As Safir Logo
المصدر:

سنة على غياب الشاعر الفلسطيني محمد القيسي ذلك المتوثب كفيلق من الذئاب

المؤلف: بذيع شوقي التاريخ: 2004-07-30 رقم العدد:9857

لا اعرف ما الذي قاله محمد القيسي للموت الذي باغته على حين غرة، قبل عام كامل، او ما هو نوع الحديث الذي تبادلاه قبل ان يرفع الشاعر راية استسلامه. فشاعر من طراز القيسي لا يمكن ان يتنازل بسهولة عن الحياة التي رأى إليها بوصفها الأعطية اليتيمة التي لا تتكرر والهوية الثمينة التي يصعب التفريط بها رغم كل العثرات. ومن هو جدير بهذه الهوية مثل شاعر »حمدة« الذي حوّل اعوام عمره الستين الى كرنفال هائل من الضجيج والمشاكسة واقتراع الاحلام. لم يكن الموت وارداً في قاموس القيسي ولا في حساباته الصغيرة او الكبيرة، هو الذي رتب جسده وروحه ونظم خطوط دفاعه بما يكفي للعيش ثلاثة عقود اضافية على الاقل. يلوّح للموت كيف لم يستطع محمد القيسي اذا ان يلاعب الموت بالمهارة التي لعب فيها مع الحياة. كيف لم يقنعه بالذهاب الى سواه ممن لم يعد لديهم ما يخسرونه سوى اكمال اجسادهم التي انهكها التعب وقصائدهم التي بليت من التكرار. اما هو المتوثب كفيلق من الذئاب والمتربص بكل ما يسيل له لعاب الكلمات فليس بينه وبين الموت حدود مشتركة او لغة للتخاطب. كان يمكنه على الاقل ان يؤجل هذا الاستحقاق بداعي السفر او الحب او طباعة المخطوطات الكثيرة التي ما زالت بحوزته، تماما كما يفعل الشبان المطلوبون لخدمة العلم او التجنيد الالزامي. كان يمكنه ان يلوح للموت بخرقة المجاز الحمراء لكي يسدد قرنيه الى المكان الذي لا يشغله جسده الحقيقي. إلا اذا كان قد فعل ما فعله بكامل ارادته بعد ان هدّه الترحال وأتعبه الركض وراء ما تبقى من الأماكن والنساء والكلمات... برحيل محمد القيسي تخسر فلسطين احد اكثر شعرائها أصالة وصدقا ورهانا على المعنى. صحيح ان بداياته المبكرة لم تختلف كثير اختلاف عن تجربة مجايليه ممن عرفوا بجيل الستينيات ولكنه عرف كيف يحول حياته الى بدايات مستمرة والى اسئلة مغلقة لم تكف عن تجديد نفسها في اوصاله. كانت مجموعاته الاولى جزءا من النسيج العام للقصيدة الفلسطينية الوطنية التي تؤثر تغليب العام على الخاص، والترسل الانشادي على الحفر والإضمار، والرومنسية الثورية المسلحة بالايديولوجيا على التأمل والاستبطان. ولكن ذلك كله لم يكن معزولا عن السياق العام لشعر الستينيات، وبعض السبعينيات، الذي رافق هزيمة حزيران واحتفى بصعود المقاومة الفلسطينية وتغذى من النظريات والافكار التي تحول الشعر الى فعل دعوي ووسيلة من وسائل التحريض. غير ان القيسي سرعان ما انقلب على تلك المفاهيم السائدة مؤثراً الانحياز الى خصوصية التجربة وقوة الاختبار الشخصي وحمى الهواجس الداخلية للكائن الفرد. لقد قرر محمد القيسي في مجموعاته اللاحقة بدءا من »إناء لأزهار سارا...« و»منازل في الأفق« و»كتاب حمدة« وصولا الى »شتات الواحد« و»ناي على أيامنا« وغيرها من الاعمال ان يوائم ببراعة بين الاخلاص لقضية الوطن المضيع والاخلاص لقضية الشعر نفسه بحيث لا تتحول الافكار والنضالات العادلة الى مسوغ للقراءة والكتابة الجاهزة والسهلة. ولم يكن ذلك القرار يعني بأي حال تحللا من القضية نفسها او تخليا عن النضال من اجل الحرية بقدر ما كان تشبثا صعبا بما يمنع الشعر من التحول الى شعارات جوفاء او الى لافتات للابتهاج والاستنكار. باتت فلسطين عند محمد القيسي رمزاً لكل ما هو متعذر ومقصي ومسور بأسلاك الممنوعات الشائكة. فالجسد المغلول وفق الشاعر لا يمكن له ان يحرر وطنا مغلولا او يفكه من الأسر. واللغة المكبلة ليس من شأنها ان تجترح للحرية فضاءها الملائم وللشعر وعوده الحقيقية. ضجيج الخلايا هكذا، ودفعة واحدة، شن محمد القيسي على الحياة كما على الشعر هجوماً ضارياً لا عودة عنه. كأنه، بعيدا عن الجغرافيا، كان يبحث عن فلسطين في جغرافية اخرى تترامى على امتداد الارض حينا وتتكثف حينا آخر لتصبح ضجيجا في الخلايا ووسوسة في دورة الدم وجيشانا في العروق والأوردة. فهو لم يشأ ان يستسلم لذلك المناخ الكربلائي المثخن بالتفجع الذي حكم شعره الاول كما حكم الكثير من نماذج الشعر الفلسطيني، والعربي بوجه عام، فعمد الى شن هجومه المضاد على الحياة والعالم متصيدا كل ما يتشكل امام ناظريه من صور الأنوثة وتجليات الرغبة وإضغات الاماكن. وقد ساعده في ذلك جسد رشيق ومطواع شبيه بجسد عروة بن الورد ووجه جذاب تتنازعه الوسامة والتعب وتطل من وراء قسماته الصورة التي رسمها عمر بن أبي ربيعة لنفسه. سندباد معاصر هو محمد القيسي. مزيج مريب من الفروسية والصعلكة/ فيه بعض من طراوة الحبق وبعض آخر من صلابة السنديان الفلسطيني. كل ذلك، مضافا الى عيون صقرية نفاذة والى اندفاعة حصان بري، هيأه للخروج من نفق الرتابة والاملال والزحف على الحياة بجميع ما يملك. بات الشعر عنده اختبارا باللحم والدم لقدرة اللغة على المعاينة والكشف. وكناجٍ وحيد من مجزرة مروعة راح يميط اللثام عن الشرارة القابعة خلف الرماد ويحول الشعر الى طرديات معاصرة لا تشي بالمكان ولا بانعدامه بل هذا الترنح المستمر بين الاثنين: »يمرمرني ما أرى/ اذ يقود الدليل خطاي الى عتباتي القديمة/ تصدأ فضة روحي/ ولا استعيد ظلال الطفولة/ أبعد عني الندى والكروم/ وأبعد ارض الحنين/ خذيني/ يعذبني انني في المكان وخارجه...«. جذر أيقاعي على ان محمد القيسي رغم ما اصاب شعره من تغيرات ظل امينا لغنائيته حتى النهاية. فكتابته تصدر قبل كل شيء عن عصب غنائي مترع بالانشاد والترقرق المائي. وقصائده التي تخلت عن الإفاضة والاحتشاد والسيلان الكلامي بقيت محتفظة بجرسها المدروس ونمنمتها البلاغية وتقفيتها المنضبطة دون تعسف او افتعال. ذلك ان الجذر الذي تصدر عنه هو في صميمه جذر ايقاعي يتغذى من الفولكلور والوجدان الشعبي والترددات المختلفة لموسيقى الشرق. وإذا كان بعض اصدقاء الشاعر وقارئيه قد اطلقوا عليه لقب »المغني الجوال« فإن هذا الوصف ليس مجافيا للحقيقة او بعيدا عنها، ولو ان نزوعه المشرقي راحت تخالطه اصداء كثيرة من ظلال الشعر الاسباني التي تجسدت على الاخص في مناخات غارسيا لوركا حيث تتحد الحسية المشهدية بالتكرار والتوزيعات الصوتية المتناغمة: »خمسة أفراس ترعى قرب النهر. خمسة أفراس وغيوم في الأفق/ خمسة أفراس وحشائش تتمايل في رفق/ وندى نعسان/ خمسة أفراس ترعى/ نفرت فزعى/ ودنت من طرف الغابة/ بزغ الغجري من الغيب وقال:/ هي ذي فرسي«. كان لا بد لهذا الجسد الجموح والمكتظ بالرغبات الكثيفة ان يستنفد كل طاقاته وقدراته خلال ما لا يزيد عن الستة عقود من العمر، وان يخذل صاحبه في أوج اندفاعته الشعرية والإنسانية. ولعله ليس من قبيل المصادفة ان تفقد الكتابة العربية خلال اعوام قليلة معظم اولئك الرحالة الذين اقتحموا الرغبات بجماع اجسادهم وجازفوا بكل ما اوتوا من قدرة على اختراع الحياة واللغة من مثل سعد الله ونوس ونزار قباني ومحمد شكري وادوارد سعيد وغيرهم. حين التقيته في معرض بيروت الدولي للكتاب قبل اكثر من عام ونصف بدت على وجه محمد القيسي بعض علائم الحزن والخيبة والألم. ولما كنت قد علمت بأنه خارج للتو من ازمة عاطفية مريرة اعتبرت بأن ما يبدو على ملامحه ليس سوى انتكاسة عابرة لن يلبث ان يتجاوزها خلال وقت قصير كما تجاوز غيرها من الانتكاسات. ولم اكن اعلم يومها انه كان يترنح عند التخوم الاخيرة من العيش، وان رصيده من المقاومة لن يمكنه من الصمود اكثر من شهور قليلة قبل ان يضع نقطة الختام عند نهاية السطر.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة