تبدأ، بعد ظهر اليوم، العروض اللبنانية ل»إسكندرية.. نيويورك«، الفيلم الروائي الطويل الجديد للمخرج المصري يوسف شاهين، في صالات المجمّع السينمائي اللبناني »بلانيت«، في »كونكورد« (فردان) وال»زوق« و»أبراج« (فرن الشباك) و»سيتي كومبلاكس« (طرابلس)، وذلك بعد أقلّ من أربع وعشرين ساعة على افتتاحه (مساء أمس) في صالة سينما »كونكورد«، بحضور شاهين ويسرا، بدعوة من »دبوق العالمية« و»إيطاليا فيلم« و»فتح الله«. يشكّل »إسكندرية.. نيويورك« حلقة جديدة من سلسلة أفلام أرادها صاحبها مرآة للذات في مواجهة نفسها والتحدّيات. إنه أقرب إلى خلاصة ما لثلاثيته الشهيرة الخاصة بسيرته الذاتية (إسكندرية ليه، حدوتة مصرية، إسكندرية كمان وكمان)، من كونها جزءا رابعا، على الرغم من أنه وضع في معظم أفلامه، خصوصا في المرحلة الأخيرة بدءا من التسعينيات المنصرمة، أشياء متنوّعة من سيرته هذه، التي لا يُمكن التعاطي معها باستقلالية ما عن بعض التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية والفنية، العربية والعالمية على حدّ سواء. أعاد »إسكندرية.. نيويورك« تشكيل صورة محبّبة في قلب يوسف شاهين وعقله وروحه: السيرة الذاتية بتقاطعها والتحوّلات الجماعية. رسم، مجدّدا، لوحة جميلة عن العلاقة المرتبكة التي نشأت بينه وبين الولايات المتحدّة الأميركية: ثنائية الحب والكراهية، وإن بدت الكراهية هنا أقرب إلى الغضب. صاغ، مرّة أخرى، معنى عربيا مختلفا لمفهوم التسامح والمصالحة والانفتاح: الحبّ سمة أساسية لتحريك آلية التواصل مع الآخر، من دون الذوبان فيه. أراد مخرجه أن يكون طليقا في استعادته زمنا مضى، كي يعكس بفضله واقعا آنيّا مناقضا تماما للحقبة الفائتة. ذلك أن الفيلم نشيد للحبّ والرغبة في المغفرة طريقا إلى التفاهم والسلام، على الرغم من بشاعة الواقع وقسوته في تفتيت هذا الحلم (هل أقول »الوهم«) في عالم غارق في انكساراته وأزماته وموته. والمخرج متألّق في إنشاده هذا الحبّ كلّه، من دون أن يتغاضى عمّا سبّبه الحبّ من إحباط وعزلة، ومن وحدة قاتلة، كما حصل مع يحيى (محمود حميدة) في المشهد الأخير، حين لم يجد أمامه، والشيب غزا شعره والوهن احتلّ قسمات وجهه والتعب أجهده، وفي مواجهة رفض ابنه الأميركي/أميركا له، إلاّ السير وحيدا بين الناس المتناقضين بسحناتهم وانتماءاتهم وهواجسهم، في شوارع نيويورك. وحدة لا تؤدّي إلى التقوقع والنبذ وإنكار الآخر، بقدر ما هي حالة نفسية مشبعة بالألم والقلق، وناتجة من قوّة الحبّ القديم والمتجدّد، والمصطدم دائما برفض الآخر له ولصاحبه. وحدة لا تشي بحقد أعمى، بل بانكسار مؤقّت، لا شكّ في أنه منطلق أساسي لإعادة بلورة المسار الحياتي كلّه، على ضوء ما آلت إليه أحوال الدنيا، ويوسف شاهين شاهد عليها وفاعل فيها. العلاقة بالآخر هذه قصّة جديدة/قديمة أرادها يوسف شاهين مدخلا إلى إعادة طرح السؤال الذي قضّى مضجعه الإبداعيّ منذ سنين طويلة: العلاقة بالآخر. هذه حكاية مقتبسة من تجربة شخصية بحتة، حوّلها شاهين إلى صُوَر متلاحقة مستمدّة من التحوّل المرير الذي أصاب العالم، خصوصا إثر النكبة المدوّية التي ضربته في الحادي عشر من أيلول 2001. في »إسكندرية.. نيويورك«، باتت هذه الصُوَر أساسا إبداعيا لمقارنة إنسانية بين ماض مليء بالأمل والفرح والرغبة في العلم والمعرفة طريقا أسلم وأجمل إلى الوعيّ والانفتاح والتسامح، وحاضر مسرف في الألم والجهل والنفور والتمزّق والغطرسة والعنف والفراغ والبشاعة. تجلّى الفرق الشاسع بين هذين الزمنين في مستويات عدّة، لعلّ إحداها كامنة في الاختلاف البيّن بين ممثّلي الحقبتين الفائتة والآنيّة: كعادته، اختار شاهين ممثلين شباب (أحمد يحيى، يسرا اللوزي، نيلّي كريم، يسرا سليم) ذوي ملامح بهيّة، ووجوه بديعة، وأجساد ممشوقة بالعنفوان والجمال، وأرواح متميّزة بسمات فاتنة ومُتمرّدة، لتأدية أدوار المرحلة القديمة، ليؤكّد، حتى على مستوى المظهر الخارجي، أنها مرحلة لا تعوّض، وأن جمالها (شكلا ومضمونا) ضائع في متاهة الحاضر وبشاعته. أما كبار النجوم الذين اعتادوا العمل معه في أفلام من دون أخرى (كمحمود حميدة ويسرا ولبلبة، تحديدا)، فبدوا، بتقديمهم بعض هذا الحاضر، مسحوقين ومدمّرين، وبدا جمالهم خامدا ليس بسبب عوامل الزمن والتقدّم في العمر فقط، بل لأن قسوة الحياة والمرارات المتلاحقة قادرة على تشويه الشكل الخارجي، وإن عجزت، في أحيان عدّة، عن قتل الحسّ الإنساني والجمالي في داخل الذات. في الإطار نفسه من المقارنة الأولى بين الممثلين جميعهم، يُمكن القول إن الشباب الذين أعاد معظمهم شيئا من هذا الماضي الجميل، بما فيهم من جمال وخفّة حركة وعفوية وبساطة، قدّموا أدوارهم بإحساس عال من المسؤولية الملقاة عليهم: إنهم، في »إسكندرية.. نيويورك«، صورة حسّية عن زمن آسر لم يعد موجودا، مطلوب منهم أن يعيدوه إلى الشاشة الكبيرة/الحياة (أليست السينما حياة، بمعنى ما؟)، فإذا بهم يرسمون تفاصيله مجدّدا بشيء من الحنين والبهجة والحسرة أيضا. في حين أن الممثلين المخضرمين، الذين ذهبوا في الزمن بين بعض الماضي وكل الحاضر، ظلّوا كما هم: ممثلون يتقنون تأدية أي دور يُعطى لهم، مع أنهم هنا لم يصلوا بقدراتهم التمثيلية المعروفة إلى اللحظات الباهرة. ينعكس هذا كلّه على النص السينمائي: ففي مقابل التماسك الدراميّ والبصريّ البديع الذي صاغه يوسف شاهين في الجزء الخاص بالمرحلة القديمة (أربعينيات القرن العشرين)، بدا الزمن الآنيّ ضائعا ومرتبكا، يشوبه خلل درامي وفراغ روحيّ، بالإضافة إلى خطابية مباشرة في تحديد (أو بالأحرى: إعادة تحديد) مفاهيم سياسية وفكرية وثقافية التزمها يوسف شاهين في خلال مسيرته الإبداعية الطويلة، التي بلغت عامها الرابع والخمسين، مع الفيلم الروائي الطويل الخامس والثلاثين هذا (هناك عدد من الأفلام التسجيلية/الوثائقية والروائية القصيرة، هي: »عيد الميرون« و»سلوى، الفتاة الصغيرة التي تكلّم الأبقار« و»إنطلاق« و»القاهرة منوّرة بأهلها« و»كلّها خطوة« و»11/9«، ومسرحية واحدة أخرجها لحساب ال»كوميدي فرانسيز«، وهي: »كاليغولا«)، كالتزام الحقّ الفلسطيني في أرضه ووطنه، ورفض الصهيونية من دون عنصرية لا تفرّق بين اليهوديّ والصهيونيّ، وإصراره على تحدّي السلطات القمعية والأنظمة الشمولية والاستخباراتية، إلخ. استعادة الماضي أمضى يحيى (محمود حميدة) أعواما طويلة في حيرة من أمره: لماذا ترفضه الولايات المتحدّة الأميركية، ولا تعترف به مخرجا سينمائيا، على الرغم من أنه تلقّن مبادىء الإخراج والتمثيل في واحد من أفضل معاهدها السينمائية (»معهد باسادينا« في كاليفورنيا)؟ لماذا وجد نفسه معزولا خارج أسوار هذه القلعة التي اسمها هوليوود، بينما عُرضت أفلامه في دول غربية عدّة؟ لكن، حين قرّر »مركز لينكولن الثقافي« في نيويورك إحياء تظاهرة سينمائية خاصة به، بعرض عدد من أفلامه المنتجة في مراحل تاريخية وفنية متنوّعة، كاد يرفض الدعوة بحجّة الوضع الفلسطيني الأليم الذي يعيشه أبناء فلسطين في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي. أقنعه مساعدوه، فذهب إلى نيويورك، وقدّم أفلامه، وأعلن انتماءه إلى مدينة (الإسكندرية) عرفت تاريخا حافلا من التسامح والانفتاح والحبّ والتواصل، حيث عاش أناس منتمون إلى أديان مختلفة، وإلى طبقات اجتماعية عدّة، وإلى هواجس وثقافات وتراكمات حضارية متنوّعة. وفي مؤتمر صحافي عقده إثر عرض أحد أجمل أفلامه، »باب الحديد«، لم يتردّد عن الترحيب بثلاثة أصدقاء له عرفهم في إسكندرية طفولته ومراهقته وشبابه، ولم يلتق بهم منذ أعوام طويلة، بسبب إقامتهم في نيويورك، انتمى كل واحد منهم إلى دين سماوي مختلف (اليهودية والمسيحية والإسلام)، كردّ على هجوم شنّه عليه صحافي يهوديّ. في نيويورك، يلتقي يحيى بجينجر (يسرا)، المرأة التي بلغت، مثله، الخامسة والسبعين من عمره، فاستعاد أيامه الجميلة في المعهد، الذي جاء إليه وهو في السابعة عشرة من عمره، تماما كما قدّمه في فيلم سابق له بعنوان »إسكندرية ليه« (1978)، أول أفلام ثلاثيته الخاصة بسيرته الذاتية، والذي اختير للاحتفال به في نيوريورك (عُرض منه مشهد الوداع على الباخرة، حيث ظهر محسن محيى الدين ومحمود المليجي ومحسنة توفيق). في مزيج الماضي بالحاضر، قارن يوسف شاهين، بلغة الصورة، بين أميركا الأربعينيات الموسومة بالعلم والمعرفة والتواصل مع الآخر، أيا كان هذا الآخر، واستقطاب الشباب المشحونين بالطموح والأمل، وأميركا مطلع القرن الواحد والعشرين، بعنفها وتسلّطها ومعاداتها البشر والثقافات والحضارات، وبنشرها ثقافة العضلات وال»فاست فود«. هذا كلّه، إثر معرفة يحيى بأن لديه ابنا من جينجر اسمه إسكندر (أحمد يحيى، الذي أدّى، أيضا، دور يحيى حين كان طالبا جامعيا). رفض إسكندر قبول والده القادم إليه فجأة كأنه هبط من الفضاء، والأنكى من ذلك أنه »عربي«. تطول الذكريات، ويكتشف إسكندر تفاصيل عدّة من حياة والده وسعيه الدائم بجهد لا مثيل له إلى العلم والمعرفة، ثم إلى السينما طريقا إلى الإبداع الأجمل، وإلى تأكيد حقّه الإنساني والتزامه قضايا ناسه ومجتمعه ووطنه. مع هذا، لم يستطع إسكندر قبول أبيه، ولم يستطع يحيى أن يتصالح مع أميركا، على الرغم من أنها احتفلت به. فالاحتفال الأهمّ إنسانيّ بحت (قبول الآخر والتواصل الدائم معه)، والماضي مضى، والحاضر موغل في متاهة التمزّق والانفصال. بين الماضي والحاضر في استعادته الماضي، بدا يوسف شاهين وكأنه لا يريد التزام تحديد دراميّ ثابت لخياراته السردية/القصصية. فالحكاية معروفة: مجيئه إلى أميركا لدراسة السينما، تفوّقه وجدارته وإبهاره بعض أساتذته بذكائه و»إبداعه« الطالبيّ في تأدية الأدوار، خصوصا هاملت شكسبير، عجز والده عن إرسال مزيد من المال قبل شهرين اثنين فقط من امتحان التخرّج، وحصوله صدفة على شيك قبيل تركه المعهد، مما ساعده على التخرّج بنجاح، ذلك أن طالبا مصريا آخر يحمل الاسم نفسه، جاء أميركا بمنحة للدراسة، فإذا بالشيك يصل يحيى/يوسف شاهين خطأ. في »إسكندرية ليه«، حقّق يوسف شاهين عملا جميلا عن ألم ومعاناة عاشهما الشاب، واسمه يحيى أيضا (محسن محيى الدين)، راويا هذه التفاصيل كلّها. وفي »إسكندرية.. نيويورك«، أضاف أشياء متعلّقة بالحبّ الشبابي والجنس والعلاقات الإنسانية، ليصوغ مجدّدا ذاكرة مشبعة بالتحدّيات والمواجهات المرتكزة على أسس العلم والمعرفة. بدا هذا الجزء من الفيلم مشغولا بحرفية درامية جيّدة، وببساطة لافتة للنظر لا تحجب عن المشاهد هذا الكمّ الهائل من الحنين والمشاعر المؤثّرة، التي صنعها شاب عجوز اسمه يوسف شاهين، معلنا بفضلها، للمرّة المليون، أن الحبّ أقوى، والتسامح أجمل، والانفتاح أسلم، وأن طريق الانتصار الحقيقي يمرّ في المثابرة والمكاشفة والحوار. هذه مفاهيم أرساها شاهين سابقا في أفلامه المنجزة في التسعينيات المنصرمة، ك»المهاجر« (1994) و»المصير« (1997) و»الآخر« (1999)، التي بدت، تقنيا ودراميا وفنيا وجماليا، أقلّ أهمية من »إسكندرية.. نيويورك«. ففيلمه الأخير هذا امتلك خصوصية إنسانية مؤثّرة، واستعادة لنفس دراميّ مشبع بالحنين والذكريات، ومصبوغا بشيء من الخطابية قلّلت من بشاعتها رغبة المخرج في تفعيل الماضي ومنحه المساحة الدرامية الأكبر، والاستفادة من القدرات الفنية الخاصة بأحمد يحيى، راقص الباليه الشاب، الذي شاهده يوسف شاهين في عمله الاستعراضي »زوربا«، فقرّر التعاون معه، ممثلا وراقصا، مصوّرا فصلا من »زوربا« نفسها في الفيلم، ومستفيضا في المشهد الاستعراضيّ الآخر، المأخوذ من أوبرا »كارمن«. المشهدان جميلان، لكن إطالتهما لم تفيدا البعد الدراميّ للحبكة كثيرا، أو بالشكل المطلوب، بقدر ما قدّمت أحمد يحيى راقص باليه ماهرا، وبقدر ما عكست حلما قديما ليوسف شاهين باحتراف الرقص. اختار شاهين مشهدين من فيلمين له، هما »باب الحديد« (1958) و»إسكندرية ليه« (1978)، ووضعهما في »إسكندرية.. نيويورك«، في سياق »الاحتفال الأميركي به«. في الأول، ظهر شاهين ممثلا من طراز رفيع، وهو يواجه أناسا يريدون وضعه في مستشفى المجانين، بعد أن خدعوه فألبسوه جلابية بيضاء. وفي الثاني، قدّم لحظة مشحونة بالانفعال المؤثّر، من خلال مشهد الوداع الذي ظهر فيه محمود المليجي ومحسنة توفيق ومحسن محيى الدين. لكنه لم ينس التلميح بفيلمين آخرين له، هما: »العصفور« (1973)، في معرض استعادة يحيى بعض الماضي، حين قرّر أن ينجز فيلما عن النكسة، و»الناس والنيل« (1968) الذي أراده تحيّة لناسه المعذّبين والمسحوقين، والذي واجه، بسببه كما بسبب معظم أفلامه الصدامية، حملات قاسية من قبل كثيرين. أيا يكن، فإن »إسكندرية.. نيويورك«، في الجزء الخاص بالمرحلة الماضية، قصيدة حبّ قويّ لمدينة وناس وتجربة وحكايات وعلاقات وذاكرة، بكثير من الحساسية المرهفة والانفعال الإنساني الجماليّ. وهو، في جزئه الثاني، محاولة للقول إن قبول الآخر ضروريّ، وهو لا يُنجز إلاّ بفضل التسامح والحوار، على الرغم من الغضب.