As Safir Logo
المصدر:

تفاحة أخرجت آدم وتفاحة سببت حرب طروادة وفي الجنة أعناب ونخيل الفاكهة في السماء كما هي على الأرض

بول غوغان (8481 ـ 3091)
المؤلف: الخطيب بسمة التاريخ: 2004-08-20 رقم العدد:9875

هل يتوقّف الإنسان لحظة واحدة قبل أن يقضم ثمرة لذيذة ليتفكّر في تاريخها ومعانيها؟ هل يعنيه الدور الذي لعبته هذه الثمار، وضمنها الفواكه، في تاريخ الإنسانيّة؟ في الوجه الجيولوجي والنباتي والحضاري للأرض والكون؟ هل يلتفت إلى مكانتها في الميتولوجيا والأساطير والقصص الشعبية، وبصمتها في الذاكرة البشرية؟ بالطبع لا. فالإنسان الذي توّج نفسه سيّداً على الطبيعة، وأعطاها، أي نفسه، جميع الحقوق في استغلالها وخرق قوانينها، يعتبر هذه الفواكه والثمار مجرد عبيد لغريزة لذّته واشتهائه. يلتهمها وكفى. للتحلية والتغذية. لا لشيء آخر. التهام الفاكهة عمل يومي روتيني، لا عناء فيه، كما لا عناء للحصول على هذه الثمار. نشتريها من الأسواق، تُعرض علينا في بيوتنا، على الطرقات والأرصفة. لكن الحقّ الذي لا نجد متّسعاً لفهمه والتبحّر فيه هو أنّ الفاكهة هذه أعظم مما نقدّر بكثير. هي لعبت، في كلّ صنف من أصنافها، دوراً في التاريخ، كان لها وزن في موازين الحروب والصراعات والمعادلات الجيوسياسية، سمّيت بلاد باسمها، عاد غزاة بنصرٍ أحياناً أو هزيمة أحياناً أخرى لكنّهم في معظم الأحيان عادوا بغرسات أشجار الفاكهة وثمار فتنتهم وفتنت شعوبهم. هذا لا ينسينا البداية. ففي البدء كانت »الثمرة«! تفاحة وفق التوراة والإنجيل، وثمرة مجهولة وفق القرآن الكريم. أقسم الله بالتين والزيتون. وعد ذرّية آدم الصالحة بجنّة فيها أعناب ونخيل وأنهار خمر. وضع الحور العين والفاكهة المباركة في كفّة واحدة، جنباً إلى جنب، جزاءً للصالحين. ليس عبثاً الجمع بين هاتين اللذتين، فهما تشبعان أقوى غريزتين لدى الإنسان. نحن البشر فُطرنا على عشق الفاكهة. قد يوجد بيننا من يكره أنواعاً من الخضار والمأكولات أو الطبخات... لكن من النادر أن يوجد من يكره الفاكهة. قد يفضّل بعضها على الآخر. لكن العلاقة لا تصل إلى الكراهية. قد خُلقت الفاكهة لإغوائنا. وهذا فعلاً أول عهدنا بها. أنزلت أبانا آدم وأمّنا حواء من جنات الخلد إلى أرض الفناء، وكتبت علينا شقاءً عابراً في الحياة الأولى، وعقاباً خالداً في الثانية لمعظمنا، وجنّة موعودة لقلّتنا القليلة. يشاركنا آخرون في عشقنا لالتهام الفاكهة: الطيور القوارض القردة... لكننا الأقوى، الحصّة الأكبر لنا! يا له من نصر نحقّقه على أضعف مخلوقات الأرض. لكنّه نصر يحقّق لنا السيطرة على الفاكهة التي نعشق ونشتهي، ولا نكره برغم ما فعلته بنا. ارتبطت الفاكهة بالإنسان وصارت جزءاً من قدره وماضيه ومستقبله. في مناسباته جميعها حضرت. قُدّمت للمعابد، عُبدت، تحديداً بعد أن اكتشف الإنسان أن ماءها المخمّر هو ماء مقدّس، وأن في بعض أنواعها شفاء وعلاجاً بدنياً ونفسياً (الليمون لتهدئة الأعصاب، والتمر للحدّ من نشاط الغدّة الدرقية، والتين لتقوية البدن..) كذلك جعل الإنسان من الفاكهة رمزاً للنضوج والتكاثر والخير، إذ هلّل بنضوجها، مستبشراً بحصاد وفير. لكن رمز الخطيئة والغواية لم يمح. في القرن الخامس الميلادي شاع تلقيب التفاح بفاكهة الخطيئة. وفي القرون الوسطى شاع القول المأثور »من التفاحة ولد كلّ شر«. أما تلقيبها بثمرة المعرفة فلا دليل عليه، إلا أنّ التقارب بين اسمها اللاتيني malum والاسم اللاتيني لكلمة شرّ وهو malus دليل واضح على الربط بين التفاحة والشرّ نسبة للروايات السماوية. ما هي الثمرة؟ الثمرة هي النتيجة العلمية لعملية تلقيح الزهرة. الزهرة هي المبيض غير الملقّح والثمرة هي المبيض الملقّح. بعد اجتماع البويضات مع حبوب اللقاح يتطوّر مبيض الزهرة فتصبح ثمرة وتسقط عنه البتلات. هناك استثناءات لثمار تنضج بلا تلقيح، مثل العنب الخالي من البذور والخيار والموز. ينمو لبّ الثمرة حول حبوبها. والعلم يثبت انّ مهمة هذا اللبّ، ومهمة الثمرة ككلّ، هي حماية الحبوب، التي ستصبح في ما بعد نبتة وتطرح الثمار وتوفّر استمرار الصنف. المسألة مسألة وجود وتستحقّ العناء. ليست عبثا او صدفة او كرمى لعيون الكائنات الملتهمة. المسألة هي الدفاع عن الاستمرار والبقاء في حلبة صراع طاحنة، لا ترحم إلا من يستحق البقاء. يثبت هذا الكلام العلمي العلاقة الدلالية بين الثمرة والمرأة، بين العضو الأنثوي و(الزهرة الثمرة). كلاهما يحقّق التكاثر وبقاء النوع. العلم أيضاً يثبت أن الثمار الرقيقة القشرة، الكثيرة العصارة، الهشّة، كالخوخ والعنب تولّد غشاءً أبيض رقيقاً فوق قشرتها لحمايتها من الشمس والحشرات. ألا يذكّرنا هذا بغشاء البكارة!؟ تفاحة الخطيئة ارتبطت التفاحة أكثر من أي ثمرة أخرى بالمرأة، منذ حوّاء إلى فينوس التي رسمها برونزيني أواسط القرن السادس عشر ماسكة تفاحة بيدها، إلى Pomone إلهة الفاكهة عند الإغريق، التي يركن إليها حماية شجرة التفاح ومحاصيلها، ويأتي من اسمها الجذر اللاتيني لكلمة pomme، إلى أتلانت التي اشترطت على خطّابها أن تسابقهم فمن سبقته قتلته، ومن سبقها تزوّجها، وكانت سريعة جداً في العدو، إلى أن أتى لسباقها شاب أعجبها هو ماهان، فرأفت به وأخذت معها ثلاث تفّاحات كلّما سبقته رمت تفاحة خلفها وعادت لالتقاطها، ثم تفاحة ثانية وثالثة إلى أن تمكّن الشاب من أن يسبقها فتزوّجها. وصولاً إلى مريم العذراء التي غالباً ما ترسم تفاحة في يد ولدها الجالس في حضنها. مروراً بفينوس أو رديفتها أفروديت، التي تسبّبت مع تفاحة ذهبية من دون قصد بحرب طروادة. فإذ كان على باريس الشاب أن يختار أجمل آلهات الحفلة ليعطيها التفاحة الذهبية المكتوب عليها »ألى الأجمل«، متحيّراً بين أفروديت وهيرا ووأثينا، اختار أخيراً أفروديت التي وعدته بحبّ وقلب أجمل امرأة (بشرية) في الأرض وهي هيلين زوجة ميلانس ملك اسبرطة، مفضّلاً هذا الوعد على وعدي الإلهتين الأخريين بالمجد الحربي والسلطة الملكية، مقرّراً اختطاف هيلين، الذي أشعل الحرب الشهيرة. التفاح هو الفاكهة الأكثر استهلاكاً وشهرةً اليوم، والأقدم تاريخاً، إذ يعود عمر شجرة التفاح إلى 80 مليون سنة. سبب هذه الشهرة يعزى إلى كون التفاحة أكثر الفاكهة محاكاة للحبّ والرغبة والمرأة، تشبّه استدارات الأنثى بالتفاح كذلك مذاق لبّها الناعم ونكهتها العطرة وملمسها. في قاموس »الثمار والخضار« الذي وضعه جان لوك هيننغ Henning، يشبّه التفاح بمؤخرة المرأة وخدّيها. وفق التقاليد البشرية التفاح فاكهة مقدّسة وملحمية ترمز إلى الخلود والسلطة. أشهر تفاح الأساطير هو التفاح الذهبي في الميتولوجيا اليونانية الموجود في حديقة تحرسها فتيات رائعات الجمال هن فتيات هسبريدس Hesperides وهن بنات أطلس (الحديقة هي هدية الزواج التي قدّمتها غايا »الأرض« إلى هيرا. يعرض هرقل أن يحمل عن أطلس العالم مقابل أن يذهب الأخير بدلاً منه لقطف التفاح الذهبي، يقبل أطلس العرض للتخلّص من العقاب الذي يثقل كتفيه، بعودته سعيداً بالتفاح يطلب منه هرقل أن يحمل العالم مجدّداً لثوان معدودة ريثما يعود، فيقبل ولكنه يكتشف أن هرقل خدعه وفرّ بالتفاحات. على أن البعض يذهب إلى اعتبار التفاح الذهبي الوارد في إلياذة هومير هو البرتقال. نعود إلى الطقوس والمعتقدات المرتبطة بالتفاح. فعصير التفاح وخمرته بالنسبة إلى سكان أوروبا الشمالية يحقق الشباب الدائم لأجسادهم. وفي حكاية شعبية تشرق الشمس من شجرة تفاح مسحورة تحت مباركة أفعى تسكن جذعها. كذلك طفل روماني من أسياد السماء أعطته امرأة عذراء تفاحتين، فرمى بهما، محوّلاً إحداهما إلى الشمس والثانية إلى القمر. اقتسام تفاحة بين ذكر وأنثى يعني عرض الزواج، أما أن يقضماها معاً في الوقت نفسه، فتعني الذهاب إلى أبعد من ذلك. ويل للشابة الصقلية إذا رمت تفاحتها يوم القديس جان في الشارع ولم يلتقطها أحد، فذلك يعني أنها ستصبح أرملة بعد زواجها مباشرة! هو الفاكهة الوحيدة التي لها سورة في القرآن الكريم. يقسم بها الله وبالزيتون. البعض يفسّر أن القسم انما بجبلين اسماهما على اسم الثمرتين اللتين تنبتان فيهما. التين أيضاً قد يكون الورق الذي ستر آدم به عورته وذراه في بلاد الهند، حيث سقط عند نزوله الى الأرض، ويقال إن ورق التين يبس وتبعثر في بلاد الهند، وإليه تعزى الروائح والأطياب في أرض الهند المقدّسة. أما الزيتون فهو الإشارة المباركة التي حملتها الحمامة التي أرسلها نوح لاستكشاف خبر الطوفان بيما هو في الفلك. عودة الحمامة بغصن الزيتون الذي التقطته كانت دليلاً على أن الأرض ابتلعت المياه، ودليل سلام منذ ذلك الحين. نعود إلى التين وهبوط آدم من الجنة، تقول بعض الروايات الفقهية الإسلامية (وفق ما يورد المسعودي في »مروج الذهب«) أن آدم أنزل معه من الجنّة 30 غرسة لأشجار مختلفة، منها التين والتفاح والزعرور والعنّاب والإجاص والنخيل والعنب والتوت والخروب والبندق واللوز.... لذلك عامل المسلمون هذه الأشجار على أنها من أشجار الجنة وإن لم ترد في القرآن. إلا أنه ينسب للرسول الكريم حديثه: »التين أشبه شيء بنبات الجنّة«. عامل الإنسان منذ القدم التين معاملة مميزة، وعرف فوائده. لعلّ المادة البيضاء التي تنزّ من عرق التين، وتسمى حليب التين، أشارت إلى احتوائه على الكالسيوم، وهذا ما أثبته العلم، فنصف كوب تين يفوق كوب حليب كاملاً من حيث احتوائه على الكالسيوم. التين »محبوب الفلاسفة« كما سماه الإغريق، إذ كان سقراط وأفلاطون وجالينوس مولعين به، ووصفوه غذاء للمحاربين واللاعبين الأولمبيين. وفق التقاليد الإغريقية كانت الزوجة الشابة تتجوّل في منزلها حاملة سلة فيها التين المجفّف والحبوب لتبارك البيت وتستبشر بالخير القادم. في أناجيل متى ومرقس ولوقا ذكر لحادثة بطلاها يسوع وشجرة التين، فقد مرّ المسيح بالشجرة ولم يجد عليها ثمرا، فأمرها أن تموت، فيبست في الحال. مفاد القصّة كما شرح لتلامذته أن الفشل في استغلال الامتيازات الممنوحة لنا يؤدي إلى حرماننا منها. وحادثة أخرى يوردها جرميا، اذ يعرض الربّ سلّتين من التين أمام معبد الخلود قبل السبي البابلي ويأمر جرميا أن يصف ما يرى. في أحداهما تين جيد وفي الأخرى تين فاسد. يفسّر الرب لجرميا أن التين الجيّد يحظى بعنايته وقلبه معه، كشعبه المختار، أما الفاسد فهو يرمز إلى شعبه الفاسد الذي حكم عليه بالتشرّد والشتات في كلّ العالم. الطريف في التين أن الثمرة الكبيرة منه حين تنضج وتحديداً التي من النوع البري تسمّى »فحلا«. البعض يسميها »كوزا« موازيا بينها وبين كوز الرمان والصنوبر الضخمين. أما أعجوبة التين فهي أنه لا يتطوّر من زهرة، فلا تنبت الزهور على أغصان التين، بل إن الزهرة تنبت داخل الثمرة! كيف؟ الزهرة داخل الثمرة بألوانها الحمراء والبيضاء، وهي تنتهي بحبيبات صغيرة »تقرمش« وتعطي للتين نكهته وملمسه المميز بين الأسنان وفوق اللسان. عندما تنضج الثمرة كثيراً تتفتّح الزهرة وتظهر للخارج وتجذب العصافير بحبيباتها الشهية. توت العاشقين ليس أدلّ من التوت على الدور الذي لعبته الثمار في التاريخ، التجاري منه تحديداً. فلأجل عيون الحرير ازدهرت زراعة أشجار التوت التي يتغذى من أوراقها دود القزّ. عبر طريق الحرير مرّ التاريخ بقوافله وحروبه ونزاعاته ورحلاته الاستكشافية... الأسطورة تقول إن التوت كان أبيض كالثلج، لكن الحبيبين الشابين Pyrame و Thisbe الممنوعين من حبّ بعضهما، كانا يتسلّلان ليلاً للالتقاء تحت أوراق شجرة التوت، إلى أن التقطت لبوة منديل الفتاة فظنّ الشاب أنها التهمت حبيبته، فطعن نفسه. عندما أتت الحبيبة طعنت نفسها أيضاً، وروت دماؤهما الشجرة فتحولت ثمارها إلى اللون الأحمر. (بنى شكسبير على هذه الأسطورة مسرحيته الشهيرة روميو وجولييت مستبعداً ما يتعلّق بالشجرة استخفافاً بقيمتها الدرامية على الأرجح). طريقة قطف المشمش هي من أجمل اللقطات الإنسانية والطبيعية. يتحلّق الحصادون حول الشجرة حاملين ملاءةً، يهزّ أحدهم جذع الشجرة فتتساقط الثمار فوق الملاءة. مطر المشمش هذا يعامل برقّة وحذر نظراً لرقّة الثمرة صاحبة القشرة المخملية. قد تغزّل الشعراء بالمشمش فقال ابن المعتزّ: ومشمش بان منه أعجب العجب يدعو النفوس إلى اللذات والطرب كأنّه في غصون الدوح حين بدا بنادق خرجت من خالص الذهب من مزايا المشمش امكانية تجفيفه وأكله طوال العام، وتحويل هذه الثمار الى مشروب له مكانة عند المسلمين في المائدة الرمضانية، افطاراً وسحوراً، اذ يساعد على تحمّل العطش عند الصيام. الخوخ: اشتهرت عبارة aller pour les prunes، »الذهاب لأجل الخوخ« بعد الغزوات الصليبية التي أخفقت ولكنها عادت من دمشق الشام بغرسات الخوخ التي لم تعرفها أوروبا سابقاً. سمّي هذا الخوخ »بخوخ دمشق«، أما النوع الذي أولعت به الملكة كلود زوجة الملك فرانسوا الأول فسمي باسمها »خوخ كلود«. كانت ثمار من الخوخ المجفّف قد وجدت في المقابر الفرعونية. البطيخ: يروى عنه أنه أُخرج من الجنة. وفي حديث نبوي يرد: »تفكّهوا بالبطيخ فإن ماءه رحمة وحلاوته من حلاوة الجنة«. العنب: ورد في 11 آية قرآنية. قال في أحد أنواعه ابن الرومي: كأن الرازقي وقد تباهى وتاهت بالعناقيد الكروم قوارير بماء الورد ملأى تشفّ ولؤلؤٌ فيها يعومُ الرمّان: أيضاً من ثمار الجنّة، وفق ما ذكر في القرآن، »فيها فاكهة ونخل ورمان« في سورتي الأنعام والرحمن. تسمى زهرة الرمّان جلنار. وهي رمز الجمال. حكى الرمان أول ما تبدّى حقائق زبرجد يحشون درّا فجاء الصيف يحشوه عقيقا ويكسوه مرور القيظ تبرا ويحكي في الغصون جمال حور شققن عنهن خضرا التمر: الغذاء المفضّل لخلايا الدماغ والخلايا التناسلية. »العجوة من الجنّة وهي شفاء من السمّ وماؤها شفاء للعين«: حديث نبوي. أكرم الله النخلة أكثر من أي شجرة أخرى. وضعت تحتها مريم العذراء ابنها، وكانت لها ملاذاً وطعاماً. التمر والبلح يهدّئان النفوس المضطربة إذ يحدّان من نشاط الغدّة الدرقية. الأناناس: أغرم لويس الرابع عشر بالثمرة الغريبة الواردة من المناطق الاستوائية. كان كولمبوس أول من أدخلها إلى أوروبا. نصبت الخيام البلاستيكية في حدائق قصور لويس الرابع عشر. كان على العامّة أن ينتظروا مطلع القرن التاسع عشر ليشتروا الأنانس من الأسواق الشعبية ويتعرفوا إلى مذاقها الملوكي! فرامبواز: نبقى في أوروبا وأريافها الخلابة التي نبتت فيها قمرة الفرامبواز (عليق أحمر صغير يشبه الفريز) وفق الأسطورة هذه الثمرة كانت مقرّبة من الألهة أولمب. نبتت فوق جبل أيدا وهي ترياق للسموم. لكنها مخادعة فثمارها الحمراء لا تعني دائماً أنها ناضجة. الكرز الملهم موطنه الأصلي القسم الشمالي من الكرة الأرضية اوروبا وأميركا الشمالية. انواعه: الأول حلو لكن طويل الأشجار تصل إلى 15 متراً. والثاني حامض المذاق كثير العصارة أشجاره قصيرة. تهجين النوعين للحصول على كرز حلو كثير العصارة، أطلق عليه اسم »الكرز الإنكليزي«! اختار القائد الروماني شتلات الكرز تعبيراً عن فرحته بالنصر الذي حقّقه في سيرازونت Cerasonte في العام 73 قبل الميلاد، بعودته من المنطقة التي هي في تركيا حالياً، حمل غرسات الكرز المثقلة بالثمار الحمراء اللامعة على أنها رمز غنائمه. لا يهدر شيء في شجرة الكرز الثمار للأكل والمربّى والحلويات والشراب، والزهور الجميلة للتزيين، والخشب لصنع الموبيليا. عشق لويس الخامس عشر الكرز وأمر بزرعه في حدائق قصره. ازدهرت زراعته حتى كان الفرنسيون يخرجون جماعات جماعات لحصاد الكرز. ارتبطت هذه الفاكهة بمخيلات المبدعين فاختاروها عنواناً لأعمال شهيرة وخالدة، منها أغنية »زمن الكرز« التي كتبها جان بابتيست كليمن Clement، عام 1866، ولحّنها انطوان رُنار عام 1868، وهي برغم أنها نشيد رومنسي وجداني وضع قبل العصيان إلا أنّها اعتبرت نشيد المتمردين الباريسيين الذين قاموا بالعصيان الشهير الذي عرفته باريس عام 1871. كذلك الكوميديا المسرحية التي كتبها تشيكوف عام 1903 بعنوان »حقل الكرز« Cerisaie، وما زالت تعرض إلى اليوم وفق وجهات نظر مقتبسيها من المخرجين والكتاب المسرحيين. وفيلم »طعم الكرز« للمخرج الإيراني عباس كياروستامي الذي أُنتج عام 1997 ونال السعفة الذهبية في مهرجان كان. الثمار جميعها لعبت دوراً في عالم الفنون الجميلة. وجد الرسّامون فيها مادة غنية وملهمة للوحاتهم، بعثرها ماتيس في لوحته Desserte rouge عام 1909، ومزجها Jan de Heem الرسام الهولندي في لوحته مع الزهور. أما سيزان فقد ركّز على الإجاص في لوحته »طبيعة ميتة«. علماً أن الفاكهة في مدرسة »الطبيعة الميتة« كانت طاغية الحضور. قد يكون الرسامون رأوا فيها دلالة على التلف السريع لمنتوجات الطبيعة والنهاية الأكيدة لكل ما فيها. لماذا تنضج الثمار تباعاً؟ ربما لم نسأل أنفسنا هذا السؤال كثيراً. نحن ننتظر المواسم من دون أسئلة. لكن معرفة الإجابة قد تشبع نهماً من نوع آخر. تنضج الثمار تباعاً وفق درجات طراوتها ورقّة قشرتها. في أوائل الربيع ينضج التوت والفريز والأكي دنيا، في وسطه الكرز والخوخ والمشمش والدراق، منتصف الصيف تنضج معظم الثمار: التين والعنب والصبّار والبطيخ والشمام والبلح... ثم يأتي الخريف فيُنضج التفاح والزيتون الذي يحتاج إلى أمطار خريف وشتاء كاملين، وشمس ربيع وصيف كاملين، كي ينضح زيتاً مقدّساً، رافق طقوس العبادات أجمع وكان دواءً ووقوداً. اذاً هذا هو القانون: من الأضعف إلى الأقوى. من الأسرع عطباً إلى الأكثر تحمّلاً (العنب برغم رقّته يدوم على الدوالي لأكثر من شهرين!) وتبقى ثمار الكستناء والبلوط والحمضيات لفصل الشتاء، مواتية الجوّ القاسي، بعضها يحمل سعرات حرارية عالية والآخر مضادات للزكام. كلّ هذا كي لا نملّ، لا تختلط علينا المذاقات. كي نشتاق إلى الفاكهة الموسمية، ونقدّرها أكثر بكثير مما نقدّر الفاكهة المحفوظة في الثلاجات. في ليالي الصيف، تحت إحدى النوافذ، تمرّ حشرة تسمّى »سوساية العنب والتين« تغنّي محتفلة بموسمي الفاكهتين، يُحكى أنها تنشد في كلّ نغمة قائلة (سلّ عنب ، سلّ تين... سلّ عنب، سلّ تين) لا ينزعج أحد منها بل يفرحون لغنائها، لبشائرها. إنّه الصيف. جميع الثمار نضجت. جميع الثمار أكملت دورة هذا الموسم. ليت الإنسان يفهم لغات الثمار والحشرات والشمس والمطر، ليحتفل معها ويتمكّن هو أيضاً من إتمام موسمه والانتقال إلى موسم جديد، يطرح فيه ثمرة جديدة، يستحقّ بها أن تشاركه تلك الكائنات الخلابة، المتفوّقة، العيش فوق كوكب واحد، وتقبل أن تعطيه لحمها ولبّها ونواتها وجلدها مقابل أن يمنحها عنايته وفهمه وإنصاته لها. أنصتوا! إنّه الصبّار، يعلن من تحت أشواكه ووبره أن الشهد يتغلّب على أقسى الظروف المناخية! أنصتوا للشمس هي لا تتعمّد إيذاءكم بلهيبها، ولا تكترث أصلاً لكم، بل تعطي مجدها للثمار كي تتمّ ما خلقت لأجله. فلينصت الجميع ولتتكلّم الفاكهة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة