بعد ثماني سنوات من غيابه، اسمح لنفسي الآن، ان اكشف لكم »سراً« ظريفاً يكشف جانبا من الشغف الإنساني في شخصية العلامة، الفقيه، والمفكّر المستنير: الشيخ عبد الله العلايلي: كنّا ثلاثة، خلال فترة الخمسينيات: (القاص المبدع محمد عيتاني، وكاتب هذه السطور، والعلامة العلايلي)، نقوم بين حين وآخر بجولات في انحاء بيروت وشوارعها، ثم بين خضرة الطبيعة وزرقة البحر حول بيروت. العيتاني الى اليمين... والدكروب الى اليسار... وبيننا العلايلي »متدروشا«، اي: بدون العمة والجبة، يرتدي القميص والبنطال ويعتمر طاقية على رأسه، فيصير العلايلي غير العلايلي، لا يتعرف عليه معارفه، ولو من قريب القريب!. ... فكان العلايلي، في هذه الجولات، حراً كالطير، في المسير او القفز او شتى انواع النظرات وألوان الحديث: يتنقل في الكلام من دهاليز الفقه، الى المعضلات والكشوفات الفلسفية الحديثة خاصة... الى حديث الفنون التشكيلية، وصولا الى انواع الافلام السينمائية، والنجوم. فإذا كان للعلامة الشيخ العلايلي ان يتحدث في شؤون الفقه والفكر والفلسفة والفنون، فمن أين له ان يتحدث وهو الشيخ الفقيه عن السينما، ونجومها؟! هنا عقدة الموضوع، وخزانة »السر«... فإذا اقترب المساء وصرنا على التخوم بين النور والظلمة، توجهنا الى اول شارع بشارة الخوري المتفرع عن ساحة البرج (سقى الله أيامها...) وقصدنا الى حيث كانت صالة »سينما شهرزاد« (التي تحولت في ما بعد الى »مسرح شوشو«)... فأسرع أنا في »كيشيه« الصالة لشراء بطاقات الدخول، وأنتظر... وإذ اعرف ان انوار الصالة قد اطفأت، اشير الى الفارسين المتدروشين في الخارج، فيسرعان، وندخل الصالة متسترين بالظلام، حتى لا يرى احد شيخا معمما مجلببا يدخل السينما، والعياذ بالله!. وبعد الاستمتاع بالفيلم نسارع الى الخروج قبيل عودة النور الى الصالة، متسترين ايضا بالظلام!... حتى لا يتعرف احد، من رواد الصالة، على الشيخ متنكراً متدروشا!. فالعلايلي، الذي مارس مجابهة الطغاة والظالمين وصناع الظلام، بشجاعة فكرية نادرة، لم يكن ليرضى بأن يؤذي مشاعر الناس الطيبين الذين يحبهم ويحبونه ويعتزون به. ولكن العلايلي، المجبول بالشغف المعرفي بمختلف الفنون، كان يستمتع جدا بمتابعة افلام السينما (كان هذا قبل شيوع الفيديو وسائر افراد عائلة الفيديو...). والسينما (كما كان يشاع، وربما لا يزال بعض المتزمتين يرى هذا حتى يومنا هذا...) هي من »المحرّمات«... رغم ان السينما، في مرحلة الاسلام الاول، لم تكن قد وجدت بعد، ولم يحرّمها احد شرعاً... بل الشرعي جدا كما يرى العلايلي ان يستمتع الإنسان بكل نتاج الابداع الفني الانساني. لماذا اورد حكاية هذا »السر«؟ لأصل الى القول: ان الاكثر جمالا من الفيلم الذي كنّا نشاهده، والاعمق جدا من حيث الدلالة والمتعة الفكرية والفنية، كان حديث العلايلي ما بعد رؤية الفيلم. كنّا نختار تلك الافلام ذات القيمة الفنية والفكرية والنفسية والتاريخية والفلسفية احيانا، وأرقى قصص الحب: من »دكتور جيكل ومستر هايد« مثلا، الى »باندورا« الفيلم الاسطوري الجميل، الى خفايا جواسيس الحرب العالمية الثانية في فيلم »كازابلانكا«، الى عدد من الافلام الشكسبيرية، سواء تلك التي يؤديها الممثل العظيم لورانس اوليفييه، او بعض الافلام السوفياتية المتوغلة في العمق الشكسبيري. ... فكنا، العيتاني وأنا، نستمتع بكل الشغف والدهشة، بتحليلات العلايلي وما يكشفه لأعيننا وذهننا من جماليات الفن والفكر وأغوار النفس في هذه الافلام، وأيضا ما غاب عن مخرجي الافلام نفسها كشفه من أعماق... فيتكشف العلايلي عن »ناقد سينمائي« بشكل ما... لم يكن العلايلي، الفقيه العلامة، يطيق ان يفوته إنجاز ما، فكري او فني، فلسفي او عملي، من إنجازات العصر، ومن اربع جهات الارض. صحيح انه لم يكن على معرفة جيدة بأي لغة اجنبية، ولكنه كان على اطلاع، عبر مختلف الوسائل، وبقدر ما يستطيع التوصل إليه، وبجهد استثنائي، على جديد العصر وكشوفاته، كما على مختلف حركات التمرد والثورة والتغيير والتحرر في مختلف انحاء العالم. وكنا ننهل من مخزونه المعرفي، ومن تحليلاته، بالاخص، لأنواع هذه المعرفة، بعقلانية رفيعة لا تشوبها يقينيات جامدة او متزمتة. يملأني الاعتزاز بأنني كنت من المحظوظين بعلاقة صداقة إنسانية مع العلايلي، وبلقاءات شبه اسبوعية به مع صحبة من رفاق الفكر والتوجه والطريق، نستمع ونستمتع ببحر من سحر الكلام والفكر والظرف يتدفق... واستطيع القول: إن احاديث العلايلي معنا، سواء خلال تلك الجولات البيروتية او في تلك الجلسات الفائقة الدسامة والغنى... لم تكن تقل، من حيث القيمة الفكرية، عن كتابات العلايلي نفسها، تضاف إليها حرارة اللحظة الانسانية وتوالد الافكار وتداعيات الخبريات والاسرار والطرائف والانتقال اللطيف من ذروة التحليل الفلسفي او الفقهي، الى النكتة المثيرة لدوي القهقهة والفرح... فهل يصلح هذا الكلام ان يكون مدخلا الى رحاب هذا الانسان الرحب والمكنوز باللطف والمعرفة وسحر الكلام؟. على جبهات عدة فليس سهلا اختزال العلايلي، مهما اوتي الكاتب من قدرة في التكثيف والتركيز والإلماح الخاطف والمشحون. ... فاخترت ان اذكر واتذكر ثم اورد لمحات، مجرد لمحات، من مواقف للعلايلي عايشتها في بعض فترات العصف السياسي. وأزعم ان لها اهمية راهنة، من حيث هي مواقف شجاعة، نضالية، في قضايا (فكرية وسياسية وحياتية) لا تزال تؤرقنا حتى يومنا هذا. فالعلايلي وهو المؤمن يبحث بعقلانية مستنيرة رائية، في مختلف الموضوعات التي يتصدى لها: سواء في فقه اللغة، او في الفقه الاسلامي والشريعة، او في حركة التاريخ ومساراته والصراعات الاجتماعية، او في تيارات الفكر الاسلامي العربي والفكر العالمي الحديث، او في الثقافة وفنون الادب عموما، او في الحياة السياسية وحركات التحرر والكفاح... وهو لم يكن يكتفي بأن يعلن موقفا عصريا، حديثا، ومستقبليا، في هذه المجالات كلها، بل هو يرسل الضوء الى هذه القضايا والمجالات في اهم جوانبها والزوايا: يشرح، ويضيء، ويقدّم المعرفة، وينتج الافكار، ويمارس بالاخص المهمة الاساس: تفتيح العيون وتفتيح العقول. وفي السياسة، وباستمرار، كان مجابها، كاشفا، شارحا، تحرريا مستقلا لا يرتهن لتيار، شجاعا الى حد التهور. وكان، غالبا، في مواقفه السياسية النضالية، وكما قيل فيه: رجل الزلزلة... ومن حيث هو ديموقراطي النزعة والسلوك، ومدافع عن الحريات السياسية والديموقراطية، مد يده الى مختلف الاحزاب والحركات السياسية العقائدية في لبنان، اعطاها من فكره ومن نشاطيته ومن احلامه. وهو بالاخص (في الفترة من أواخر الاربعينيات حتى أواخر الخمسينيات) قدم إسهاما في تأسيس بعض هذه الاحزاب، وفي تطوير فكر بعضها الآخر، وفي الاشتراك بنضالات بعض ثالث، من دون ان يلتزم بحزب واحد، او يتعصب لتيار واحد، بل كان التزامه الاساس، والعمق الاساس، في اسهامه بنضالات ونشاطات العديد من الاحزاب هو: ايمانه بأن الصراع السياسي، الديموقراطي، بين التيارات والاحزاب، بين التنظيمات السياسية الشعبية والسلطة، هذا الصراع هو الذي يضمن الحركية الدائمة في المجتمع، ويزرع في الحياة الاجتماعية اسباب التطور، ويحمي المجتمع من الركود، اي يحميه من ان يتحول الى بركة آسنة. فكان يحرص دائما ليس فقط على استمرار الصراع السياسي، بل على الاسهام العاصف في حركة الصراع... »فالربيع كما يقول العلايلي انما يأتي على أكف العاصفة«. ومن المنظمات والاحزاب التي تعاطف معها العلايلي تاريخيا، اذكر: عصبة العمل القومي حزب النداء القومي لجنة التحرر الوطني في أواخر عهد بشارة الخوري الحزب الشيوعي اللبناني... ولكنه لم يتباعد عن الاحزاب والمنظمات الاخرى، المصنفة في معسكر اليمين اللبناني، فكان يحاورها من الموقع الديموقراطي، وانطلاقا من ايمانه بأن المنافسة الحزبية، وصراع البرامج، هي من المحركات الاساسية للتطوير الاجتماعي السياسي، والتأسيس لنظام ديموقراطي راسخ وعدالة اجتماعية. في تأسيس »الحزب التقدمي الاشتراكي« على ان الحزب الذي شارك العلايلي فعليا في تأسيسه هو »الحزب التقدمي الاشتراكي«. وكان للعلايلي إسهام اساس في صياغة »ميثاق الحزب« هذا الميثاق الذي شكّل في حينه ويشكّل الآن، والى حد كبير وثيقة فكرية تحررية تقدمية صارت من تراث فكرنا السياسي التحرري. ولا بد من التأكيد هنا ان »الحزب التقدمي الاشتراكي«، في زمان التأسيس (اي منذ 1949 وخلال النصف الاول من الخمسينيات) لم تكن العضوية فيه، وبالاخص في عناصره القيادية، تقتصر على ابناء الطائفة الدرزية! فمن المؤسسين الاوائل نقرأ اسماء: كمال جنبلاط، الشيخ عبد الله العلايلي، ألبير اديب، فؤاد رزق، فريد جبران، الدكتور جورج حنا... وهؤلاء هم الذين وقعوا »العلم والخبر« لتأسيس الحزب. وهناك آخرون كانوا على صلة وثيقة بالحزب في زمان التأسيس، منهم مثلا: جواد بولس، وفيليب بولس، ومحيي الدين النصولي... وآخرون. وأذكر من جملة العاملين المساهمين في تحرير جريدة »الانباء«، التي أصدرها الحزب مع بداية الخمسينيات وكانت مكاتبها في منطقة الجميزة، شرق بيروت، اذكر: الكاتب الاديب كامل العبد الله، وايلي مكرزل الصحافي بصفته صاحبها او رئيس تحريرها، والاديب الكبير رئيف خوري كان من كتّابها الدائمين، والكاتب السياسي موريس صقر عمل محرراً اساسياً فيها. وكنا، محمد عيتاني وأنا، في بدايات الكتابة، ننشر في »الانباء« مقالات ونقدات وأقاصيص. وكان العلايلي النجم المتألق في الجريدة، والخطيب المتوهج، الناري، في الاجتماعات العامة والمهرجانات الكبرى التي يقيمها الحزب والحركة السياسية المعارضة المتعاونة او المتحالفة مع الحزب. معارك في السياسة والشارع السياسي وأحب هنا ان اشير الى احداث ووقائع، شهدت بعضها. وشاركت، بشكل ما، في بعضها الآخر، مع العلايلي. وهي احداث لها دلالتها من حيث تبيان شجاعة العلايلي في اعلان الموقف السياسي الاقتحامي، ومن حيث اظهار جوانب من فكر العلايلي الرائي، ومن حيث انها ترسم صورته خطيبا مدهشا يمارس تأثيراً هائلاً في جموع الناس، ليس فقط من حيث سحر الكلام وسحر الصوت الداوي والمتعدد الطبقات، بل من حيث المضمون السياسي الكفاحي الذي يطرحه في الساحة... ÷ في أواخر عهد بشارة الخوري، وتفشي روائح الفساد والافساد والهدر، عبر فضائح »السلطان سليم« شقيق الرئيس، وحملات القمع والعداء للديموقراطية، وتصاعد نغمات »التجديد« من الجوقات الحاضرة الناضرة لعزف اسطوانتها في أواخر مختلف العهود... تشكل في لبنان تكتل سياسي تحت اسم »كتلة التحرر الوطني« من اركانها: عبد الحميد كرامي، كمال جنبلاط، كميل شمعون، جواد بولس، الدكتور جورج حنا، وآخرون... خاضت الكتلة معارك سياسية عديدة منذ عهد بشارة الخوري، وكان العلايلي ابرز خطباء هذه الكتلة السياسية، يملك طاقة التأثير في الحشود الشعبية، ويملك على الاخص منطقا تمرديا تحريضيا وناريا في تحريك الجموع. وكان ان انتصرت تلك الحركة، وتهاوى عهد بشارة الخوري رغم دوره الكبير، مع بدايات صعوده، في معركة الاستقلال... فالدولاب يدور. ÷ وعلى اكتاف »كتلة التحرر الوطني« صعد ذلك السياسي اللبناني المحنّك، كميل شمعون... كان صوته »عروبيا« في تلك الفترة حتى اطلقت عليه الصحف لقب »فتى العروبة الاغر«!. على ان هواه كان يتناغم مع الهوى الانكليزي والاحلاف العسكرية والتحالف مع الاميركان ضد رياح اليسار الآتية من صوب العراق، في ذلك الزمان، حيث صعد نجم عبد الكريم قاسم مع التصاعد الشعبي الهائل للشيوعيين هناك. ونجد العلايلي نفسه، المدافع الدائم عن الديموقراطية، والمعادي لأي ارتباط بالاجنبي المستعمر، يقف في الصف الاول المجابه لعهد كميل شمعون وللعازفين على اسطوانة »التجديد« نفسها!!. ولا تهمنا، هنا، التفاصيل... بل يهمنا التأكيد على: ان العلايلي هو في الساحة دائما، دفاعا عن الديموقراطية وحق الشعب في الحرية والتحرر والعيش الكريم. ÷ موقف آخر تطلب من العلايلي شجاعة اكبر واعمق، واخطر... وفيه لا يجابه الحاكم فقط، بل هو يجابه الرأي العام، يواجه توجهات الجماهير نفسها في لبنان والعالم العربي. هو الموقف المعارض لثورة تموز (يوليو) المصرية 1952، والمعارض تاليا لجمال عبد الناصر وهو في ذروة صعوده وانتصاراته وجماهيريته الهائلة. فما هي تفاصيل هذا الموقف؟ وما مدى الصواب والخطأ فيه؟ والى اي حد اكدت السنوات اللاحقة مقدار الصواب ومقدار الخطأ في موقف العلايلي، الصريح، والشجاع، والمتهور، والمعاند؟ في أواخر الاربعينيات وخلال الخمسينيات، كان الشيخ العلايلي يكتب اسبوعيا في جريدة »كل شيء« (وكان يشرف على تحريرها سعيد سربيه ومحمد البعلبكي) مقالات في السياسة والفكر السياسي، تحت عنوان »شيء صريح«، لم يكن »يعلّق« على الاحداث، كان »يقرأ في الاحداث«، خلفياتها وأسرارها، ويكشف خيوط الترابط بين احداث هنا في لبنان واخرى في بلدان اخرى، ويخلص من خلال الربط والتحليل الى استنتاجات تكشف ما كان يطبخ للمنطقة، في تلك الفترة، من مشاريع سيطرة واستتباع وتوزيع مغانم وتبادل مواقع وقوى... وكانت حول العلايلي، على صفحات »كل شيء«، كوكبة من الكتّاب، منهم المعروف في ميدانه ومنهم الجديد على الميدان، اذكر مثلا اسماء: رئيف خوري، عبد اللطيف شرارة، حسين مروة، محمد عيتاني، وكاتب هذه السطور. وكان العلايلي هو المحرك والموجه وموزع الموضوعات، في السياسة خصوصا وفي الثقافة. احيانا كان العلايلي يشتط في الاستنتاج، وغالبا ما كان يصيب. »شهادة في الانقلاب«... الناصري في تلك الفترة، حدث »انقلاب« يوليو في مصر. لم تكن الصحافة العربية تستخدم تعبير »ثورة يوليو«، ولم يكن بعد قد برز وتميز اسم جمال عبد الناصر. كانت الصحافة تطلق على الحركة هذه صفة »الانقلاب المصري« او »العسكري« او »انقلاب البكباشية«، لأن أكثر القائمين به كانوا من رتبة »بكباشي« في الجيش المصري. ومنذ البداية أعلن العلايلي موقفا صريحا من الانقلاب، واعتبره بمثابة: قطع الطريق على الثورة الشعبية الحقيقية!! أعلن العلايلي موقفه الحاسم هذا في سلسلة مقالات بعنوان »شهادة في الانقلاب«، مقابلات جريئة، قاطعة، أساسها الايمان بالديموقراطية والثورة الشعبية، أما لهجتها فكان فيها مبالغة وغلو في الاتهام والإدانة. ÷ وللعلايلي مواقف كثيرة يمكن ان تُروى، وجوانب عديدة، في فكره وشخصه، من المهم جدا درسها والحديث عنها، بينها مثلا: الجانب الأهم في نشاطه الذهني والفكري، أي: اللغة العربية وتطويرها، وحكاية »معجم العلايلي الكبير«، خصائص هذا »المعجم«، طرائقه واقتراحاته الجذرية والمستقبلية لتطوير اللغة العربية، وجهده الريادي في إعادة قراءة معاني الكلمات في تحوّلاتها وتطوراتها حسب التطورات الحضارية في مختلف مراحل التاريخ العربي، ووضع أسس وقواعد، من قلب اللغة نفسها، لنحت كلمات جديدة.. ثم اجتهادات العلايلي في ميدان التطوير المعاصر للفكر الإسلامي، بالأخص في قضايا التحويلات الاجتماعية والنظام الاجتماعي، وقد تجلَّت هذه القضايا بوضوح أكثر، وبجرأة في التفسير والتأويل، في كتابه المميز »أين الخطأ؟/ تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد..« (الصادر عام 1978) حيث يتبلور الكثير من اجتهادات في الفقه والتشريع الإسلامي بما يتوافق مع جديد العصر وتطوراته، وهو الكاتب الذي أثار جدلا واسعا وهزَّ صروح المحافظين المتزمّتين، في بلاد النفط بشكل خاص، فضغطوا على الناشرين، فحذف الناشرون من الكتاب عدة صفحات »خطرة«، ثم ضغطوا على الناشرين مجددا فسُحبت نسخ الكتاب كلها من الأسواق!! (وظلت نسخ الكتاب مفقودة، حتى قامت »دار الجديد« بمبادرة شجاعة، وبإشراف العلايلي نفسه، فأصدرت منه طبعة جديدة، كاملة، وذلك بعد 14 سنة من طبعته الأولى، المفقودة..). »الناس شركاء في ...« .. الثروات النفطية فماذا في هذا الكتاب.. الخطير؟ لقد تصدّى العلايلي فيه لمعالجة العديد من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المطروحة في المجتمع اللبناني والمجتمعات العربية عامة، وذلك انطلاقا من نظرة الأحكام الشرعية والدين الإسلامي إليها، ولكن بذهنية فقهية اجتهادية تجديدية متفتحة على حاجات العصر والتطور، تجعل من هذا الكتاب حدثا ثوريا في الفكر الفقهي الاجتهادي. ولكن الحدث الحدث هو: تلك الصفحات التي تعلن رأي العلايلي، استنادا الى حديث الرسول، بأن الثروات النفطية في أي بلد عربي هي ملك شرعي عام لسائر الشعوب والبلدان العربية. فقد جاء في حديث للرسول، لا خلاف بين علماء الدين على صحته، قوله بصريح العبارة: »الناس شركاء في ثلاث: الماء.. والكلأ.. والنار..«. قرأ العلايلي شروحات الفقهاء، وما يعنيه الرسول بالماء والكلأ والنار، وتجاوز مختلف تلك التفسيرات، وسلّط الضوء المعاصر على معنى (النار): وهو الوقود بمختلف أشكاله، وتحوّلاته واكتشافاته، منذ عهد الرسول حتى يومنا هذا... وهكذا يدخل تحت معنى »النار« الوقود الخام، و»الفحم بقسميه الحطبي والحجري او القاري (الزفتي)، والنفط والغاز الطبيعي وخامة الأورانيوم«. (ص 50) ويقول العلايلي ان النفط في البلاد العربية »ليس لواضعي اليد على أرضه، بل هو شركة سواء بين الأقاليم« فإذا تفجّر في البلدان النفطية فهذا لا يعني ان من حقها وحدها الاستئثار به، بل هو أيضا حق شرعي للبلدان العربية الأخرى: لبنان مثلا، والأردن، ومصر، وسوريا، والسودان، الخ.. وهي ليست ملكا لحكّام هذه البلدان او لعائلاتها الحاكمة، بل للشعب، للمجتمع المدني، للمؤسسات الشعبية والعامة ومؤسسات التعليم على أنواعها.. (وتوزيع هذه الثروات على هذه البلدان ليس دينا كما يؤكد العلايلي ولا هو معونة بل هي حق شرعي ثابت). ويتوجه العلايلي الى ناس هذه البلدان بهذا النداء الحار: »فيا أيها الضارعون المعذبون في الأرض، طالبوا بحقكم الشرعي هذا، بالفم الصارخ... ولا يتهيّب ممثلكم من مالكيه، فيتقدم كسيفا، فأنتم شركاء شرعا..« (ص 50) لهذا، بالطبع وبالضبط، سُحب الكتاب من الأسواق. ولهذا أيضا، أعادت »دار الجديد« طبع الكتاب كاملا، بإشراف العلايلي، في حركة صراعية، ستظل بين مد وجزر حتى يقضي الناس أمرا وأمورا هي من حقهم الشرعي والإنساني ومن بديهيات عدالة اجتماعية لا تتحقق إلا عبر الصراع الدؤوب والطويل. في تقديمه لهذه الطبعة الثانية من الكتاب، أشار العلايلي الى ما أثاره الكتاب من ضجة خلال صدوره، وقال: ان ما يعنيني من هذا كله »ان الناس وجدوا في الكتاب شيئا يحمل على التساؤل.. وهذا، عَلِم الله، ما يهمني من كل أمره، فرسالة الكاتب الحقيقية لا تعدو هذه الإثارة: لنتساءل.. ثم لنعرف«. كل معرفة حقيقية تتطلب التساؤل، والتساؤل يتضمن الشجاعة والاقدام والعقلانية والتعامل الديموقراطي مع الأفكار«. وقديما، قال العلايلي، في واحدة من مقدمات معجمه الكبير: »لست أؤمن بالأسوار، هذه قاعدة كل تحرك عندي، لأن الايمان بالأسوار إيمان بالتحديد والجمود، فسبيل أبناء الحركة انهم يتطوّرون، وعذرهم انهم يحسّون بتبعة الحياة..«. الحياة.. الحياة على هذه الأرض، والكفاح لإحقاق العدالة في هذه الدنيا، كان الموجّه الأساس لكل مسيرة العلايلي في أعماله وإنجازاته وأشواقه. وقد لاحظ الباحث الدكتور علي سعد في دراسة مهمة له ان العلايلي، لدى بحثه في الشؤون الدينية، يوجّه اهتمامه الى »استكشاف الجوانب الإنسانية في أحكام الشريعة الإسلامية ودلالتها الاجتماعية الرامية، في نهاية المطاف، الى حماية حياة الإنسان على هذه الأرض« (دراسة ضمن كتاب: »الشيخ عبد الله العلايلي، مفكرا ولغويا وفقيها«، منشورات: اتحاد الكتاب اللبنانيين، ص73). وهذه ملاحظة دقيقة ورهيفة، خاصة إذا لاحظنا ان العلايلي، في مختلف أبحاثه الإسلامية، لا يوجّه اهتماما الى البحث في مسألة الآخرة، فهذه مسألة ايمانية لها مجالات أخرى. بل ان اهتمامه الأساس، في أبحاثه واجتهاداته، موجّه الى الانسان، حياة الإنسان على الأرض، تحسينها وتطويرها والاسهام في تنظيم أمور المجتمع، والدفع في اتجاه التقدم وتحقيق العدالة الاجتماعية، دون تأجيل أسباب العدالة والسعادة والعيش الكريم الى حياة أخرى موعودة.. وهذا جانب أساس في شخصية العلايلي الإنسانية والعصرية الواسعة الأفق. وهذه الخاصيّة تكمن في أساس اهتمام العلايلي بالمشاركة العملية في حركة تطوير العمل الاجتماعي السياسي الفكري والتحرري، والعمل دائما على ترسيخ العقلانية والاستنارة في التفكير وطرائق البحث وأساليب بناء الحياة.