تقترب حرفة صناعة الأحذية في بنت جبيل، من لفظ أنفاسها الأخيرة، وهي الحرفة التي ارتبط اسمها بالبلدة على مر عدة عقود. وتتعدد الأسباب التي أوصلتها الى تلك الحالة وتتراوح بين منافسة أجنبية، وعدم حماية جمركية، واحتكارات لموادها الأولية، بالإضافة إلى المنافسة القاتلة التي مارسها الحرفيون في ما بينهم. كانت صناعة الأحذية في بنت جبيل، تستوعب الغالبية العظمى من اليد العاملة في البلدة، حتى أنها كانت مقصد الطلاب في الصيف مع ارتفاع الطلب على هذه السلعة ويندر أن نجد من لم يعمل فيها خلال فترة من حياته، وكانت أسواق الخليج هي الأكبر التي كان يتم تصدير الإنتاج إليها وخاصة السعودية والكويت وفي فترة من الفترات شهد سوقا ليبيا والعراق بعض الازدهار. دخلت هذه المهنة مترافقة مع موجات الهجرة والنزوح التي اتصف بها أهالي المنطقة وخاصة بنت جبيل، وذلك من خلال الهجرات الموسمية إلى حوران في سوريا، الأردن، فلسطين والشام حيث كانت هذه »المصلحة« (كما يسميها أهل البلد) منتشرة في تلك الأقطار، إلا أن هجرة الأرمن إلى بلادنا في العشرينات، وعمل عدد من الأشخاص في المصلحة معهم، كان الانطلاقة الفعلية لهذه الصناعة بين أبناء البلدة. وتتحدث روايات أخرى عن أن دخولها إلى بنت جبيل يعود للعام 1835 مع شخص صفدي يدعى »محمد الصفدي«، حيث قام بتعليم بعض الأشخاص فن المهنة لمساعدته، وقد قام هؤلاء فيما بعد بنشرها بين أبناء البلدة، ويذكر المستشرق الفرنسي »سوليي« الذي زار البلدة سنة 1864، انه نزل في ضيافة أحد العاملين في هذه المهنة والذي كان يتقنها بحذاقة. ويذكر الدكتور مصطفى بزي في كتابه (بنت جبيل حاضرة جبل عامل) »انه من المؤكد أن بعض إسكافيي بنت جبيل الذين كانوا يقصدون حوران للعمل فيها، حيث كانت صناعة الأحذية متطورة هناك، اكتسبوا هذه الحرفة، وحملوها معهم عندما عادوا إلى البلدة«. و يتابع بزي، »ولما كانت تجارتها رائجة ومربحة، فقد أدت إلى التفاف عدد كبير من الشباب حولها، خاصة يوم لم يكن هناك مدرسة تستوعب الشبان، ولا مورد رزق للعائلات، وخاصة الكبيرة منها، إلا الزراعة، وهذا ما جعل حرفة الإسكافية والكندرجية حاجة ملحة لأكبر عدد من معين من الأشخاص، حيث توفر لهم أعمالا جديدة تجعلهم غير عاطلين عن العمل«. كما وساهم سوق الخميس بشكل كبير في انتشار هذه المهنة نظرا لما كان يوفره من فرصة اقتصادية كبيرة لبيع الإنتاج ونشره في المناطق الاخرى. وامتازت هذه المهنة بحاجتها إلى يد عاملة متعددة ومتخصصة. فقد كان زوج الاحذية يمر على أربعة معلمين على الأقل، دون حساب العمال التابعين لكل معلم والذين يعرفون »بالشغيلة«، إذ أن المصلحة لم تعرف الآلات إلا حديثا وبشكل محدود، فبينما كان عدد من عمل في المهنة سنة 1931 لا يتجاوز50 عاملا، ارتفع العدد إلى ألف عامل عام 1941 ليعود وينخفض العدد إلى 600 عام 1945 بسبب النكبة الفلسطينية والحرب العالمية الثانية، وعندما زارت بعثة ارفد بنت جبيل بين سنتي 1959 و1960 ذكرت أن عدد عمال الأحذية في البلدة يبلغ 210، يعتمد عليهم حوالى 1000 نسمة تقريبا، وقد لاحظت البعثة أن هذه المهنة تتراجع بسبب النزوح الكبير إلى بيروت. وبقيت هذه المهنة في تراجع حيث بلغ عدد العاملين فيها عام 1972 حوالى 124 عاملا، يعيلون حوالى 340 شخصا بينما بلغ عدد المعامل حوالى 65 معملا بعد أن كان انخفض العدد إلى 45 معملا عام 1970 لينخفض العدد أيضا عام 1978 مع الاجتياح الإسرائيلي إلى عشرين معملا، وانتعشت في الفترة ما بين عامي 1978 و1982 ، حيث ولّت بالاجتياح الثاني والحرب الإيرانية العراقية، عهود العصر الذهبي لتلك المصلحة، فرغم ازدياد عدد المعامل إلا أن إنتاجها لم يعد كالسابق، فقد ارتفع عدد المعامل عام 1988 إلى 84 معملا وانخفض إلى 66 عام 90 وإلى 30 عامي 91 و92 بسبب إقفال أسواق الخليج بعد حرب الخليج الثانية وضياع الكثير من الأموال في أسواقها، التي كانت تشكل الفسحة الرئيسية لتصريف الإنتاج، ولتفتح بعد ذلك على أسواق تايلاند وماليزيا والصين التي تعتبر أسعارها ارخص بكثير، حتى أن الأسواق المحلية لم تسلم من الغزو الأتي من الشرق الذي ترافق مع الطفرة الاقتصادية التي شهدها لبنان بعيد انتهاء الحرب وانفتاح أسواقه على المنتجات الخارجية، فبينما كان يباع الزوج المحلي بمتوسط سعر بلغ حوالى 20 دولارا لم يتجاوز سعر الحذاء الصيني اكثر من 3 دولارات أي اقل من أجرة اليد العاملة المحلية من دون احتساب أسعار المواد الأولية، ومن جهة أخرى كان الحذاء الإيطالي يباع بسعر أعلى بقليل من المحلي بفعل الحماية المؤمنة له في بلد المنشا، و عدم فرض رسوم جمركية مناسبة عليه قبل دخوله إلى لبنان. وقد ارتبطت بهذه المصلحة حرف وتجارات ملحقة بها ورديفة، كالخياطة ومصانع صب نعل الكاوتشوك ومصانع قطع وصناعة الضبان الصناعي ومصانع الاكعاب والقوالب الخشبية والبلاستكية بالإضافة إلى الدباغات، و تجارة بيع اللوازم (الكرستى)، إلا أن تجار الأخيرة الكبار تحولوا إلى محتكرين لهذه المهنة حيث تحكموا بأسعار المواد الأولية واستيرادها، فارتفع سعر تكلفة الزوج، كما أن دخولهم على خط التصنيع أيضا مستفيدين من قدرتهم على تأمين المواد بأسعار اقل من تلك التي يشتريها الحرفي، جعلت فرص المنافسة بينهم غير متكافئة، حتى أن بعض أصحاب المصالح تحولوا إلى عمال لدى »الكرستجية« بسبب عدم قدرتهم على تأمين السيولة النقدية أو بسبب الديون التي كانت تتراكم في ظل انكماش الأسواق، ففرض على الحرفي شراء المواد الأولية منه، مقابل شراء الإنتاج وبالسعر الذي يحدده التاجر لتزداد أرباحه أضعافا. وبعكس حرف أخرى، فان أيام عز هذه الصناعة، كانت مربحة جدا ومجدية اقتصاديا لجميع العاملين فيها، إذ انه في بدايتها في برج حمود كان متوسط اجر المعلم اسبوعيا لا يقل عن150 ليرة حيث كان سعر الدولار لا يتجاوز النصف ليرة، حتى أن العامل الذي يعمل مع المعلم كان باستطاعته أن يعيل عائلة، وكان العمل يمتد طوال أيام السنة وأحيانا سبعة أيام في الأسبوع خلال فترات الأعياد والمناسبات واقتراب موسم المدارس. أما اليوم فان الطلب على الإنتاج تحول إلى موسمي وبكميات اقل بكثير. هذا بالإضافة إلى أن معظم الإنتاج تحول إلى الأسواق المحلية، لذلك انخفض عدد المعامل إذ انه في بنت جبيل لا يتجاوز عدد المصالح العاملة خمسة لا تعمل اكثر من 3 أيام أسبوعيا، و إذا احتسبنا أن هناك اربعة أشخاص يعتاشون من كل معمل فان 20 عائلة فقط تعتمد على هذه الحرفة بعد أن كانت في يوم من الأيام حرفة لكل البلدة. أما في بيروت حيث تركز أبناء البلدة في حرفتهم بين حي ماضي وحي شاهين المتجاورين في الضاحية الجنوبية، فان حالها ليس افضل، فبعدما وصل عدد المعامل فيهما في مرحلة ما إلى اكثر من 150 معملا، أصبحت الريح تسكن محلاتهم ولم يصمد أيضا إلا القلة، ووضعها ليس افضل من تلك التي في البلدة. أين ذهب عمال هذه الحرفة؟ منهم من تحول إلى حرفة أخرى، كما أن كثيرين قد هاجروا إلى أميركا، إلا أن الغالبية العظمى منهم تعيش اليوم عاطلة عن العمل خاصة أولئك الذين امضوا فترات طويلة من عمرهم فيها. ولكن حال هذه الصناعة لا ينطبق على بنت جبيل فقط بل أن المشكلة تشمل الحرفة بشكل عام وفي مختلف المناطق اللبنانية، فقد ذكرت دراسة نشرتها لجنة المتابعة لحماية صناعة الأحذية والجلود، أن عدد المعامل في لبنان يبلغ الان 893 معملا تستطيع أن تنتج ما يتجاوز 15 مليون زوج في السنة، وما يقارب 300 معمل للصناعات الرديفة المساعدة لصناعة الأحذية والحقائب، إلا انها في الوقت الحاضر لا تنتج اكثر من ثلاثة ملايين. أقفلت نصف المعامل وتشرد عمالها (25 بالمئة عاطلين كليا عن العمل) وباقي المعامل تعمل بأقل من نصف طاقتها (خمسة آلاف عامل يعملون بصورة متقطعة)، علما أن قطاع الجلديات يستوعب ما يناهز خمسة عشر ألف عامل، وخمسة آلاف في الصناعات الرديفة أي أن عشرين الف عائلة تعتاش من عملها في هذا النطاق. وإذا كانت الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي بدأت تضرب لبنان منذ أوائل التسعينات وما تبعها من تدني المقدرة الشرائية عند اللبناني، هي ما دفعه للبحث عن المنتجات الرخيصة الثمن بغض النظر عن قيمتها، إلا أن السياسة الصناعية اللامبالية التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة كانت رصاصة الرحمة التي أطلقت على هذه الصناعة. وتظهر الدراسة الأخيرة أن مجموع ما تم استيراده من الأحذية عام 2002 بلغ حوالى سبعة ملايين زوج منها 6,5 مليون زوج من الصين دون احتساب الأحذية المستوردة من سوريا، وتتراوح أسعارها بين 89,1 دولار للزوج التركي و23 دولارا للزوج الأسباني، وذلك وفقا للبند الجمركي لتحديد الأسعار بينما لم يكن يتجاوز الاستيراد في بداية الثمانينات 2500 زوج وكانت تدعى الكوتا. ولا شك أن الوزراء المعنيون بالموضوع قد حفظوا مطالب تلك الصناعة عن ظهر قلب والمتمثلة بوقف الاستيراد الإغراقي، تخفيف الأعباء، تسهيل التسليف الصناعي، فرض ضوابط على تصدير الجلد الخام، فرض رسوم نوعية وفقا لنوعية الحذاء المستورد... وينطبق على صناعة الاحذية في لبنان المثل »إسكافي حافي، والخياط عريان«.