As Safir Logo
المصدر:

من مشروع سياحي متكامل إلى غرفة متهالكة »المياه الساخنة« في عكار »سحر« يختفي في الأرض

غرفة »مشروع« المياه الساخنة
قسطل الضخ المهترئ
المؤلف: ايوب صباح التاريخ: 2004-08-09 رقم العدد:9865

خلال عملية تنقيب عن النفط في سهل عكار عام 1970، اكتشفت في بلدة السمّاقية (شمال عكار) مياه كبريتية ساخنة، هي الأولى والوحيدة من نوعها في المنطقة، اذ انفجر بالصدفة، عمود مياه من عمق 550 متراً وارتفع نحو 30 متراً عن سطح الأرض. وبلغت حرارة مياهه نحو 37 درجة مئوية. استحوذت تلك الظاهرة على اهتمام الدولة، التي أتمّت تجهيز البئر وقامت بأعمال الصيانة اللازمة له لأربع سنوات متتالية. وبقي يضخّ نحو 40 انشاً من المياه الساخنة على مدار السنة. وجذب العديد من أهالي المنطقة، الذين اكتشفوا أهمية المياه الكبريتية تلك وفوائدها الصحيّة، فقصدها المصابون بأمراض جلدية او عصبية او تكلس العظام؛ وشفي معظمهم منها كليّاً... كما استقطبت السياح والخبراء والأطباء، الذين أكدّوا ضرورة الحفاظ على تلك الثروة واستغلالها بشكل مناسب، فهي الوحيدة من نوعها في العالم العربي. وباشرت وزارة السياحة حينها ببناء استراحة تضم منتجعاً سياحياً صحياً ومركزاً علاجياً، على مساحة 500,28 متر مربع، في منطقة العريضة قرب الحدود اللبنانية السورية. وجرّت المياه الساخنة عبر قساطل لمسافة 3 كيلومترات، الى مسابح الاستراحة، لكن اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975 حال دون افتتاح هذا المشروع وانطلاقه. أمّا اليوم، فكل ما تبقّى من البئر هو غرفة صغيرة من الباطون؛ ومجرى مياه »سابق« قام الأهالي بصبّه ايضاً، بسبب »اختفاء المياه« كما يقولون. لكن السبب الحقيقي هو انخفاض نسبة تدفق المياه الى اكثر من 85 في المئة، عمّا كانت عليه سابقاً. ويعود ذلك الى اهمال البئر وغياب أعمال الصيانة عنهم، ما أدّى الى اهتراء »قمصانه« وعدم قدرة المياه على الوصول الى السطح، فغارت في جوف الأرض وتسرّبت الى باطنها، ما تسبب ب »تمليح« الينابيع الجوفية والآبار الأرتوازية؛ واختلاط المياه الكبريتية بمياه الشفة والمياه الآسنة، فنشأت مشكلة خطيرة تهدد حياة الاهالي يومياً، مع افتقار المنطقة الى شبكة مياه عامة وشبكة مجارير. حسرة يروي أبو علي (74 عاماً) قصته مع ذلك النبع »السحر« كما يسميه، فهو من الذين شهدوا انفجاره وذعروا وقتها وخالوا انّ الأرض ستنفجر ذلك اليوم. وهو لم يكن مقتنعاً في البداية، بصحة الأقاويل التي انتشرت في البلدة عن قدرة هذه المياه على شفاء بعض الأمراض، الى أن أصابه مرض جلدي في رجليه؛ وما كان من طبيب المدينة إلاّ أن وصف له الاغتسال بمياه النبع الساخنة بشكل متكرر. وخلال اسبوع شفي ابو علي من مرضه واصبح بدوره ينصح الاهالي باستخدام المياه الساخنة، كما تحول مع مرور الوقت الى مرشد سياحي، لقاصدي الموقع من لبنانيين واجانب، يرافقهم الى مكان النبع ويروي لهم قصة شفائه »السحرية«. ويأسف مختار السمّاقية عبد الله درويش من جهته »لعدم استغلال تلك الثروة التي دفنت في الأرض واصبحت منسية، مع العلم انّ هكذا ظاهرة يمكن ان تدرّ ذهباً على القطاع السياحي وتنعش المنطقة بشكل خاص، كما هو الحال في تركيا، التي يقصد منتجعاتها الصحية القائمة على المياه الكبريتية، سنوياً، ملايين السياح، للاستفادة منها«. ويلفت درويش إلى »أنه لم ينجح في الحصول حتى على وعود من الوزارات المعنية او اللجان النيابية، ليضاف هذا المرفق الحيوي الى المرافق الأخرى المهملة منذ وقت طويل؛ والتي من شأنها ان تنعش الاقتصاد اللبناني وتساهم في انقاذه الى حدّ كبير«. إهمال ويشير الدكتور احمد حليحل، استاذ الجيولوجيا في الجامعة اللبنانية، الى انّ وجود المياه الكبريتية الساخنة في عكار »مرتبط بوجود طفوح بركانية تعود الى فترات »بركنة« امتدت من منتصف الزمن الجيولوجي الثالث (نيوجينيان neogenien) حتى نهايته (بليزانسيان plaisancien)، مما ادى الى ارتفاع درجة حرارة هذه المياه؛ وساهم ضغط البئر الارتوازية في تفجّرها وارتفاعها 30 متراً عن سطح الارض«. ويوضح »انّ المياه الكبريتية تتألف من السولفات والفوسفات والسيليس والكلس والكاربونات، مما جعلها ذات فوائد صحية علاجية مهمة، اضافة الى ان حرارتها المرتفعة تسمح باستخدامها كوسيلة تدفئة في البلدان الباردة نسبياً«. عن اسباب شحّ المياه يرجّح الدكتور حليحل فرضية حصول انسداد في مجراها، سببه تحرّك أجزاء الارسابات غير المتماسكة، التي تتكون منها أرض سهل عكار؛ وتجمّعها في المجرى، مما ادى الى عرقلة اندفاع المياه. يضاف الى ذلك اهتراء قمصان البئر بما حال دون وصول المياه الى السطح وتدفقها بالقوة التي كانت عليها سابقاً. وما يؤكد ذلك هو عدم انقطاع المياه نهائياً، بل حصول ضعف ملحوظ في اندفاعها. اما بالنسبة لمشكلة الملوحة فيؤكد الدكتور حليحل احتواء المياه الكبريتية على أملاح (مثل الكربونات وغيره) لكنه يشير الى احتمال ان يكون تسرّب مياه البحر سبباً آخر في »تمليح« الآبار الجوفية كون البلدة مجاورة للبحر. ويذكر حليحل بانّ منطقة عكار هي من أغنى المناطق اللبنانية بالمياه، فهي على شكل ثغرة صخرية مقعّرة تعتبر خزاناً كبيراً للمياه، التي يذهب 80 في المئة منها هدراً الى البحر، بسبب عدم استغلالها من قبل الدولة. ويطالب بإعادة تأهيل البئر لاستعادة تلك المياه واستخدامها كمرفق حيوي.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة