As Safir Logo
المصدر:

محمد الماغوط في »روافد« شاعر على مدار العمر

الماغوط كما بدا في حلقة »روافد«
المؤلف: العزير علي التاريخ: 2004-07-26 رقم العدد:9853

برنامج »روافد« الذي يقدمه الزميل أحمد علي الزين على »العربية« استضاف في حلقة أمس الأول الشاعر محمد الماغوط، الذي يعرف بندرة إطلالاته الإعلامية، مؤثرا الصمت البليغ على الأضواء ورونقها الخلّبي. في أمسية هادئة جاء الماغوط على عكازه الحديدي: في فمه سيجارة متقدة، ينفث مع دخانها تفاصيل تجربة حياتية صنعت شاعرا من طراز استثنائي، منذ أن ولد في سلمية، عام 1934، وقدم منها إلى دمشق عام 1948، ليدخل السجن، ويحمله في داخله طيلة أيامه، خوفا ونقمة وسخرية موجعة. لمرة نادرة تحدث الماغوط، ولمرة نادرة خرج الكلام من سجن المحاذرة والتقية، ليمارس شغفه الأزلي في صناعة الدهشة: »الشعر ليس مهنة تمارس خلال الدوام الرسمي فقط«، والشاعر الحقيقي هو من تشابه مع قصائده إلى حدود التماهي الكلي. لعل هذا ما يفسر سر الحزن الصادق المرتسم في أحداق الطفل السبعيني، الذي ظل عصيا على إغواء الثقافة المخملية. فهو تمرد على أهل السياسة، كما فعل مع أهل التنظير للحداثة والفكر، لم تغوه الأسماء الأعجمية، ولم يرقه الإبحار في متاهات الجدل عن الوجود والعدم، وألغاز أخرى تفصلها عن الأرض، أرض الشاعر الغاضب والجائع، مئات من السنين الضوئية. تحدث الماغوط عن بلدته سلمية، »طفلة المتوسط التي تعثرت بطرف أوروبا«، وعن قصيدته الأولى »غادة يافا« التي »استعار« لنشرها في مجلة الآداب البيروتية لقب »د.«، فالمجلة كانت تختار أسماء كتابها بعناية. أما قصيدة »القتل« التي كتبها في فترة الاعتقال، فكان يجهل حقيقة كونها شعرا، حتى أخبره ادونيس بذلك، يومها سأل الماغوط زميله ببراءة: »هل أنت متأكد مما تقول؟«. يجيء الشعراء إلى منافيهم عادة حاملين معهم الهموم الإبداعية، والأسئلة الكبرى، لكن شاعرنا اتى إلى بيروت في خمسينيات القرن الماضي، مثقلا بمشاكل المواصلات، فهو لم يكن يملك أجرة التاكسي للتواصل مع أركان مجلة »شعر«، وللمفارقة فإن أكثر ما يتذكره ويذكره عن تلك المرحلة، أن مؤسس المجلة يوسف الخال وزوجته الاميركية كانا يحضران الطعام لأسبوع كامل، وفقا لعادات الزوجة، وان الماغوط وزميله فؤاد رفقة، كانا يجهزان عليه في يوم واحد. برغم الجوع والفقر، وربما بسببهما، فقد كان الماغوط أكثر الشعراء تعبيرا عن صدق المشاعر التي تعتمل في وجدان المواطن العربي، ويكفي لتبيان ذلك أن نستمع إليه يقول، بجدية مطلقة: »في داخلي احتياطي من الخوف يوازي ما لدى السعودية وفنزويلا من النفط«، و»الفرح عندنا كالثأر مؤجل من جيل إلى جيل«. وأيضا: »أعطونا ساعات ذهبية وسرقوا الوقت.. أعطونا خواتم وسرقوا الحب«. تحدث الشاعر عن رفيقة عمره الشاعرة سنية صالح التي ظلت حبيبته، بعد ثلاثة عقود من الزواج، والتي صارت النساء بعدها »نجوماً تمر وتنطفئ.. فوحدها كانت السماء«. في مقتبل حياته سعى الشاعر لدراسة الزراعة، والأمر ليس خيارا حرا بقدر ما هو ناجم عن ضرورات ضيق ذات اليد. فالمعهد الزراعي كان يؤمن دراسة داخلية مجانية، لكن اكتشافه المبكر لذاته قاده إلى الاستنتاج انه صنع لمكافحة الحشرات البشرية وليس الزراعية. بالرغم من النحل والرحيق والأزهار ظل العلقم يملأ فم الطفل العابث حتى اللحظة، وبالرغم من العجز والخوف والمرض كان الماغوط ثائراً كما لو انه في مقتبل العمر، ساخطا، ناقما، ساخرا، صادقا، و..شاعرا على مدار العمر.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة