الطائرات تمر من فوقه باستمرار لتهبط على مدرج مطار بيروت الدولي. بين ركابها سياح. انه موسم السياحة كما يذكر. الابنية الفخمة بشققها الغالية تمتد خلفه عموديا وأفقيا على طول الجادة. أبنية تشبه الاصنام. لا شيء يدل على حياة قائمة فيها. الحياة في الاسفل. عند شاطئ الرملة البيضاء. والحراس يمسحون عرقهم من التعب وهم ينظمون الدخول. يفتشون الحقائب ويشيرون للرواد اين ستوجهون: »من هون للعِيَل، ومن هون للشباب«. سماء الاحد صافية. شمسه مشرقة بقوة. البحر ازرق وان لم تكن ماؤه نظيفة، وأمواجه تحاول ان تصطاد سباحين وان لم يجيدوا السباحة. على مداخل الشاطئ المستحدثة زحمة. زحمة عائلات. زحمة شباب. كل الاغراض اللازمة محمولة. الأم لم تنس الحصيرة ولا »ترمس« المياه النقية. الأب يحمل إطارا لابنتيه وكيس لوز ومشروبات غازية. النراجيل كثيرة. شاب ينبه صديقه ان لا ينسى الفحم. عريس جديد. هو وعروسه واختها وصهره وحماته حضروا باكرا كي تكون خيمة من نصيبهم. زيت البحر يجعل الاجساد براقة. كل الازياء موجودة وكل الموديلات. الفتيات ما زلن حريصات في لبسهن. تجد »الشادور« والعباءة. وتجد الشورت وما يكشف عن الكتفين واليدين. بعضهن ارتدين المايوه الذي من قطعتين. انها الرملة البيضاء التي مر زمن طويل نسيت فيه ان تكون شاطئا شعبيا بحق يقصده من يريد من دون ان يردعه شيء. ان يخاف من ان ثمة امورا تحدث هناك. الشاطئ الآن يتغير. حياة صيفية جديدة تنسج فوق رماله. اكثر من مئتي خيمة مجانية. ممرات خشبية. شجيرات خضراء. دوشات. مراحيض. ستة ابراج مراقبة يتوزع عليها منقذون هم في الاساس »بحرية«. طابات برتقالية عائمة فوق المياة تحدد للسابحين حدود الابتعاد داخل الماء. حراس يجولون بين الناس. مستوعبات للنفايات يقوم موظفون بتفريغها دوريا. دعوات تذاع للحفاظ على نظافة الشاطئ. دوريات لقوى الامن. خيم خشبية تباع فيها بعض الحاجيات من المياه والمشروبات ومناقيش الصاج والذرة المسلوقة وغيرها بالاضافة الى النراجيل. فيها شباب يعملون مرتدين قمصانا حمراء مزهرة كأنها من »هاواي«. المرأة المحجبة التي تقف خلف الصندوق تظل مبتسمة وتتكلم مع الزبائن المختلفين باحترام. اجهزة لاسلكية يتخاطب من خلالها مدير المسبح والموظفون والحراس والمنقذون. ملعب لكرة القدم. التحضير جار لاستكمال ما لم ينجز بعد كملعب لكرة الطائرة وآخر للمضرب الخشبي وبعض الممرات الخشبية واللوحات التوضيحية. الناس كثر. اغلبهم عائلات، واغلب العائلات من الشباب. حضور ملحوظ للاناث. من العجائز إلى المراهقات. الاطفال منتشرون. يدفنون انفسهم تحت الرمل الحامي. بعض الرجال يلعب ورق الشدة او طاولة الزهر. صوت ملحم زين يصدح لكنه يضيع في زحمة الشاطئ وتكرار الموج. للعام التالي تتغير شخصية الشاطئ مع البرنامج الوطني للمسابح المجانية للعموم. المديرية العامة للنقل البري والبحري سلمت ادارة المسبح إلى جمعية سيدرز للعناية. يقول مدير المسبح نزيه الريس: »هذا العام الثاني ندير فيه المسبح. العام الماضي بدأنا متأخرين في شهر آب. هذا العام هناك زيادة في المعدات. مثلا هناك مئتا مظلة بدلا من خمس وخمسين. هناك ستة ابراج مراقبة بدلا من اربعة. تقريبا كل شيء أفضل هذا العام والاهم هو أن صيت الشاطئ يتغير بعدما كان مكانا »للمخدرات والزعرنات«. اليوم اصبح هناك احترام للناس وللأرض. لان هيبة الدولة اصبحت موجودة، والمشاكل قليلة جدا، وجميعها قابل للحل«. الريس اشار الى مراقبة دائمة على المداخل وعلى الشاطئ وذكر ان المشروبات الكحولية ممنوعة بخاصة ان الشاطئ يضم نوعيات عديدة ومختلفة من الناس. حراس المداخل يفتشون القادمين ويمنعون ادخال اي مشروبات كحولية او اسلحة. من يحملها عليه تسليمها ومن ثم استردادها لاحقا او يمنع من النزول الى الشاطئ. ومن لا يحمل رخصة سلاح يمنع ايضا من الدخول. مدير المسبح لفت الى ان ايام الاسبوع تشهد اقبالا من رواد الشاطئ ومحبي البحر والهدوء على عكس ايام نهاية الاسبوع التي يكتظ خلالها الشاطئ. »تجد صبايا ونساء يلبسن المايوه من قطعتين ويمضين ساعات ما قبل الظهر كلها هنا. كما تجد الكثير من الاجانب. حتى اليوم وهو يوم احد هناك عدة نساء يرتدين مايوهات، وهناك اجانب. انظر الى ذلك الرجل الاشقر وزوجته«. يدق باب غرفة الادارة. شاب أشقر يضع نظارات شمسية »شانيل« يسأل عن مواد اسعافات اولية. يصطحب طفلا يسيل الدم من جبينه. الطفل كان ضحية لمشكل سببه بعض الشباب الذين اصروا على ادخال مشروبات الى الشاطئ. الحارس منعهم. الشباب اصروا ثم اشتبكوا مع الحراس. تدخل سريع لقوى الامن الداخلي انقذ الموقف وادى الى تفرق الجماهير التي حضرت لتشاهد العراك. الطفل خائف لكن الشاب الذي تبين انه دكتور تجميل طمأنه، وضمد جرحه إلى حين وصل الصليب الاحمر. فغرفة الاسعافات الاولية لم تجهز والشاطئ لم يعلن افتتاحه بعد. الدكتور استاء من امر عدم وجود اسعافات اولية وقال: »الشاطئ جميل خصوصا اني اصطحب والدتي المحجبة يوم الاحد، فهي لا يمكنها النزول الى اي مسبح. لذلك نحضر الى هنا ونمضي بعض الوقت«. امراة تجر ابنتها التي تجهش بالبكاء. تلف اصبعها بقماش احمر. جرحته وهي تلعب بالرمل والمياه. بقايا قنينة مكسورة احدثت جرحا بالغا في اصبعها. منقذ بحري يهتم بها. رئيسة جمعية سيدرز تعاود الاتصال بالصليب الاحمر لمعالجة الحالتين. رئيسة الجمعية عفت ادريس شاتيلا تكلمت عن عدم تعاون بعض الناس في موضوع النظافة. وابدت انزعاجها من النسوة اكثر: »المرأة التي من المفترض انها مسؤولة عن ادارة بيت، معقول مثلا ان تكون حمامات الرجال نظيفة في حين حمامات النساء متسخة دوما؟ جربنا كل طرائق الاقناع والتوعية لكننا في نهاية الامر سنستعمل اسلوب التهديد بالضبط البيئي وهو غرامة مالية يدفعها المخالف مع توقيفه في النظارة، فلربما يستجيبون«. رئيسة الجمعية قالت: »نحن ندير الرملة البيضاء لكننا نطلب من الناس الا تسبح، الا ينزلوا الى المياه. فالمياه ملوثة. ليس فقط هنا بل في كل لبنان«. بواسطة المذياع يذكر احد المنقذين الناس بالمحافظة على النظافة. ويشجعهم على ان هناك جائزة للذي يجمع نفاياته ولا يتركها على الشاطئ. منقذ آخر يتوجه الى مدير المسبح وهو يمسك شابا صغيرا من زنده قائلا: »شوف شو بدك تعمل فيه«. الشاب السوري ابن الستة عشر عاما انقذه الشباب ثلاث مرات من التيار ورغم ذلك يعود وينزل الى الماء ولا يجيد السباحة. الشاب نظر الى المدير متوسلا وقال له: »هاي اول مرة بجي فيها عالبحر«. الناس تتجمع. صراخ. يتضح ان الحراس امسكوا احدهم يسرق. سوري الجنسية وتم تسليمه لقوى الامن الداخلي. أحد المنقذين عبر عن امتعاضه قائلا: »كله كوم والسوري كوم. في منن بس يشوفوا بنت بيلزقوا. هناك من العائلات من ترتدي بناتها مايوهات ايام الاسبوع لكنهن لا يفعلن ذلك ايام السبت والاحد. لان الوضع كما ترى. انا هنا اراقبهم جيدا بالمنظار وارى كيف يتصرفون«. مراقب يحضر بصحبة شخص اضاع محفظته. يأخذ منه المعلومات ويسجلها على ورقة خاصة كي يعاودوا الاتصال به في حال وجدت. عندما تسأل الشاب المراقب المسمر بشدة: »شو كيف الشغل؟«. يجيبك سريعا من دون تفكير: »واحد ضايع ابوه، واحد مضيع امرته، واحد عقصه قنديل، واحد بدو ياخد معه عالبيت دوا قنديل قال بلكي تعقوص بعدين، واحد بيروح بالتيار، واحد عم يتحركش بوحدة، ويا عمي شو بدك تلحق تا تلحق، بس بتضلك تقول الناس اللي فيها مكفيها وجايي تا تغير جو«. ساعات بعد الظهر. لا زالت الناس تتوافد. زحمة فيها كل الاشكال. كل الالون. الطائرات تمر من فوق الشاطئ. لا بد من ان احد الركاب ينظر من نافذته الصغيرة ويرى هذا الحشد الهائل فوق الرمل قرب البحر. شاب مفتول العضلات يلوح للطائرة ويصرخ: »تعو لعنا، هون كمان فيه سواح«. صديقه يقول له: »ايه قولك بترجع الرملة البيضا متل ايام الستينيات والسبعينيات؟«. على شاطئ الرملة البيضاء، فريق العمل بكامله يرتدي »تي شرتات« صفراء طبع عليها، »المديرية العامة للنقل البري والبحري«.