يفتتح شريط أغنية »يا صغر الفرح في قلبي« (غناء: الإماراتي حسين الجسمي إخراج: أحمد المهدي) على وجه امرأة بملامح شرقية. الأرجح أنها عربية. تمشي بقامة ممشوقة وترتدي ملابس غربية. تتوقف أمام قفص فيه عصفور: صورة شائعة الاستخدام للتعبير عن جدلية السجن والحرية. تسحب غطاء عن القفص الذي يبقى مغلقاً، وتضعه على رأسها. تبدو كأنها تجرب الحجاب للمرة الأولى، وأنها سعيدة بما تُجرّب. ولا تستمر هذه السعادة سوى لحظة عابرة. فسرعان ما تتوالى الصور عن معاناتها، كامرأة مسلمة تعيش في مدينة غربية كبيرة، نتيجة قرارها ارتداء الحجاب. فتطرد من عملها بصلافة. وتنهار علاقاتها مع النساء الغربيات. ويستخدم المخرج صورة تدمير هرم مصنوع من أوراق اللعب (الشدّة)، ليظهر ذلك الانهيار. وأثناء توالي تلك الصور، يظهر المغني الجسمي بهيئتين: يلبس في إحداهما بذلة غربية ويراقب الأنثى المسلمة المحجبة عن كثب، وفي الأخرى يرتدي دشداشة بيضاء، ليواصل غناء حالة تلك المرأة. لا تتحدث كلمات الأغنية، ذات اللهجة الخليجية، عن الحجاب بصورة مباشرة. ولا ترد لفظته في كلماتها أبداً. تركز الكلمات على المعاناة التي يعيشها الإنسان، وتغيير الأحوال من حوله، وهجر الخلان له وما إلى ذلك. ويفتح الأمر مساحة بين الكلام المُغنى ونص الصورة. تركز الصورة على الحجاب بقوة. ويظهر بوصفه مركز عين الكاميرا. حتى عندما تنهار تلك المرأة في غرفة الهاتف العمومي، ربما عقب محادثة مع شخص أو أكثر في مكان بعيد، فإن الحجاب يملأ المشهد. ويبقى »الغطاء« ملء العين في مشهد سقوط المحجبة نتيجة تخبط مشيتها، ربما تعبيراً عن الغربة، في شوارع المدينة الغربية. ومقابل كل قوة الحضور في الصور، لا يظهر الحجاب في أي من كلمات الأغنية. وفي المساحة ما بين الكلمة والصورة، تلعب موسيقى تمزج الشرقي بالجاز الدافئ والحزين أيضاً. الأرجح أن الموسيقى تكمل جو المعاناة والألم الذي تتحدث عنه الكلمات، والذي توحي الصورة بأنه ناجم من تمسك المرأة المسلمة بحجابها في غرب يرفضه، بل ويقتص ممن ترتديه إلى حد الاضطهاد. ثمة مساحة بين العناصر المسموعة في تلك الأغنية التلفزيونية، وبين عناصرها المرئية، يتلاعب بها المخرج ليطرح مسألة الحجاب بتعاطف مرهف مع مرتدياته. لعلها نقطة مهمة في تطور أفلام أغاني التلفزيون العربية. فالحال إن ثمة مجموعة من تلك الأفلام التي تلامس مسائل عامة، مثل المسألة الفلسطينية والأمومة والحرية وغيرها. وغالباً ما يحرص مخرجوها على التكامل ما بين الكلمات المنطوقة والصورة. ولعل أغنية »جايي الحقيقة« نموذج من مدى مصادرة الكلمات ومعانيها للعنصر البصري، ومدى خضوع الصورة لقصد التحريض الإيديولوجي المباشر، مما يجعلها تلامس السطحية. والحال أن مخرج فيلم أغنية »يا صغر الفرح في قلبي« قد نجح في تجاوز الأساليب المباشرة والمكشوفة في التعبير عن المسائل العامة. ونجح في رسم صورة لمشكلة الحجاب، وهي مسألة عامة، في نص مصور يتفاعل مع كلمات تعبر عن معاناة شخصية وخاصة.