As Safir Logo
المصدر:

الكتابة دفاع عن حرياتها التي لم تحقق منها شيئاً سعاد الكواري: لا حداثة في الصحراء

المؤلف: حبش اسكندر التاريخ: 2004-09-07 رقم العدد:9890

»ملكة الجبال« عنوان المجموعة الشعرية السادسة للشاعرة القطرية سعاد الكواري، الصادرة حديثا في الدوحة، وتتابع فيها رسم مساراتها الكتابية. حول المجموعة كما حول جملة من الموضوعات كان هذا الحوار الذي جرى عبر البريد الالكتروني. ÷ لندخل، بداية، من جهة تقليدية: هل لنا أن نعرف أكثر عن تفاصيل السيرة والقصيدة عند سعاد الكواري؟ كيف كانت بدايتك مع الشعر، من قرأت في الفترة الأولى، ومن أثر بك؟ { البداية كانت عشوائية حيث إنني كنت طفلة انطوائية لم أكن أهوى اللعب والشيطنة كبقية الأطفال في تلك المرحلة ولم يكن أمامي في عزلتي الطبيعية إلا القراءة. فقرأت كل شيء في البداية قرأت في الفلسفة وعلم النفس والديانات ووقفت كثيرا عند عالم الأسطورة بأشكالها المتنوعة ثم وجدتني انجذب للشعر المترجم في بداية الأمر عشقت طاغور جدا شاعر الهند العظيم وجبران خليل جبران وجاك بريفير ثم انتقلت إلى الشعر الحديث عند نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وأنا ما زلت على مقعد الدراسة بالإضافة إلى الشعر العربي القديم الذي كان يدرس لنا في المدارس ولأنني قررت أن امضي في هذا الطريق منذ البداية دخلت كلية التربية بجامعة قطر قسم اللغة العربية فمررت على العصور القديمة خلال الدراسة ولكن كانت ذائقتي قد تشكلت فكانت بالنسبة لي دراستي في الجامعة في قطر هي مرحلة معرفية حيث إننا ندرس من بداية العصر الجاهلي إلى الشاعر احمد شوقي والقسم الأكبر من المنهج تتركز على المواد التربوية واللغوية لكي يتخرج الطالب ويسلك مجال التدريس لهذا لم أمارس الكتابة إلا بعد أن أنهيت مرحلة الدراسة والمعرفة في 1995 وكان لديّ في تلك المرحلة بعض الحيرة في ما أرنو إليه وما تعلمته عن الشعر في مجتمع لا يعترف إلا بشكل أوحد للنص وبما قرأت وشاهدت من أشكال أخرى وكانت النتيجة التي حاربت من اجلها وحتى هذه اللحظة هي الكتابة الحرة فجاءت كتاباتي بعد ذلك على هذا النحو وحتى الآن. ÷ ما عدا أسماء قليلة جدا، لم تصلنا أصداء عديدة عن الشعر في قطر. ما أسباب ذلك برأيك؟ كيف تنظرين أنت إلى الحركة الشعرية في قطر؟ { في قطر أو في أي دولة عربية تكون عملية الانتشار ذاتية يتحملها المبدع وحده، فليس هناك مؤسسات تدعم المثقف بالانتشار الجيد أو الدعم المادي والمعنوي الذي يتواكب مع حركة الإبداع، في قطر على سبيل المثال هناك رفض تام للأشكال الحديثة في الكتابة لدى المتلقي لهذا تهاجر مثل هذه الأصوات إلى الخارج ربما بحثاً عن مكان بينما الأصوات الكلاسيكية تتوالف مع الداخل وتبقى ولا تفكر بالهجرة هذه ربما. ولكن عملية التواصل مع الآخر متعبة جدا ومكلفة وبحاجة إلى استمرارية في هذا الانفصال التام بيننا، لهذا يشعر المبدع بالضجر أو الملل أو عدم الجدوى من هذا الركض خلف نفسه، ولهذا تتراجع الأصوات وتنكمش وتهمد وأحيانا تكتفي بالداخل على آمل أن يكون هناك أي حل مناسب من قبل المسؤولين عن الثقافة. المراكز والأطراف ÷ غالبا ما نتكلم عن مراكز شعرية، وعن أطراف، برأيك هل لا تزال هذه التسمية صالحة، راهنا؟ { لا أتصورها مناسبة مع وجود المنابر المتنوعة والتصور الذي يحدث الآن فلم يعد هناك مراكز بصورتها الصارمة على العكس نلاحظ أن الدول التي كانت تعتبر أطرافا أصبحت من أهم المراكز الآن بسبب وجود وسيلة إعلامية مهمة لديها. ÷ أنت اليوم في مجموعتك السادسة، وقد بدأت الرحلة منذ أقل من عشر سنوات فقط. الكتابة إذاً، لم تعد غواية، كيف تحددين مشروعك الشعري؟ هل من نسيب له، في تجارب أخرى؟ { الكتابة كانت بالنسبة لي ملجأ وجدته مناسبا في مرحلة معرفتي بالعالم الخارجي، أنا من عائلة محافظة جدا ترفض ابسط أشكال الحياة بالنسبة للفرد والتعليم في الخارج، المضي في قطف ثمرة الحياة من خلال الأصدقاء والتعرف على الآخرين، هذا المجتمع الصغير كان يلفه مجتمع اكبر يرى في خروج المرأة للأماسي الشعرية جرما كبيرا ومشاركتها كمبدعة جريمة، ولأنني أمسكت بجمرة المعرفة شعرت بقسوة المجتمع والأسرة والعالم عندما وجدتنا بعد التخرج أسيرة المنزل وليس أمامي إلا مهنة التدريس فمكثت في المنزل حتى عملت في قسم العلاقات الثقافية وهو تابع لوزارة التربية والتعليم وكانت طبيعة عملي أرشفية تربوية نوعا ما فلم يكن أمامي إلا الكتابة، فكتبت أربعة مجاميع دفعة واحدة »لم تكن روحي« و»وريثة الصحراء« و»باب جديد للدخول« وأخيرا »بحثا عن العمر« وكنت أتصوره نهاية العمر الذي ذهب خلف الأسوار، كانت الكتابة بالنسبة لي دفاعا عن حرياتي التي ذهبت دون أن احقق أي شيء منها.. لم يكن لدي مشروع أو أي مخططات أو أحلام أو أهداف، هكذا كنت امضي خلف ما كنت أتصوره حقي وبعدها نُقلت إلى العمل في المجلس الوطني، وعندها تغيرت الحياة بالنسبة لي منذ ثلاث سنوات فقط تعرفت على كل أصدقائي الذين تخيلتهم بالشكل الذي أريده وحضرت أماسي وندوات، على العكس شاركت في فعاليات ثقافية في مهرجان الدوحة الثقافي حتى أرسيت سفينتي عند شاطئ العمل الثقافي من خلال قسم خاص لثقافة المرأة والطفل في إدارة الثقافة والفنون التابع للمجلس الوطني، وعندها توقفت أمام حقيقة ضخمة المرأة القطرية المبدعة كيف لها أن تحصل على حريتها وتخرج كما خرجت أنا من بين الأسوار، كيف لها أن تعلن عن نفسها، أن تتخلص من قبضة المجتمع الصارمة عليها.. الآن أنا أمام تحديات من نوع آخر فرضت نفسها علي لحظة الكتابة وأصبح مصطلح حرية هو المصطلح الوحيدة، أتمنى أن أتناوله بكل الأشكال الأدبية، ربما وصلنا جميعنا إلى بر الأمان. وسوف تلاحظ هذا التوجه في »ملكة الجبال« العمل الأخير لي. ÷ تكتبين القصيدة النثرية، على الأقل هذا ما يبدو لي في مجموعتيك اللتين قرأتهما، إذ إنني لم أطلع على تجربتك كلها. هل تجدين أن هذه القصيدة استطاعت أن تحسم أمرها لتفرد لنفسها مكانة حقيقية على خارطة الشعر العربي؟ { سوف أتكلم عن هذا الشكل الكتابي الذي أراني ممسكة به وبكل قناعة لدرجة أني أراه يشبهني دون أن انظر إلى قصيدة النثر لأنني لا أجدني مهيأة لذلك ولكنها قريبة جدا من روح العصر الذي سيطر علينا جميعنا، القلق الذي يشكل الغلاف الخارجي للنص هو نفسه الذي يشكل دواخلنا، عدم الإيمان بأي حقيقة مهما كانت واضحة تداخل كل القيم والأفكار والثقافات. هذا المزج في انفعالات الفرح والحزن والخوف والضجر هو الغشاء الذي يحيطنا، هو نفسه الذي يمسك بأطراف النص، لهذا أراها ممسكة بهذا اللون الكتابي ولا أتصورها سوف تستكين لأن السكون يعني الموت ولكي تنمو وتستمر بحاجة إلى أن تبقى عصية على الفهم وعلى التنظير وعلى التعريف، تحلق جسدا غريبا بين الأجناس الكتابية الأخرى وما إن تستقر وتنظر سوف يبدأ كائن آخر في البروز على الساحة وهذه طبيعة الأشياء فلا أجدني قلقة في مصير هذا الطائر المحلق. ÷ غالبا ما يميل بعض النقاد إلى تسميات »بلهاء«، إذا جاز التعبير، حين يتحدثون عن أدب نسائي وأدب رجالي. هل فعلا نستطيع أن نفصل في الأدب بين الجنسين؟ وبرأيك ما مغزى تسميات كهذه؟ { لا.. لا نستطيع أن نفصل في المرحلة الحالية، ربما في السابق في مرحلة التصنيفات.. أنا لا أرى أن هناك أدبا نسائيا أو رجاليا لا أحب الفصل وأتصور أن هذه الأشياء زالت أو قاربت على الزوال واستهلكت فلن أضيف شيئا جديدا في الحديث في هذا الموضوع إلا التكرار والتعصب للفكرة، غالبا ما يكون هناك مزج في الأمور، فللمرأة خصائص وصفات تنعكس لحظة الكتابة وكذلك الرجل، وأحيانا الموضوع يفرض نفسه على المرأة أو على الرجل ويكون هو الفاصل أو الحكم في الأمر دون تدخل من الكاتب أو الكاتبة والآن أصبح الجميع مدركاً لهذه الأمور فكثيرا ما نقرأ نصوصا لا نستطيع تميز كاتبها رجلا كان أو امرأة لهذه أتصور أن مثل هذه القضايا تلاشت أو على وشك. فولكلور الحداثة ÷ لو سلمنا جدلا بمقولة الأجيال، لقلنا إنك من جيل التسعينيات. هل توافقين على هذا التقسيم وماذا يعني لك ذلك؟ كيف تحددين خصائص تجربة هذا الجيل، الذي استمعنا إلى العديد من شعرائه في مهرجان صنعاء الأول للقصيدة التسعينية؟ { بالفعل الجيل يكون واضحا وبشكل لافت للنظر حتى في الذائقة والمشاعر والاندماج ولكن ليس بشكل الفصل التام ولكن ربما لأن وسائل التطور والحداثة والتقنيات خلقت هذا الشعور ولكننا لا نستطيع أن ننكر الأحداث التي تمر في حياتنا تمر بسرعة وتموت بسرعة مذهلة خاصة عندنا في منطقة الخليج هذا الكم الهائل من التكنولوجيا والصناعات ووسائل التلقي المختلفة خلقت أجيالاً متباينة في فترة زمنية قصيرة جدا ، فما بالك بالأدب والكتابة الإبداعية والفنون لا نستطيع أن نتجاهلها ولا نستطيع أن نعيش في الماضي، لقد لمست هذا عندما عملت في النشاط الثقافي وشعرت بالمتلقي وكيف يكون الإقبال على ما يراه البعض اقل مستوى بينما تكون الصالات شبة خالية في الندوات والحفلات التي يحييها ما يراه أهل الثقافة والفن مبدعا حقيقيا، لهذا لا بد أن نهتم بمساءلة الأجيال في كل المجالات وليس في الشعر، لقد شاركت في مهرجانات كثيرة وشعرت بالفجوة بيننا ولكن لم اشعر بها في صنعاء، شعرت بأن المواضيع واحدة والاهتمامات والأفكار ونوعية الكتابة حتى خارج المسرح، شعرت بالتقارب مع الجميع فتأكد لدي موضوع الأجيال. أتصور أن هذا الجيل بحاجة إلى الوقت لكي تتضح تجربته فلا يزال البعض في البداية وكتاب أو أكثر لا يحدد المنجز الثقافي لديه، الموضوع بحاجة إلى الوقت والى المتخصصين. ÷ في مجموعتك الأخيرة »ملكة الجبال«، قصيدة بعنوان »حداثيون في الصحراء« تقولين فيها: »متهمون بالحداثة/ وهل تولد حداثة في الصحراء؟« جملة تبدو كأنها مفتاح ما لهذا العمل الشعري الذي تقومين به، فعلى الرغم من هذا »الجزم« الذي تتحدثين به، إلا أن عملك الكتابي لا يقع إلا في قلب هذه الحداثة الشعرية. بأي معنى نستطيع أن نفهم هذا »التناقض«؟ هل تميلين إلى القول إن الحداثة ليست سوى »سراب« في منطقة »الخليج«؟ وهل ينطبق ذلك على الخليج فقط، ألا ترين أن العالم العربي، كله بمثابة صحراء؟ الكثير يرى أن الحداثة هي قصيدة النثر فقط وهذه هي المشكلة، لقد اتهموني بالحداثة رغم أنني ما زلت أعيش بشكل فلكلوري قديم، فالحداثة كما افهمها أسلوب حياة كاملة وترتبط بالجانب الفكري والثقافي أكثر من الجانب المادي ولكننا في الخليج أخذنا الجانب المادي بسبب الطفرة التي حدثت في منطقة الخليج ووجود البترول أصبحنا حداثيين من الخارج لكننا كلاسيكيين من الداخل وهذه هي المشكلة، عندما كنت أتحدث عن المقاهي والأصدقاء تصورني البعض انسانة أخرى ولكنه عندما تعامل معي عن قرب اكتشف أنني ما زلت أعيش في الصحراء، لهذا جزمت بأنه لا يوجد حداثة في الصحراء، الحداثة بمعناها الكامل كمفهوم وليس بمعناها المتناول كحاجة حياتية مفروضة من الخارج. لا اعرف ولكن أتصور الصحراء رمزا ربما يكون موجودا في أميركا أو أوروبا.. الصحراء القاحلة التي تسكننا وتتشعب في العقول المريضة أينما كانت.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة