تلك الحدود الغامضة جدا، المؤرّقة جدّاً، المرعبة جداً، التي تفصل بين الحياة والموت، أو تربط بينهما، ماذا نعرف عنها؟ ماذا يجري فوق مساحتها؟ من يتأرجح فوقها ويغيم في سمائها أين يكون تحديداً ؟ بماذا يشعر؟ إلام يتوق؟ من يعود منها إلى الحياة هل يكون قد مرّ بتجربة صعبة فقط؟ أم تجربة مصيرية تغيّر نظرته إلى الحياة والموت معاً؟ إلى نفسه والآخرين؟ إلى ماضيه وحاضره وغده؟ إلى علاقته بالكون والله والحياة الأخرى التي من المفترض أن يكون قد وقف على بابها للحظات. أسئلة صعبة مرهقة مؤلمة، وقحة أحياناً، إذ هي تتجرّأ على الخوض في موضوع يفضّل الإنسان التهرّب منه تشاؤماً ووجلاً وتهيّباً، وهو »الموت«. لكن هذه الأسئلة تبقى احدى »الكائنات« الخالدة والأزلية التي تعيش برفقة الانسان فوق الأرض، تلاحقه وتلاعبه وتشغله وتخيفه. المبدع، كغيره من البشر، وكواحد من البشر، مرّ ويمرّ بتجارب قاسية أشرف خلالها على الموت ويغيب في سكرته ويعوم في غيبوبة مجهولة المكان والزمان. بعودته إلى الحياة وإلى عالمه الإبداعي يروح يصف ما جرى معه ما شعر به عند وصوله إلى أقرب حدود ممكنة مع الموت. تساعده موهبته في التعبير، سواء كتابة او رسماً أو عزفاً ... في تجسيد تجربة حسّاسة مربكة معقّدة. الشاعر محمود درويش في جداريته، الشاعر يوسف بزّي، الفنانة التشكيلية ريم الجندي، الفنان التشكيلي عماد عيسى، الروائي المصري إدريس علي، أدلوا بشهاداتهم حول هذه التجربة. على باب القيامة أوشك الشاعر محمود درويش على الموت. كاد قلبه يسلّمه إلى ملاك الموت يداً بيد أو قلباً بقلب. لكنّه عاد. إنه قلب جدير بشاعر كمحمود درويش. لقد أعاده إلى الحياة. عن هذه التجربة كتب درويش قصيدة طويلة أو جدارية حكى فيها عن تجربته »على باب القيامة« على حدّ قوله الحرفي. اللافت أنه يقول إن كلّ ما اختبره كان واقعيّاً. يؤثر من عاش هذه التجربة أن يصفها بالرؤية. تختلف رؤى كلّ انسان عن الآخر، فما كانت رؤى درويش؟ يقول في موضع من جداريته: »رأيت طبيبي الفرنسي يفتح زنزانتي ويضربني بالعصا يعاونه اثنان من شرطة الضاحية. الفنانة التشكيلية ريم الجندي عاشت تجربة نادرة وصعبة إذ أصيبت بمرض نادر مميت علاجه صعب ومؤلم تمّ استئصال مترين من أمعائها، أما الدواء الذي وصف لها فقد كان قاسياً جداً ومن أضراره الجانبية أنّه قد يسبّب السرطان، وإن بنسبة ضئيلة. في فترة المرض وصلت الجندي إلى الموت، وعنه تقول: »شعرت به. ارتفعت من جسمي. أحسست نفسي خفيفة، عائمة، كان شعوري جميلاً جداً جداً. أحسست بالراحة وعرفت أنّي أموت. لكنّ ما أرجعني إلى الحياة، برغم تمتّعي بتلك اللحظة الجميلة، كان ابني عاصم. قلت لنفسي إنه سيعيش من دوني وسيحبّه الآخرون، لكن ليس كما سأحبّه أنا وأعتني به. وإنّه الآن يحتاج إليّ، لذلك عدت. كذلك جعلني الرسم أدرك، بل أشعر، أنني سأعيش وسأتخطّى ما كنت فيه. ففي الغيبوبة كنت أرى لوحات، أرسمها في خيالي بأدقّ تفاصيلها. خلال سنة ونصف قضيتها في المستشفى خطّطت لمعرض كامل سأقيمه، أي أنني لم أكن أفكّر بالموت، بل كنت أعرف أني سأعيش وسأنفّذ هذا المعرض«. لكن الفنان التشكيلي عماد عيسى لا يذكر شيئاً من غيبوبته التي دامت سبع ساعات وقضى حوالى نصفها بين جثث الموتى. يقول عيسى: »عام 88، في شارع برج المرّ، مررت بفرن لأحد أقربائي ومعي أخي، رأيت غباراً كثيفاً يملأ الشارع. ركضت نحو الفرن وأنا أشعر بألم رهيب في كتفي وذراعي. كنت أصرخ من هذا الألم. لم أسمع صوت القنبلة. كلّ ما رأيته هو الدخان أو على الأصحّ شيء مجهول رمادي اللون. غبت عن الوعي. عندما أفقت وجدت نفسي في المستشفى وعرفت أن شظايا القنبلة أصابت جسدي كلّه وأخطر الإصابات في كتفي ورئتي. لا أذكر شيئاً من تلك الغيبوبة التي دامت سبع ساعات، لا صراع مع الموت ولا كوابيس. أوّل من سألت عنه كان أخي الذي كان برفقتي أثناء الحادثة. أخبروني أني بقيت لساعات بين جثث الموتى واعتبرت ميتاً لا محالة، إلى أن أتى أهلي وأصرّوا على إخراجي ومعالجتي. أنا لم أشعر بالموت ولم أغادره هو بقي معي لأن احدى ذراعيّ شلّت. لم تعد قادرة على العمل لكنّها بقيت إلى اليوم تؤلمني. لم انقم على ذراعي اليسرى والشلل الذي أصابها بل بالعكس، قمت بتكريمها. طليتها باللون الذهبي. أعطيتها هذه الأهمية كي لا تبقى مهملة كي تستردّ اعتبارها«. بينما نحن نعدّ هذا التحقيق كانت رواية الكاتب النوبي إدريس علي »كتابة البوح« قيد الطبع في جزئها الأول وهو تحت عنوان »تحت خط الفقر«، وفيها وصف تفصيلي لمحاولة الكاتب الانتحار في نهر النيل ونجاته من الموت. لحظة مصارعة الموت بالنسبة إلى علي كانت مليئة بالهلوسات لا الرؤى، وعنها يكتب مخاطباً نفسه المشرفة على الموت: »لكن ماذا قلت وأنت تهوي للقاع؟ أكنت تسبّ الكلاب أولاد الأفاعى أم تكبّر؟ الذاكرة شلّت، الرؤية غامت. من ثقلك غصت حتى احتكّت قدماك بأرض القاع. ظلام كثيف والماء يتدفق داخلك لا تدري من أين؟ تحاول بكل قوّتك الحيلولة بين الماء وجوفك. أنت هالك. هذا هو الموت الذي سعيت إليه وليس الأمر سهلاً. تحاول جاهداً إبعاد اليد الجهنمية التي تقبض على رقبتك. لا بدّ أن ينتهي هذا العذاب فوراً بالموت أو النجاة. أبشع وأطول لحظة داخل موقف. كم لبثت في متاهة القاع قبل الطفو؟ لا تدري. لم تتصور أن الموت بهذه القسوة وأن النهر الناعم في مظهره الخارجي له قاع شرير لا يرحم من يخترقه. لا تصدّق أنك ما زلت على قيد الحياة. أين كنت؟ وأين أنت الآن؟ أول وجه أطل عليك كان وجه سيدة البسمة يغطي مساحة هائلة من سماء المدينة. حلم هذا أم يقظة؟ لكن صوتها يرن في أذنيك: أنا جنبك. تبحث عن مصدر الصوت وتتطلّع هنا وهناك. ما زلت تتكلم: تعال إلي يا حبيبي .. إني أنتظرك في شوق. ما هذا يا ربي .. هلاوس ما قبل الموت. لكنك تتجاوب معها وكأنها حقيقة. شدوك لمؤخرة القارب فالتصقت بها. النجاة. فرحة لا تعادلها فرحة أخرى. العودة إلى الحياة. أفرغوا الماء من جوفك وسألوك: بماذا تشعر الآن؟ الحمد لله. نعم تذكرته وقلت: لا بدّ أن يكون موجوداً في مكان ما. خارج هذه الفوضى. تشير بيدك طالبا سيجارة. تشفط نفساً عميقاً وتتنهّد بارتياح وتشكرهم جميعا«. تسوية مع الموت هذا الاقتراب من الموت ألا يعطي الإنسان فرصة حقيقية لمحاورته؟ وفهمه؟ يبدو أن الجميع حاولوا، فإلى أين وصلوا؟ يخلص درويش إلى تسوية بينه وبين الموت فيقول: »أريد أن أحيا... فلي عمل على ظهر السفينة. لا لأنقذ طائراً من جوعنا او من دُوار البحر. أما الشاعر يوسف بزي فيؤكّد أن تجاربه الكثيرة مع الموت لم توصله إلى تكوين فكرة عن الموت بل عن الأموات الذين ماتوا أمام عينيه وكان يمكن أن يلحق بهم. يشرح بزّي: »لاعبت الموت ولاعبني مرات عدّة. ليست لدي فكرة عن الموت بل عن الأموات. هذه الفكرة تجعلني أتعايش مع حتمية الغياب والولادات والتعاقب، وهذا أورده بنبرة خالية من أي مديح أو عاطفة. هناك شيء لا بدّ من الإشارة إليه هنا، وهو القناعة التي نؤمن بها نحن، أبناء هذه المنطقة وهذه الثقافة، بأننا لن نموت قبل ساعتنا، كما لا مفرّ من هذه الساعة. التسليم بهذا الموعد الغامض مريح جداً، يدفعنا إلى التصالح بسهولة مع فكرة الموت. عمّا مرّ به بزّي من تجارب جعلته يكوّن هذه الأفكار عن الموت يقول: »كنت في الثامنة من العمر عندما اخترقت شظية بحجم حبّة الفول، رقبة أبي وقطعت الشريان الرئيس الذي يربط القلب بالدماغ، فأردته بسرعة. كانت هذه أول مصافحة تعارف بيني وبين الموت. مذاك صرت أسأل عن ما بعد الموت، وما بعد الغياب، لا الموت والغياب. بقيت الأسئلة معي وعجزت عن رسم تخيّل ثابت أو قناعة أو إيمان بما بعد الموت. بقي الموت موجوداً بجانبي بوصفه حادثاً محتملاً من دون مبالاة فعلية به. المصافحة الثانية كانت عند انفجار قذيفة في الحائط الذي كنت أتّكئ عليه. تفحّصت عن نفسي فوجدت أني لم أصب فغضبت وشتمت القذيفة. المرة الثالثة كانت في الشارع، لاحقني القنّاص فصرت أهرب منه وألاعبه. لكنّه أصاب يدي فغضبت منه لأنه غلبني. عندما فكّرت قليلاً بهذه الرصاصة التي كان يمكن أن تصيب مني مقتلاً لو أزاح القنّاص فوّهة رشّاشه ملليمتراً أو تصيبني بالشلل، استحسنت الموت على الشلل. المرة الرابعة كنت أمشي في الشارع مع صديقي، فإذا بشرفة تُهدم وتسقط عليه، فتهرس جسده، بينما أنا لم أصب بخدش. كرهت منظر جثّته. في اللقاء الخامس مع الموت وقعتُ في كمين. قُتل ثلاثة من رفقائي وجرح عشرة وبقيت أنا الناجي الوحيد. صرت أرى الكوابيس، ليست تلك التي أوشك فيها على الموت بل التي أتخيّل فيها كيف مات من معي، صراخهم جراحهم، آخر حركاتهم، شهقات الموت... عندها تمنّيت أن أموت وأنا نائم في الفراش، وقلت لنفسي أني يجب أن أموت هكذا، ميتة سهلة، حيث الموت أقرب إلى معنى الراحة. المصافحة الأخيرة مع الموت كانت عبر حادث سيارة قوي. كنت أقود ثملاً، فاقد السيطرة على نفسي، لم أعرف كيف حصل الحادث ولم أع ما جرى لي. لكني أذكر وجوه رجال الدفاع المدني المذعورة والمضطربة، كنت أشعر أني بخير، ورحت أطمئنهم وأؤكد لهم أنني بخير. في المستشفى انتبهت إلى شيء مهمّ، قلت لنفسي بما أنني نجوت من الحرب والحوادث المميتة فيجب أن أكون على قدر الأمانة، وأكون لائقاً بهذه النجاة »الموهوبة« لي، ويجب ألا أفرّط بها على طريق سريعة بحادث سيارة سخيف، خفت من الموت للمرة الأولى والوحيدة لسبب واحد هو ابني الذي يحتاج إلي«. نظرتنا إلى الموت تختلف بعد الاحتكاك به ومصافحته. عوضاً عن التسوية التي نجريها معه والمصالحة التي نحاول الحفاظ عليها فإن ريم الجندي ترى الموت أسهل بكثير مما يتوهّم البشر، وهي تتقبّله الآن كما لا يتقبّله انسان آخر، لكنّها تلفت إلى أنّ ثمّة ما هو أصعب من الموت وأفظع منه: »الموت سهل لكن المشكلة والصعوبة هي في شيئين آخرين أوّلهما الألم، فهو شيء غير إنساني. »حرام« أن يتوجّع الانسان. أنا عشت ثلاثة أشهر متواصلة من الألم، ورأيت كيف له أن يقود إلى الجنون. المشكلة الثانية هي المهانة والذلّ الجسديان. على مدى طويل لم أستطع الأكل، تحوّلت إلى هيكل عظمي، فقدت شعر رأسي. لم يعد جسمي لي. أنظر إليه وأقول هذه ليست أنا، فأين أنا اذاً؟ في تلك اللحظة كان الموت أسهل عليّ وتمنّيته بالفعل، لكن للحظات، ثم استدركت وقرّرت تحدّي ما يجري لجسدي. صورتي وفكرتي عن جسدي تحطّمت بالكامل«. كذلك يقول بزّي إنّه يكره الشيخوخة والتشوّهات والعاهات والألم أكثر بكثير مما يكره الموت، لأنها أصعب من الموت، ففيها حرمان من الموت ومن الحياة معاً. »حالياً ليست لدي أي مشكلة إلا مع الموت العنيف المؤلم. وهذا يدلّ على كره الألم لا الخوف من الموت«، يؤكّد بزّي. كذلك يجعلنا الاقتراب من الموت ننظر إلى الحياة نظرة أخرى. نظرة مكثّفة المشاعر: حب وكره وحقد ونقمة وجبن وشجاعة... في هذا الموضع تقول الجندي: »كنت أشعر بنقمة وغضب على هذا الألم بالطبع. كنت أحسد الآخرين على كلّ حركة يقومون بها. أحسد شخصاً يفتح باب غرفتي يدخل ويجلس على الكرسي. ياااه ما أروع هذا! أن تدخل غرفة وتجلس على الكرسي، أن تذهب إلى مقهى وتطلب كوب شاي. أن تمشي على الرصيف! أن تأكل تفاحة!! كيف أني لم انتبه إلى حلاوة وروعة هذه الأشياء! كنت غير قادرة على الجلوس حتى في السرير لذلك فقد كان خروجي إلى الويمبي وتناول النسكافيه هو الجنّة في نظري. كذلك عملي في المطبخ، غالباً ما حلمت وتمنّيت العودة إلى مطبخي وتحضير طبق »ورق عنب« بتأنٍ واستمتاع بكلّ حركة. تفاصيل الحياة صارت مهمّة جداً في نظري. تغيّرت نظرتي إلى كلّ شيء في الحياة. لم أعد أتذمّر أو أشتكي، ما كان يغضبني ويثير أعصابي في الماضي صار يضحكني اليوم. صارت قناعتي أنّ البشر يفتعلون المشاكل مع الدنيا والآخرين ومع أنفسهم. مشاكل يمكنهم بكلّ سهولة تجنّبها، لأنّها ليست موجودة أصلاً إذا أرادوا لها ألا توجد«. العودة العودة إلى الحياة هي عودة استثنائية، مهداة، ثمينة جداً. أثمن عودة يحصل عليها الإنسان. يكون عليه بعدها أن يرتّب حياته، ويعيد ترتيب أوراقه، ويحتفي بالنجاة وبالحياة، ويحدّد ما تعلّمه من تجربة كهذه. الجندي توضح أنها خرجت من هذه التجربة أقوى وأكثر تعلّقاً بالحياة وفهماً لها، إلا أنّ شيئاً فيها انكسر، وهو غير قابل للشفاء، سببه المهانة الجسدية. »أشعر بأن من لا يقاوم ليعيش قد يكون يريد أن يموت. أنا متعلّقة بالحياة الآن، لكني أدرك أنها هشّة، قد تزول في أية لحظة ولأتفه سبب. الحياة هي كشيء أحبّ أن أقوم به بقوّة لكني قد أتخلّى عنه في أية لحظة. تعلّمت أن أقبل ضعف البشر. يسألونني لماذا عدتُ؟ ألأجل الرسم أم عاصم؟ أجيب: لأجل الحياة بحدّ ذاتها«. تعلّم بزّي من تجاربه مع الموت أن يحترم حياة الآخرين، ويحبّ مظاهر الحياة، كذلك الاحترام العميق لنظام التحلّل الذي هو الموت. من ير أعمال عماد عيسى السوريالية السوداوية يرجعها إلى الحادثة لكنّه ينفي هذا قائلاً: »أنا بطبعي سوادوي، الحادثة زادت هذه السوداوية إلى درجة ما، ولكنها كانت موجودة سابقاً ونابعة من جوّ الحرب وتفاعلي مع ما حولي. تقنياً أخّرتني، حالت دوني ودون النحت. وأخّرت بعض مشاريعي. أول مشروع بعد الحادثة كان معرضاً بعنوان »طبيعة حيّة«، فيه مثلاً طاولة مع طبق فاكهة أو زهرية ورد وأشياء أخرى مماثلة أردت من خلالها الردّ على من قالوا إنني انتهيت. أنا قاسٍ بطبعي. أستطيع السيطرة على نفسي، لدي ارادة قوية على ضبط أعصابي. أرى انني ما دمت قادراً على تنفيس غضبي فلماذا لا أفعل وإن كان هذا سيؤذي البعض تلك مشكلتهم. قبل الحادثة كنت أرسم يدي اليسرى كثيراً. كنت أشعر بنفسي مفكّكا كل قطعة من جسمي في مكان. كان لديّ هذا التصوّر عن جسمي. لذلك لم تحدث هذه الحادثة انقلاباً نوعياً في حياتي. قبل الحادثة كنت أحضّر لمشروع هو جنازة من 15 تابوتاً نحملها ونجول بها شوارع بيروت رداً على موت الثقافة والانسان في تلك الفترة. بعد الحادثة أنجزت ثلاثة توابيت بنفسي بيد واحدة، وبجهد كبير، لكني لم أنفّذ الجنازة. عرضت التوابيت في أحد معارضي. أعاقت الحادثة التنفيذ السريع«. لكن بالنسبة إلى الجندي فإن تأثير تجربتها وهي أصعب وأخطر من تجربة عيسى، طاغٍ على ما رسمته بعد الشفاء: »اشتغلت معرضاً مختلفاً كلياً عن عملي السابق. انتبهت إلى أن الرسم صار فعلياً ما أعيشه، موضوع الرسم هو حياتي، عندما أرسم أتبع نفسي وما تمليه علي«. ليس الأمر كذلك بالنسبة الى بزّي وشعره إذ يقول: »الشعر ليس محور حياتي. أحبّه وأمارسه لكنّه ليس القيمة العليا لي، هو مثل أي طبق شهي أشتهيه أحياناً وأشبع وأكتفي منه. جميع نصوصي تحتفي أكثر مني بالموت، وتهجس باللحظات الصاعقة للموت، ليس بمعناه المجرّد بل بالأموات، الأشخاص الذي ماتوا أمام عيني. أرى في الشعر وفي الإرث الشعري كلّه أن الموت مكان جمالي ومادّة جمالية وفكرة رومنطيقية«. نختم مع فكرة رومنطيقية لموضوع ليست له خاتمة وشيكة، ولا بعيدة، مع بيت شعري لدرويش يلخّص تجربة انسانية : »أنا أريد أن أحيا... فلي عمل على جغرافيا البركان. من أيام لوط إلى قيامة هيروشيما واليباب هو اليباب. كأنني أحيا هنا أبداً، وبي شبق إلى ما لست أعرف«