الكتاب: »أنا أطول من نداء يوقظون به عمال الفجر« الكاتب: جودت حسن الناشر: دار الينابيع / دمشق/ 2004 عنوان طويل لقصيدة طويلة (ديوان جودت حسن السابع) من 75 صفحة، في صيغة تقرير شعري.. يجرد فيها جودت حسن آراءه ووصاياه في الحياة والزواج والحكمة والسرد والسياسة والسلطة والقمع السياسي والدولتي والسيارات الحديثة واللذة والنضال والموت والأيديولوجيا والأصدقاء واحدا واحدا، وهم جميعا مثقفون وكتاب معاصرون: نديم محمد (في عرش الخمرة التي تضوع كالضوء) والجواهري (في مقدمة الصحارى)، خليل حاوي (الذي تألق في موت كاذب)، محمد عمران (الذي جعل الملاجة عكاظ الشعراء) عبد الوهاب البياتي (خلطة الماركسية والدين) وليد معماري (عليه أن يتخلص من سلحفاته الحقيرة) أحمد اسكندر (الذي يلاحقه السمك) حكم البابا (الذي ينقط السكر من ثيابه) امير سماوي (في سماء البراءة والرومانس) أسامة الذي (يترجم الفجر بدون شاربين)، صقر عليشي (الرائع كقوافي بدوي الجبل) تركي الحمد (أخ في السرد والضوء) وناظم مهنا (المتة عدوته التقليدية والتفاعيل الوردية).. يقف على رأس فهرست الأصدقاء أدونيس ال(مبسوط على قائمة نوبل/ قولوا له أن يتخلى عن برامج كاسترو/ وألا يؤول في السريالية شيء الضباب/ وألا يزحزح التهذيب في صوفية تموت/ وألا ينام على صوت الطبول العربية/ وأن يصدر بيانا واحدا على الأقل في السلطة التي تفرمنا)!! الوضوح في هذا المقطع الشعري، مفقود في المقاطع الأخرى، أو مقنّع أو مقعر بمرايا الاستعارات. يمكن نسب أسلوبية جودت إلى السريالي. بيان مباشر (الفساد والتنمية العربية) مكتوب بتوشيات سريالية. بعامة، يقذف جودت حسن نرد الكلام المحمول بسمسم المعنى، بغباره أو بوحله، ببقاياه وفتاته على طاولة زهر بلا قاع أو بقاع مهشم فلا يتحصل النرد على رقم فصيح؟.. المقاطع الشعرية، التي يوحي معمارها ببناء السوناتات دون أن يكون لها استقلالها، بدون ان تكون لها موسيقاها، فهي متداخلة، متواصلة، غاضبة. المعاني فيها مجلودة بالسياط، لا تكاد تفصح كثيرا من اثر اللسع، والمفارقة أن المقاطع الشعرية تجمع بين جماليات البديع العربي التقليدي (التشبيه البسيط) الذي نراه في قصائد محمد الماغوط وبين الانفلاشات السريالية التي لا تأبه بقواعد نحوية أو لغوية، حتى إن القارئ ليعجز عن معرفة صاحب ضمير غائب يتكرر في المقاطع السائلة. ثمة (هاء) لا صاحب لها، هل هي هاء الأبدية، أم هاء المرأة أم هاء القصيدة المقاطع، من ناحية معرفية، تجمع بين حكمة عرّاف ضال وبهلوانيات بلياتشو؟ بين النبوة المكسورة والشاحبة وبين أعمال الخفة والكهانة والشعوذة؟ في تناوب بين الوضوح السافر والغموض المعتم. الوصايا تأخذ هيئة التعريفات: الشعر ليس قميصا بالمقلوب/ البحر جارنا التقليدي في الحفلات الماجنة/ العقل شمس الصباح/ الجمعيات فستق يعج بالدود/ الترجمات في المنفلوطي ألذ/ الزواج فذلكة الذين يحبون النوم باكرا. (أنا أطول من نداء يوقظون به عمال الفجر) مانيفستو سياسي شعري ووعظي يذكر بالواقعية الاشتراكية ووظيفة الشعر التحريضية و(ينفع في تضليل الرقيب). المعارضة السياسة تفوح من القصيدة الطويلة، فهي لا تني تندد (بالحمير في أعلى العناوين/ و ب(الإمبراطور الذي يعوي في التلفزيون/ والشخير يملأ رأس الدولة/.. الفظاعة تقليد نحاسي يدقونه في العاصمة/.. سأئن تحت قانون الطوارئ)؟؟ ثمة اغتراب، ونفي اختياري ارتضاه الشاعر لنفسه، فهو يرسل آراءه عن طريق ثالث، في عصر الانترنت (قولوا لفلان..) الاغتراب واضح في هذا الوقوف الكاريكاتوري على أطلال طرطوس المجّملة (التي راحت تكبر آليتها/ والرب يعتني بالجبس في صدرها). تشكيل شعري، لا يبالي بانسجام الألوان ويرسم بكل ما يقع تحت يده: بالفرشاة والعظام والحجر، وبالأيدي، تشكيل بالتلطيخ والقذف (والبصق).. على القماش والحيطان والمدى، مفعم برائحة نعي ودموع حجرية وبالهجاء الذي يهمّ بالشتم (الدولة تكرهني لأني بذيء). قصيدة جودت حسن توحي بشيء من الفكاهة الأيديولوجية، في ذلك التباين بين خطابتها ووظيفتها من جهة ونسجها السريالي من جهة أخرى، بين واجبها الإنساني النبوي التحذيري (من شجر يتحرك كما نبأت زرقاء اليمامة، قومها الساخرين من نبوءتها، وبين طيشها وشقاوتها وعبثها. وهي تشير إلى غياب السياسي والإصلاحي (والمعارضة) كما الرواية العربية الحديثة التي لجأت إلى التأريخ من حيث نكوص المؤرخين وسكوتهم عن واجبهم. يئن جودت حسن الشاعر، الشقي تحت وطأة الواجب (أين اذهب بالمعنى الذي يلاحقني) ولذلك فهو من اللاجدوى والعدمية واليأس يقوم بالتنكيل بالمعاني، التي تشي بسهولتها النسبية، المعنى الصافي (الفلت) في عبوة الحداثة، المعنى الذي يشبه القمار، المعنى المفروم بأدوات الشعر والصناعة الشعرية.. يقوم جودت حسن احيانا بانتزاع المعنى قبل ان ينضج.. وبوأد النبوءة قبل أن تثمر.. كأنما هي (ضرورة) في غياب التواصل.. في هذا العمى الوباء.. وما دامت اللغة (عاطلة عن الأعمال).