كي لا يبق منهن امرأة تتجرأ على اختراق النظام القائم. »جريمة الشرف« المتخيلة التراثية هي اذا احدى ضوابط النظام الابوي الذي يقوم على وصاية الرجل على حيوات النساء وعلى ضبط رغباتهن من اجل استمرار سلطته وبناء مجتمع »مثالي« يعم فيه السلام بين الرجل السيد والمرأة المسودة، وكان من المحتم على شهرزاد ان تتولى المهمة وتردع النساء ضمن استراتيجيات تتواطأ فيها مع الرجل، مفضلة التصالح مع النظام على المجابهة. إلا ان صور العنف الاجرامي السائدة في »ألف ليلة وليلة« تتعارض مع مشاهد وتعبيرات الوله والهيام والهوى والسهاد والسقم واللوعة او البهجة والفرح والنشوة والخفة، اي مع تعبيرات العشق في كل ابعاده، والتي تعمر بها »ألف ليلة وليلة« حيث لا تكاد تخلو قصة من حالة حب، إلا ان البعد الاجرامي اللازم لبعض الحالات يتوافق مع النظرة الازلية للمرأة كموضوع تملك حصري، يملك المالك حق التصرف به، حق العشق والقتل. فهل نحاكم »ألف ليلة وليلة« كوثيقة إبداعية تاريخية ام نكتب ليال لعلاقات اقل تشنجا وعدوانية؟ ولكم شهرزاد عصرية نحتاج؟.