As Safir Logo
المصدر:

المنتصر والمهزوم في معركة النجف!

المؤلف: اللامي علاء التاريخ: 2004-08-19 رقم العدد:9874

بعد المعارك الضارية والعنيفة، وبعد أن أعلنت القوات المحتلة وتوابعها من حرس وشرطة الحكومة الموقتة، عن سيطرتها على مقبرة وادي السلام التي حُرثت حرثا بالمدفعية والصواريخ وعلى وسط مدينة النجف، لم يعد أحد يشك في أن المحتلين وحلفاءهم المحليين قد أحرزوا نصرا عسكريا لا يمكن نكرانه حتى بعد انسحابهم التكتيكي من وسط المدينة، لا بل إن الطرف الآخر (بحسب تصريحات الشيخ حسن الزرقاني مسؤول العلاقات الخارجية في التيار الصدري للصحافة اللبنانية) قد قال مسبقا إن قيادة التيار وجيش المهدي لم تكن تفكر بالانتصار عسكريا على أعظم قوة عسكرية في العالم برشاشات الكلاشنكوف وقذائف الآر بي جي. وتكملة الشطر الثاني من البيت معروفة وتقول بأن تطويرا لحالة مناهضة ومقاومة الاحتلال قد حدث وأن تقدما سياسيا نسبيا نحو تحقيق الهدف المركزي ألا وهو إجبار الاحتلال على الانسحاب واستعادة السيادة العراقية قد تحقق. وعلى الرغم من كل ما عبرت عنه ظواهر الأمور والأحداث فإن نصرا حقيقيا لم يتحقق لمن تقدم عسكريا مثلما أن هزيمة فعلية لم تحصل على الأرض لمن تراجع عسكريا. الشواهد على صحة هذه الخلاصة كثيرة ومنها أن تراجعا فعليا على المستوى السياسي قد حدث للمنتصرين عسكريا فالصدريون ردوا على ورقة الحكومة المطروحة كأساس للناقش كما صرح محافظ النجف بورقة مضادة من عشر نقاط تلتهم جل الإنجازات التي حققها المحتلون وحلفاؤهم المحليون على الأرض بل وترفع السقف السياسي الذي كان قائما قبل حرب الأيام التسعة وخصوصا في ما يتعلق بمطلب جدولة انسحاب القوات المحتلة من العراق وأيضا بما يتعلق بمطلب بتحويل الحي النجفي القديم الذي يحيط بالحضرة الحيدرية المقدسة إلى »محمية« حوزوية يحرسها حرس شعبي خاضع للمرجعية الدينية النجفية حصرا على حد تعبير الورقة الصدرية. قد تُذكّرنا هذه الصيغة التي تعني في ما تعني انحسار الهيمنة الفارسية على المرجعية النجفية والتي قد يرمز لها الرحيل المثير للمرجع الديني الأول السيد علي السيستاني إلى لندن قبل انفجار المعركة بيوم واحد، قد يذكرنا ذلك بالحالة الفاتيكانية من حيث الشكل على الأقل. ثم ما لبث الصدريون أن أطلقوا بالون اختبار جريئا آخر حين طالبوا باستقالة حكومة علاوي وهو الشعار الذي رفعته أولا التظاهرات الضخمة التي انطلقت في أغلب محافظات العراق تضامنا مع المدافعين عن النجف. لقد تبنى الصدريون هذا المطلب وهم يراقبون بحكمة صعود المزاج الشعبي المناهض لاقتحام النجف واقتراب الوضع العام من الانفجار الشامل خصوصا بعد مجزرة الكوت الدامية التي قتل فيها بالقنابل الأميركية العنقودية ما يقرب من مئة شهيد، وبعد الإعلان عن إصابة زعيم التيار حجة الإسلام السيد مقتدى الصدر بجراح. وبالمناسبة فقد أظهر السيد الصدر والطاقم القيادي الذي شاركه شرف خوض معركة النجف، مهارة تكتيكية رفيعة ممزوجة بصلابة استراتيجية معتبرة. وقد يعتقد البعض أن مطلب إقالة الحكومة الموقتة جاء مبكرا قياسا لإيقاع سياق الأحداث وقد يعتقد آخرون العكس محتجين بضخامة الارتباك والعجز والتناقض بل وحتى الذعر الذي وسم أداء الحكومة الموقتة، ناهيك بالتخبط الذي سيطر على قيادة قوات الاحتلال الأميركية. لكن اعتبار شعار المطالبة بإسقاط الحكومة الموقتة مبكرا أو في وقته لا يغير من جوهر الوضع شيئا وهو أن المعركة الحقيقية لم تكن تدور بين التيار الصدري والحكومة الموقتة بل بين الحركة الاستقلالية ككل والاحتلال الأجنبي، وبالتشخيص فالمعركة لم تكن بين الصدر وعلاوي بل بين الصدر الذي يقود الحركة الاستقلالية الآن ونغروبونتي ورئيسه بوش الصغير. ومع ذلك، يمكن القول إن هزيمة سياسية كبيرة قد حلت بالحكومة الموقتة التي بدأت تنأى بنفسها عن مشروع المؤتمر الوطني الذي يقود هيئته العليا فؤاد معصوم (تصريحات علاوي لتعليل رفض التفاوض المباشر مع الصدريين واعتبار أن تلك هي مهمة المؤتمر الوطني وهذا غير صحيح البتة، فالحكومة الموقتة غارقة حتى أذنيها في التفاوض مع الصدريين، بل هي تتوسل أكثر مما تفاوض عبر عدد من الوزراء يقودهم موفق الربيعي المعين من قبل الحاكم الأميركي المنسحب بول بريمر بوظيفة مستشار الأمن القومي). ويمكن قياس حجم الهزيمة السياسية بدقة من خلال تحول التيار الصدري وجيش المهدي من حزب سياسي عادي مدعوم بميليشيا متواضعة الإمكانات إلى الحزب السياسي العراقي الأول في خندق مناهضة الاحتلال والمطالبة بالسيادة، واصبح حزبا ذا ذراع مسلح اكتسب خبرة ممتازة خلال معارك وصفها العدو قبل الصديق بالشراسة والضراوة والعنف. كما يمكن قياس حجم الهزيمة السياسية بتحول مشروع الاحتلال لاستيلاد كيان دستوري تمريري ذي قشرة ديموقراطية هو »المؤتمر الوطني/فؤاد معصوم« إلى مجرد مقاولة سياسية ليس لها من رأسمال حقيقي سوى الميليشيا الكردية التي تسيطر الآن قوات منها تقدر بخمسة وعشرين ألف مسلح على المفاصل الأمنية الأهم في العاصمة بغداد، إضافة إلى مجموعة من السياسيين العراقيين المحبطين ممن راهنوا على مشروع التحرير الأميركي والديموقراطية القائمة على المحاصصة الطائفية والعرقية والحزبية! وإذا أردنا أن نكون موضوعيين حتى النهاية في النظر إلى الطرفين المتصارعين، فلا بد لنا من تسجيل أن حالة فقدان الاتجاه وحتى فقدان المشروع السياسي المتكامل ليست حكرا على الحكومة الموقتة التي قامت أصلا وكما نصت عليه توصيات الإبراهيمي في نسختها الأصلية كحكومة تصريف أعمال، بل إن هذه الحالة يمكن تلمسها لدى محاولة استقراء المشروع السياسي للتيار الصدري. ومن دون الذهاب بعيدا مع القائلين بانعدام مشروع كهذا أساسا يمكن القول كحد أدنى إن غموضا واختلاطا وتناقضا تسيطر على أطروحات التيار السياسية حيث تجد إلى جانب الثيمات الوطنية الأصلية الداعية إلى رفض الاحتلال والمطالبة بالاستقلال في خطابات وتصريحات عدد من قادة التيار ومنهم السيد مقتدى الصدر ذاته، تجد تصريحات أخرى يدعو بعضها إلى انفصال إقليم الجنوب في كيانية مستقلة أو شبه مستقلة. صحيح أن رد فعل الصدر جاء فوريا ورافضا لهذه التوجهات بل هو حذر أبناء الجنوب العراقي منها ولكن هذا لا ينفي وجود هكذا توجهات على المستوى القيادي في التيار ولا ينفي أنها طرحت للتداول مما يشي بأن خلف الأكمة ما وراءها. أما في السيرورة العامة لنشاطات التيار فيمكن للمراقب أن يجد انعكاسا واضحا لهموم وانشغالات وأفكار وطموحات القاعدة الجماهيرية التي يقودها التيار وهي في أغلبيتها الساحقة من الشباب المهمش والقادم من أحزمة الفقر المحيطة ببغداد وبالذات من خزان البروليتاريا البغدادية في مدينة الصدر (الثورة سابقا) والمدن العراقية الأخرى. ففي حين يضع المراقب يده على بعض الشعارات الشعبوية ذات النكهة اليسارية كشعار (جيش المهدي أداة تحقيق المجتمع العادل) يسجل المراقب الكثير من التصرفات والشعارات السلفية القَسرية والقِشرية التي لا يجمعها جامع مع المضمون الجوهري المفترض لتيار استقلالي عام يمثل، أو يطمح إلى تمثيل الشعب بأسره، كتدمير محلات بيع الخمور أو إجبار النساء على ارتداء الزي الديني (الحجاب). ومن المفيد الإشارة إلى خلط خطير وموروث من أدبيات بعض الحركات الإسلامية ذات النزوع التكفيري في بعض تصريحات القيادة الصدرية بين العلمانيين الوطنيين والعلمانيين العملاء واعتبار الجميع خارج دائرة الإسلام وهذا خطأ كارثي، فكما أن هناك إسلاميين وطنيين مناهضين للاحتلال فإن هناك إسلاميين عملاء يعملون في الهيئات السياسية والعسكرية التي شكلتها سلطات الاحتلال، وكما أن هناك علمانيين وطنيين يناهضون الاحتلال فإن هناك علمانيين عملاء يدافعون عنه. والأمثلة أكثر من أن تحصى وهؤلاء سواء اتفقنا أو اختلفنا معهم لا يمكن تجريدهم من أصولهم القومية أو الدينية وإخراجهم من هويتهم العربية أو الإسلامية كانتماء أصلي مجتمعي. ولأن التاريخ لا يصنع عادة في شروط وظروف مثالية فإن البحث عن الكمال أو حتى شبه الكمال في أي حركة تحرر وطني في الماضي أو الحاضر هو مجرد عبث لا طائل تحته مثلما هو عبث أيضا السكوت عن ممارسات ملتبسة وسلبية كهذه أو محاولة تبريرها، وعلى هذا فإن من المجحف بحق تجربة التيار الصدري النظر إليه عبر المنظار المثالي حيث كل شيء وردي ومستقيم وفي أوانه أو عبر المنظار الأسود شديد التشاؤم. إلى أين انتهت معركة النجف؟ ومن هو المنتصر الحقيقي فيها؟ للإجابة عن هذين السؤالين المفتاحين، ينبغي الإقرار أولا بأن معركة النجف التي لم ينته منها إلا الشوط الأول فقط قد غيرت قواعد اللعبة العراقية تماما وان الصدريين الذين دخلوها كتيار سياسي فضفاض وميليشيا فقيرة للمبتدئين، خرجوا منها كحالة وطنية وقوة عسكرية سيحسب لها نغروبونتي حسابها الخاص وربما ستجعله بحاجة لفتح دفاتر تجربته الشخصية القديمة في مكان آخر من الكرة الأرضية. فهل ستسمح الولايات المتحدة بتمرير هذا التغيير الخطير وتكريس الحالة الوطنية العراقية الصاعدة والمطالبة بالاستقلال، أم انها ستبدأ الشوط الثاني من المجزرة وتحاول حسم المعركة بتدمير المقدسات النجفية على رؤوس المقاومين؟ المطلع على تاريخ الهمجية الأميركية في فيتنام وغيرها سيرجح فورا الاحتمال الثاني.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة