في مؤتمره الصحفي، وقبل بدء عروض مسرحية »حكم الرعيان«، تكلم منصور الرحباني عن مسرحيته بحماس كبير، شارحا لنا الامور التي سيعالجها و»القفشات« التي ينوي ان يزلزل بها حكامنا اليوم. ولأنه الاستاذ منصور الرحباني، عقد البعض الآمال على مفاجأته الجديدة وانتظر البعض قنبلته الموقوتة. اما »الأقلية« التي لم تجد اي جديد في هذا الطرح، فلقد أملت بالصعود الى بيت الدين ومشاهدة العرض على أمل رؤية الجديد. بكل صراحة، انا كنت مع الفئة الثالثة، ولأنه منصور الرحباني، معلم الاجيال، ولأننا كبرنا على ابداعات الاخوين الرحباني ونشأنا في معاهدنا على تاريخهم العريق، اود ان اتوقف عند هذا العمل الاخير المليء بعلامات الاستفهام، بعد ان رأيت عرضا عاديا جدا، طغت عليه الصبغة الرحبانية التقليدية، التي بات منصور الرحباني يتحكم بها بكثير من السلاسة، وكأنني امام عروض الماضي، دبكة، ضيعة، نكات و»قفشات« مكررة في قالب جديد، راعي، ملك، وكأن المسرحية موجودة منذ سنوات، ولم تحمل عناء التجديد، معتقدا ان الجمهور مستعد ان يتقبل كل ما يصدر من المسرح الرحباني، لكن ضعف المشاهد الغالبة، لم يشفع للرحابنة الجدد برغم تسخير العناصر المسرحية التي اعطيت وأمنت لهذا العمل الكبير. قفشات القصة عادية، لكن منصور الرحباني عالم بما يسمى السهل الممتنع، وهذا قد يكون المتعة الوحيدة في المسرحية، دائما كنا نلاحظ لعبه بالكلمات التي يحولها وفق مزاجه، ثائرة احيانا، غاضبة او ساخرة. لكن في الماضي، كانت »اللطشة« في موقعها الطبيعي من العمل، لكن في »حكم الرعيان«، كان ثمة رغبة عميقة بإجبار الجمهور إما على اضحاكه وإما على اخضاعه لشروط اللعبة الرحبانية، لذا حملت بعض المشاهد حوارات مجانية، ليمرر الكاتب كل ما يجول في خاطره. غير عابئ بكسر ايقاع الاحداث (فلا زلنا نشاهد ان المرأة شر لا بد منه، وكمشهد المارد »الدخيل« على العرض، الذي وضع لتمرير موضوع العراق)، فليس من الضروري ان نحاول جمع كل ما يجري في عرض لا يتحمل كل هذه التحليلات، في عرض مسرحي لم يتحمل اي زيادات. وحتى ذكر العراق جاء متواضعا وغير مقنع أبدا. احيانا كانت المسرحية، تخرج من مسارها الطبيعي لتتحول الى عدة اسكتشات، بعضها بدا مترابطا، والبعض الآخر بدا »حمولة زائدة«، غير مبررة، بل تخدم النص حتى ضاع الايقاع، وظل سائرا في خط مستقيم، وبقيت جميع الانفعالات على »الحد« ولم تزد عن حدها، فالحب بقي خجولا، والمعارك ايضا بقيت خجولة، لم تتصاعد الاحداث، بل ظلت حبيسة نص »متسامح« بعيد عن ذلك الذي اخبرنا به الاستاذ منصور في مؤتمره الصحفي. بدت الرؤية الاخراجية مشوشة وغير واضحة المعالم. اعترف بأن المسرحية متوجهة الى شريحة معنية من الناس والى اعمار محددة، الى ذلك الجمهور الذي يطرب للكلمات »الملائكية« والذي لا زال حتى اليوم »يهيص« لقفشات ولطشات المسرح الرحباني الكلاسيكي، اما الجيل الجديد الذي كان موجودا، فاستمع وأصغى وسأل نفسه »طيب وبعدين؟«. فانتظرنا الاخراج والتمثيل وباقي العناصر، فاذا بخشبة لم تستطع ان تخلق الشيء الكبير، فحتى ضخامة الاشياء وضخامة الاسماء لم تنقذا العرض. خشبة جمعت جميع التوابل اللبنانية المهرجانية فن الدبكة لترويب اللبن، لكن ما النتيجة؟ أكلة تبولة، حيث وجدنا كل شيء، لكن الخلطة بقيت ناقصة. فالمخرج مروان الرحباني. ولو انه من جيل جديد ومنفتح ويملك خبرة في هذا المجال، لم ينجح في رؤية الاشياء من خارج الاطار الرحباني التقليدي، لم يقم بأي تباعد لرؤية الاشياء بوضوح، فلاحقته لعنة الاسم، التي تلقي على عاتق صاحبها مسؤولية كبيرة، ففقد بصمته الشخصية للعمل، لم يخلق للكلام صورة، بل كان الكلام اقوى، وفي غمرة انغماسه بمحاولة استعادة مجد الاخوين رحباني، وبخلق القالب نفسه، وقعت المسرحية في جمود رهيب بالرغم من الهيصة التي خلقها على المسرح. فالماضي لن يعود، لم يبق على حاله، لن يتغير، وحدها رؤية المخرج هي التي تتغير وتغير الاحداث حولها، فهي كالإعصار، وهذا ما لم نلمسه لدى مروان الرحباني، لقد مر على الاشياء مرور الكرام بالرغم من ان التقنيات اليوم باتت اكثر تطورا من الأمس، فكان يستطيع ان يحول الخشبة الرحبانية الى صورة حية، بعيدا عن الإرث العائلي والخروج على المألوف مطلوب في الإخراج ولن يضر هذا بلقب الرحابنة ولا حتى بالجمهور المستعد لبعض الجنون. فكسر اطار معين ليس عيبا، بل تقريب اكثر لعدد اكبر من وجهات النظر. فلك الرحابنة أعلم بوجود المدرسة الرحبانية وبالمسرح الرحباني الذي يسيطر على الممثل سيطرة كاملة، ليصبح الفرد »رحبانيا« بحتا. لكن، اليوم. هل لا زال مقبولا ان يقف الممثل الوقفات ذاتها، خاطبا بالجمهور، رافعا صوته، يمد اواخر الكلمات وكأنه يغنيها، لماذا توقفت الاشياء عند هذا الحد، فلقد سمعنا صوت الاستاذ منصور الرحباني في اول المسرحية وبعدها الكل بات يتكلم حسب نبرته التي القاها علينا، لماذا؟ هل لخلق جو مختلف؟ هل اذا ما تكلم وتحرك الممثل بطبيعة وعفوية كبيرة سيفقد سحره ويصبح النص سوقيا؟ فطريقة الممثلين في الكلام والحركة باعدت بينهم وبين الجمهور، فنحن الذين بتنا نرى عدة تجارب مسرحية وانفتاحا على الآخر، أحسسنا بأننا امام لغة صعبة وتمثيل متكلف، خال من الحرية، وقيد لصاحبه. انطوان كرباج كان كعادتنا به في المسرح الرحباني، فبدا مرتاحا في »اجوائه« التي نضج فيها وكأنه فرد اصيل من آل الرحباني. كان خفيفا معيدا صور شخصياته الماضية. رفيق علي احمد، استطاع، احيانا، وبجهد خاص وذكاء، ان يلون تمثيله، ليبرهن عن وجود ممثل حقيقي في داخله، لكنه احيانا كان يصب في القالب الرحباني. فدرجة التمثيل في المسرحية كانت متفاوتة جدا. ولو أدرك المخرج قدرات ممثل مماثل ولو انه اكتشف قدرات جديدة في الباقين لتماسك العرض وذهب الى اعمق. اما ورد الخال، فلقد بدت وكأنها نالت امتيازا باختيارها لدور (الملكة)، فلم تأبه لخطوط شخصيتها، بل ظلت تتمايل يمنة ويسرة من دون إضافة أي جديد على دورها العادي. أحسسنا احيانا بأنها مهمشة، فلم تستطع الا ان تدور في الفلك الرحباني. وهذا يكفيها، لأنها بالأصل ممثلة تلفزيونية، لا تملك شعلة المسرح، حتى انها ليست وجها مسرحيا وتفتقد الى البريق على الخشبة، بل وتبالغ بتحريك قسمات وجهها بشكل كبير وهذا غير مطلوب على الخشبة. اما السؤال الاكبر، فكان لماذا لطيفة؟ الاعلان قال لنا ولأول مرة لطيفة. لطيفة كانت ضحية العرض. فلقد جاهدت على طريقتها، وبدت مسرورة في هذا العمل الرحباني، بل ومبهورة في كل ما يحيطها، فلقد تعلمت اللغة اللبنانية وكانت صعبة عليها، كما هو واضح، فكيف بها باللهجة اللبنانية الرحبانية، لقد بدت نسخة مكررة من هذه العائلة، وتعلمت مد الكلمات، ولم تستطع ان تبدع في طريقة حوارها خوفا من الغلط، ووجودها لم يكن مرنا على الخشبة. لماذا لطيفة؟ نحن نحترمها كمغنية راقية وكامرأة ذات فكر عروبي، تنحاز مع العديد من القضايا. لكنها أبعد من تكون لتمثيل شخصية ست الحسن. صوتها جميل، وأدت المطلوب منها جيدا، لكنها بقيت غريبة على الخشبة وتقمصت الدور دون حياة. فهي لم تستطع ان تضيف اي شيء للعمل، الا صوتها ووقفتها الغنائية. قد تكون هنئت بتجربتها الرحبانية لكن ماذا ستضيف لها هذه التجربة في مسيرتها الغنائية؟ شيء متواضع، اما على صعيد التمثيل، فالافضل ان تجود في مجالها، بدلا من ان تتحول الى مشروع ممثلة باهتة القدرات. ولا ادري لماذا بدا المخرج بعيدا عنها، فلم تنجح الا بالغناء الذي تجيده. فهل سيلغى الممثل في المسرح الغنائي؟ هل يجب عليه ان يغني ويرقص ويخطب فقط؟ اين متعة التمثيل في »حكم الرعيان«؟ صحيح انه عمل غنائي لكنه بحاجة الى تعبئة، فالكلمة، اليوم، لم تعد تكفي، لكننا استمتعنا بوقفات الدبكة وحواراتها الجميلة، وهي المشاهد التي لونت العرض، اما الباقي فاعتمد على جيل رحباني جديد لا زال يبحث... ليصل. بالنسبة للكوريغرافيا، ففي كثير من الاوقات أحسسنا بأننا امام لوحات من مسرح كركلا، فالراقصون كانوا جيدين، لكن هذه اللوحات، اضافت عنصرا سلبيا آخر، للتشابه الحاصل بين مدرستين عريقتين، فلا ادري لماذا تصبح الاجواء متشابهة في اعمال المهرجانات، ولماذا صرنا نشعر بتشابه تقريبي بين كافة الاعمال »الكبيرة« التي تعرض علينا في المهرجانات؟ اما الموسيقى فكانت خليطا واسعا عاديا في مضمونه ولم نسمع لحنا اثار فينا النص الرحباني الذي تعودنا عليه. حتى ان بعض اغاني لطيفة بدت نسخة ضعيفة لبعض الالحان الفيروزية القديمة، حيث كانت الكلمات لا تتناسب احيانا مع الايقاعات. مرة اخرى برهن اسامة الرحباني عن ولعه بمزج دنيا الاستعراض (البرودواية) بالعوالم الشرقية الاخرى. قد يكون هذا لاحتضان فانتازيا منصور الأب، لكن ما الذي وصل من الفكرة؟ بقي الاستعراض عاديا، بل ولماذا جميع هذه الرقصات؟ ما الذي حاول المخرج وصله بين هذه الاستعراضات. غربة أما السينوغرافيا فلقد حولت الغرفة الى غرفة تحيطها جدران ضخمة أشبه بجبال الثلج، حيث اضفت غربة كبيرة على صعيدي المساحة والشكل، حتى محاولة الخداع البصري، فهي احيانا ذكية في استخدامها لاحتواء المسرح والحد منه، لكن القطع الضخمة قطعت ورسمت بشكل جامد ونظيف جدا فلم نلاحظ لا شعبية القرية ولا ثراء القصور. أما الازياء، فكانت المفارقة فيها واضحة بين ازياء الجارية وأزياء الملكة. فلطيفة (ست الحسن الجارية) بدت وكأنها خارجة من قصور الموضة الباريسية. حيث بدت وكأنها ارتدت ثياب حفلاتها الغالية الثمن، مقارنة بأثواب ورد الخال (الملكة) العادية والخالية من الابتكار. اما باقي الازياء فتبعت السينوغرافيا ولم تحمل طابعا مميزا. وفي النهاية، نسأل، لاننا امام الكبير منصور الرحباني، لماذا ظل العرض متواضعا، هل هذا كل ما تبقى من إرث الاخوين رحباني؟ لماذا شعرنا بأننا امام مخرج لم يعتد ان يدير دفة المسرح الرحباني، بالرغم من خبراته السابقة؟ جميل ان نعود للزمن الراقي، وجميل ان نلتقي بوجوه نحب ان نراها باستمرار، وفي سهرة واحدة، لكن احيانا حلم اللقاء يبقى اجمل من تحقيقه. ولعل الرحابنة »الجدد« يحتكون اكثر فينا، ويبتعدون عن قصص الضمير والحرية والعدل، لأننا بالفعل، لم نعد نملك الوقت للسماع، فالوقت يداهمنا في زمن العولمة وسقوط المبادئ، ولعل الخشبة بدأت تنهار تحت وطأة الخطابة، الخشبة بحاجة الى دم فوار ونابض يحتوي على كل ما نكابد، بعيدا عن التهليل والتصفيق. الا زلت تظن يا استاذ منصور بأن الحكام يخشون الكلام، ويخشون من »القفشات«. وهل ستقوم »رياح التغيير« بعد ان رفعت لنا كرسي العرش؟ لا اعتقد! فنحن تربينا على كلماتكم، وتفاعلنا مع بداياتكم المبدعة، التي سنظل محتفظين بها في القاموس اللبناني. لكن حنيننا لهذه الاشياء، لن يدعنا ننجذب لكلمات اليوم، و»حكم الرعيان« لا تندرج تحت صورة الحنين للرحابنة القدامى. فالخشبة اختفت وخفتت الانوار، والحال تغير، وآن الأوان للرحابنة الجدد اما بالانطلاق نحو عوالم جديدة، او الاكتفاء بما لديهم من ماضٍ مبدع خلق لنا الحلم، فلا تسلبونا إياه اليوم.