كان باب بيتنا، مثل معظم الأبواب مصنوعا من الأخشاب، أخشاب تسري في عروقها الجافة ذكريات دماء الغابة الخضراء وصدى شدو البلابل ورجع همس الأوراق... الأبواب عادة، بمصراعين مكسوين بالصفيح المزين ومدعم بمربعات أو معينات (مربع بزوايا حادة) من المسامير ذات الرؤوس المسدسة، مسامير من تلك التي تثبت بها نعال الخيول. لم تكن ثمة أجراس كهربية وقتها. مقرعة على هيئة قبضة يد من الحديد سندانها كرة حديد صغيرة، عموما كانت الأبواب مفتوحة نهارا في كل البلدة: هذا من فضل ربي... أول ما يداهمك هو رائحة الرماد الدافئ من التنور الذي يناضل بالقرب من الباب، في تحويل العجين إلى خبز، أو ينام فيه النار على وسادة الرماد حالما بالسنبل أو... بالجحيم. غالبا ما تكون القطة نائمة على ضفة التنور شتاء. التنانير بردت، التنانير هدمت. التنور ارتبط بوظيفة، وانتهت وظيفته، تقاعد التنور بلا تعويض نهاية خدمة، لفظ أنفاسه الدخانية الأخيرة... سيصعب العثور على تنور في طول البلدة وعرضها، لم يخطر لأحد رصده في صورة تذكارية، انتقلت التنانير، إلى خصور النساء، تنانير تعلو الركب اللامعة، ركبة حواء كائن شعري وجمالي معاصر. ثمة فيلم باسم ركبة كلير، وكلما انحسرت تنورتها (ضحكت ركبتاها)... الصوفي (كتك)، بائع اللبن بجانب الطاحونة، أطلق تحذيراته وفي عينيه لمعان: يا ناس القيامة أوشكت. لم يبق لها سوى شبر!! ويقيس ما بين ركبته وموضع السلالة. التنانير وصلت إلى هنا ولم يبق للقيامة سوى شبر لتقوم!! الميني جوب تنانير مفترسة، تنانير تخبز عليها الشهوات!!... يا للغدر، ياللخيانة. التنور الذي أكلنا منه، هدمناه. حليبنا حرام. مات التنور بلا تأبين أو ذكرى. حل محل التنور، في الديار، الكنيف وهو يذكّر بالمثل الساخر: جلس البوم محل الغضنفر. الكنيف اسم ملطف للمرحاض. بنى معظم السكان كنيفهم بالقرب من الباب، والسبب هو اختصار تكاليف المواسير الأسمنتية الغالية الممدودة إلى مجارير الشارع. هذه هي الحضارة التي استبدلنا رائحة القمح المطحون والمعجون والممسد براحات النار الحمراء المزرقة برائحته بعد مروره في أمعاء الإنسان الظالمة!! معظم الأبواب استبدلت الخشب الحنون بالحديد الصارم القوي، منعا للصوص الذين تكاثروا بتقاعد العدالة و...التنانير. سقاطة الباب صارت جرسا كهربائيا يرن أو يغرد أو يزقزق أو يعجرم (نسبة إلى نانسي عجرم)... إلا أنّ لغز احتراق أحد الهررة في تنورنا بقي مغلقا!! القطط بسبع أرواح، قلما تجد هرّا ميتا، أو حية ميتة، تجدهما مقتولين نعم. أما ميتين فمن سادس المستحيلات (مقعد سابع المستحيلات محجوز للديموقراطية العربية وحقوق الإنسان)... هل ضلّ الهرّ طريقه أم برد إلى درجة أراد فيه معانقة رماد التنور للاستدفاء أم كان جائعا وطمع في بقايا عجين؟ أو شواء في اسفل التنور؟ أم رماه أحد الأشقياء فيه انتقاما من صيصان أو حمامات مغدورة ؟ أم انتحر احتجاجا على النخوة العربية الذائبة على حرارة تنور الفيديو كليب؟ أما إذا ضلّ الهرّ طريقه وسقط في بئر وغرق، فثمة تدبير آخر لتحرير الماء من غبار زيارة الموت... تنتشل جثت الهر أولا ثم يتم اهراق ستين دلوا من البئر المنكوب. تلك عدة كاملة حسب فقهاء الشرع. يجوز بعدها شرب الماء حلالا زلالا. حكمة جديدة ولدت للتو : في بئر الحياة العربية ماتت الحرية، غرقا وخنقا وذبحا وصبرا... وحتى تحل الحياة للعيش، ينبغي اهراق دم ستين طاغية، بعد توجيهم إلى أولى القبلتين، ثم التمثيل بهم على طريقة أهل الفلوجة. نقطة آخر السطر. ... بيوت بلدتي قبل ثلاثين سنة كانت كلها من الطين... يعود المرء إلى أبيه الطين في آخر النهار، وإذا استوفى عمره عاد إلى حضن التراب عودة أبدية، يحوّل فيها التراب عظامه، من الوله والاشتياق، إلى رميم تراب... البيوت الأسمنتية كانت معدودة على الأصابع، الميسورون فقط بيوتهم من الأسمنت، الميسورون قساة، لأنهم يبيتون في حضن سوى أبيهم... أتذكر ثلاثة قصور في بلدتي... الرابع كان لمدير الناحية، المبنى الرابع كان حكوميا... متوسطو الحال كانوا يؤثرون غرفة الضيوف بالأسمنت، غرفة مبلطة باردة شتاء ساخنة صيفا، فيها كنبات وسجادة عليها رسوم لوعول شامخة وطواويس متكبرة و آيات من القران الكريم وصور للكعبة المشرّفة... ورسوم لزعماء سياسيين يأبون الموت حتى في قبورهم (...و يجب قتلهم) كما يفتي الشاعر عبد القادر الجنابي قدّس سره... أضيف: والتمثيل بهم على طريقة أهالي الفلوجة المعذورين، فيما لو فعلوا بطغاتهم العرب مثلما فعلوا بغزاتهم الأمريكان؟. افخر القصور الآن لموظفين محدودي الدخل؟!! ولكن لصوص، بالقانون ذي المخالب، القانون الذئب. المهم أن يكون كل شيء سليما على الورق، أما الضمير فتقديره وداعا. الضمير لم يبق له محل من الأعراب في نحو المجتمع العربي وصرفه. الضمير مستتر تحت صبة »الحزب« المسلح بالشعارات الكتيمة. وداعا لفضائل الطين الكريم، الطين عازل جيد ، الطين ثوب (يعني ثواب) رطب صيفا و دافئ شتاء، رخيص، لا يحتاج إلى معاملات وأوراق وأختام ودور، كما الأسمنت أو خبز الأفران... وفي بيت الطين لا تعيش وحدك، تتشارك فيه مع العصافير والسنونو والحشرات... وقد تتسلل لك من زاوية أو جهة أو سطح أو سرة حائط، نبتة مشمولة بشعاع عابر من الضوء... حتى مدافئ الخشب استبدلت بمدافئ المازوت الخانقة... في بداية الخريف يعمد الناس إلى غربلة الرمل وخلطه بالماء والتبن والملح. الخليط يدعى بالبشروك، يترك ما يقرب من عشرة أيام إمهالا للبذور الكائنة المطمورة في الرمل كي تنتش. ثم يعاد خلطه بالماء ويداس كثيرا بالأقدام لتحويله إلى معجون لزج ثم ينقل في أوعية ودلاء صفيحية لإعادة ترصيع السطوح الطينية بطبقة جديدة لشتاء جديد. الملح لمنع نمو الأعشاب، الأعشاب ستهرّب مياه الأمطار إلى الدلف، كما يفعل رجال الجمارك المعاصرون مع المهربين؟... سطح بيتنا كان مرجا اخضر بشكل دائم ! السبب: الملح قليل، أو الرمل زراعي... هذا كان سببا رئيسا لعداوة البشر للطين المظلوم والبرئ. الذين تصالحوا مع أبيهم الطين بحل وسط، أشركوا الأسمنت معه في العمران، ملطوا الحيطان بما يقارب قامة صبي بملاط من الأسمنت، من جهة الأرض، حماية من الغسيل والمياه... آخرون صّبوا أسقفا من الأسمنت على دعامات حديدية، غالبا هي مخلفات قضبان السكة الحديد المعطوبة، مستندة إلى الحيطان، أي بدون شناجات وقضبان حديدية، أو على جذوع الاشجار الغليظة، كما في البيوت الطين. اقنان الحمام تبنى عادة على السطح. الحمام ليس للزينة والآلفة والآلاف. له وظيفة عجيبة: ردع الجان عن مخاتلة الأمهات الحبالى؟ تشي بوظيفتها أسماؤها: رحيمى. (افضل كتابتها بالألف المقصورة، أو بالياء الممدودة ذات الظلال والأفئدة والعطايا) الجان مولعة بالحمام، الحمام يغازله الجان الغزاة ويلهيهم عن بنات حواء الموعودات بالولادة. لم يكن في بيتنا رحيمى ولهذا وقعت أمي في شباك الجان؟ قضت المسكينة أيامها الأخيرة وهي تحاول نبش قبر أخي الصغير الذي غدر بأمه الجان فقتلت فلذة كبدها المفجوع. الحوش: الباحة نموذجان شهيران من أبواب الدور: الباب قد يكون مشرعا على فسحة الحوش، من فور الدار. الباحة التي تبيح الخلاء. أو قد يكون الباب مثل شفتين في وجه الدار، تفضي الشفتان إلى فم هو الإيوان (الصالون) الذي ينفتح من خديه على غرفيتن ينتهي الفم إلى الحوش الذي يمثل جوف الدار المكشوف للسماء، فسحة كبيرة، يتزن فيها العراء كسيّد... البئر في مركز الحوش. وبجانبه أخته البركة. كل بئر له بركة أخت، واطئة القعر، بقامة صبي متناوق على أصابع قدميه؟ تملأ بالماء، البركة خزان ماء احتياطي، يستعمل للوضوء والجلي، افضل البرك ما كانت سعته قلتين وهو مصطلح فقهي، ويعني، أيها الاخوة المؤمنون، أن يسع لستين دلوا فما فوق، حتى لا يأسنّ بسرعة. إذا تغير لونه وطعمه وجب استبداله، إلا أننا كنا نغامر ونغطس في تلك البرك، فأما حياة تسرّ الصديق واما موت يغيظ (الأبا)... نستغل غياب الآباء والأجداد ونغطس فيها ونمرح، فيعودون حانقين. أخواتنا، حليفات الشيطان، اللواتي اخرجن آدم من الجنة، وأبناءه من البركة، يشين بنا، فيبصق الآباء: تفو عليهم... لقد تبولوا فيها. كيف عرفوا مع انهم لم يكونوا معنا!! فيتوضؤون من أباريق نحاسية تشبه بأعناقها الطويلة أعناق طائر الكراكي، تمتح المياه من الآبار فيسمع أنين البكرة المتألمة تحت ثقل الدلاء وبكاء الحبال المطاطية على خابور البكرة. الآباء كانوا حريصين على بركهم، كما كانوا يحذروننا من الانحناء على حافة الآبار، أو الاقتراب من فمه: سيجركم الشيطان بعصاه الطويلة المعقوفة، كالعكاز. البئر مفترس. وقد سحب الشيطان الولد خالد فسقط في البئر. سهت عنه أمه فسقط، كان يلهو على غطاء البئر الحديدي، فهوى، سقط المسكين مثل صرة وهوى؟ كان سبيعيا بالولادة، وعانت أمه حتى كبر الى الثالثة. سقط في المركز، لم يصطدم بالحيطان، ولو اصطدم لمات قبل أن يصل إلى الأعماق المصعوقة بهذه الزيارة المباغتة!... حارت أمه ماذا تفعل؟ خرجت إلى الشارع تستنجد، فخانها صوتها، من حسن حظها أنها رأت جارها الأرمني ارتين العائد إلى ورشته الطورنو، انتبه إلى حركاتها العصبية، فهبّ إليها، جرته فجرى معها إلى البئر، كان ابنها عائما، على عمق عشرين مترا، جلابيته تحولت إلى ما يشبه المنطاد، نزل آرتين، للمرة الأولى في حياته إلى قاع بئر، حمل الولد النحيف بيد وتسلق بالأخرى، يضع أقدامه في الحفر المتراتبة على جدران البئر المتقابلة، المعدّة كسلم. أنقذ ارتين الغلام... مرحى ارتين. رحم الله ارتين. الفاتحة على روح ارتين، مات قبل شهور المرحوم ارتين، الأرمني الوحيد الذي بقي على الأطلال. الآخرون رحلوا جميعا إلى المدن الكبرى، يعيدون ترميم أحشاء السيارات الحديدية، السيارات الشبح التي تفترس الأولاد بلا عصي معقوفة، تفترسها وتولي الأدبار. والشرطة الموكلة بخدمة الشعب تتشاغل بالنظر إلى طيور الكرامة العابرة في السماء والملائكة... تكتب »ضبوط« المخالفات المرورية!! عروس بحر قال شقيق صاحبنا صلاح الذي عاد من الاتحاد السوفياتي بشهادة آدمية بدلا من شهادة علمية؟ عاد ومعه عروس بحر؟ هكذا قال لنا إبراهيم شقيق صلاح... تزوج من عروس بحر!!: إذا لم تسبح كل يومين يجف جلدها مثل الضفادع؟... ابحثوا لنا عن مسبح يا شياطين... عن بركة. البرك الكبيرة موجودة على أطراف البلدة... بركة شمدين على تخوم المقبرة... مستطيل كبير وعلى شفة بئره غراف يعمل بدماء الديناصورات المنقرضة. عملاق هادر، يصب في البركة المياه التي تشربها أصواف القطن العطشى التي لا ترتوي... افضل وقت للسباحة هو وقت القيلولة. جهدنا في تأمين المسبح... سنشاهد عروس بحر، مثل عرائس الحكايات ولكن بلا زعانف سمكية!!... خلعت عروس البحر الروسية ثوب الآدميين ولبست (لا ثوب) أهل بكين، فطاش صوابنا، وصواب نباتات القطن التي ظنت نفسها الأنصع بياضا في الأنحاء، وصواب المياه في البركة التي انفجرت تحتها وهي تقذف بنفسها في لجته من أعلى غرفة الناطور... نكست نباتات القطن رؤوسها من الخجل، امرأة برصاء من البياض... عروس بحر ناصعة يكاد مخ عظمها يبين من تحت الجلد، امرأة من فصيلة السرمان، الدويبة الزجاجية الطرية الشفافة... انظر كم طال لبوثها تحت الماء؟... ذلك لأنها عروس بحر؟ بعد ان شبعت من الماء ورطبت جلدها البحري ألقينا أنفسنا، نطعن بها بطون المياه التي استمرت في الهياج والفوران، علنا نلمس ماء لامسها؟ قلت لصلاح: ألا ترى... جدران البركة تشققت يا مغضوب الطالع؟ هذا من الدهشة؟؟ لأول مرة ترَ عروس بحر !! نزعت كل الآبار (المدقوقة في التراب) بكماشات الوأد، كان في كل بيت بئر، نشفت جميعها وخنقت ولم يبق سوى بئر الحكومة المحفور بحفارات البترول ليسقي البلدة، جفت كلها منذ... اغتيال مرزوق عبد الرحمن منيف وموت أخي الرضيع التي حاولت أمي كثيرا نبش جثته من تحت التراب فحكمنا عليها بقانون الطوارئ والأحكام العرفية... ربطناها بقيود البغال، خلاخل حديد توثق بالقدم؟ الشيطان كان حارسا متربصا دائما بنا: لا تدسّوا أصابعكم في الحجور سيقرصكم الشيطان بسمّه الزعاف وإبرته القاتلة. لا تتبولوا في الثقوب. لكنّ فرويد وحده يعرف سبب ولعنا بالتبول في الثقوب؟ احتاز الشيطان كل ثروتنا من الدحاحل والكرات الزجاجية والحجرية والتي كنا نقامر عليها، بما يعادل اجرة ركوب فيلم سينما... كنز من الدحاحل القيت في الآبار بلا رحمة: ادرسوا.. وفي الصيف العبوا... لكنّ موسم الألعاب بالدحاحل كان شتويا وهو مالم استطع تفسيره، وما انوي الانكباب على علوم النظر بحثا عن تفسير مواعيد مواسم اللعب المتقلبة... الصيّاحات (الخذاريف) خريفية؟ الدحاحل شتوية؟ الجطول ربيعية؟... فيما بعد عندما قلّت المياه نزل الصوفي صالح كي ينظف عيون الماء في بئر دارنا التي جفت دموعها من الحزن على أخي الصغير المرحوم ومرزوق منيف وأخرج حمولة بغل من الدحاحل وحمولة بغلين من الطين. يسأله الوالد: هه صوفي... هل من عيون في البئر؟؟ يردّ الصوفي: لا اعتقد: ليست عيونا... مجرد مسامات تعرق. نشفت ضروع الأرض يا ملاّ. ماذا نفعل بكل هذه الدحاحل؟ ليس موسمها يا مقصوف العمر. وهكذا حلّت محل الحصى في كفات الجطول والمقاليع والنقيفات فأمطرت السماء يومها دحاحلا وتكسرت نوافذ الجيران ورؤوس السابلة والسامرين بانتظار... نهوض مرزوق عبد الرحمن منيف من موته! البيوت الطينية الحديثة تفوح برائحة، بعل حواء، شهورا طويلة، الجدران تدهن عادة بالكلس الذي يقتل الحشرات السامة. كيماويا هذا صحيح الكلس مادة قلوية، أما الجفيت الأزرق فهو للتقليل من سطوع الكلس الابيض أو لتحويد اللون الابيض من بطش الكلس الأبرص. ردهات وأفنية... ثمة ما ندعوه (الكادين) وهي غرفة تستمعل مستودعا للتبن، علف الأنعام، غرفة مملوءة عادة إلى خصرها بالتبن، اهراء صغيرة من التبون، وغالبا ما تقيم فيها البقرة، وتجتر التبن إلى أن يتعب فكاها وتنام على حلم من حليب وخوار؟ قد تنمو في زوايا الغرفة في الشتاء، نباتات فطر، نباتات تنمو بخجل بوازع الدلف المحمود. خبأ عمي صفائح من التبن التركي الذهبي تحت التبن، جاءت دورية الريجي (جمارك التتن) بعد وشاية وبحثوا في الدار، وقفوا أمام كومة التبن، وهمّوا بالبحث. نثروا قليلا منه، فخارت البقرة غيرة على النعمة المرفوسة، فتركوها إكراما لذات العينين الوديعتين مثل ينابيع الكوثر. لم يعرض عمي رشوة، الرشوة في تلك الأيام كانت كفرا، الآن هي عادية مثل طوابع حكومية؟؟ الرشوة حولتنا إلى (أمة ملعونة). لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما. ليس فينا من لم يكن واحدا من هؤلاء الثلاثة؟؟ وها نحن نكتوي بنار الدنيا ولعنتها قبل الآخرة؟ اللامرتشي أن وجدته، هو آخر الرجال المحترمين. أما زوجة عمي فقد أصيبت بحمى نبتة المزاج، كانت تفرش التبغ الذهبي التركي تجففه لزوجها، فأدمنت لوكه، تسرب ريحه إلى الطابق العلوي من روحها... داروا بها على الشيوخ والمشعوذين لتشفى من عشق التبغ التركي، جرفها ريح نبات التبغ في سديمه... نجح أحدهم أخيرا في شفائها، جعلها تبلع كمية هائلة من التبغ إلى أن تقيأت. قال: ستكرهه الآن. وقد عادت إلى طبيعتها، لكن نفسها لا تزال تحدثها بعض الأحيان في العودة إلى مضغه. شغف كنت شغوفا باستطلاع هندسة الدور، قبل أن اقرأ غاستون باشلار: جماليات المكان: توزيع الغرف، الأشجار، نباتات الزينة، الأسرة الحديدية العالية وهي عالية للوقاية من الحشرات والهوام الأرضية. وتنصب في الأرياف، في الخلاء ،فيغدو مشهد السرير لوحة سريالية، مشهد يصلح لفيديو كليب؟ يلثّم السرير المتكبر بستائر بيضاء ناصعة، على مدار أضلاعه الأربعة، متيحا للأزواج، الذكر والانثى، فسحة بيضاء لمعارك الليل التي تصاب فيها النجوم بالعمى ويحترق فيها القمر كرغيف منسي في تنور الله المسجور... اسرّة بحزام من لثام ابيض، اسرّة حيطانها ترفرف للنسيم والتنهدات... دارة صهري كانت مثل أضلاع المربع، ثلاثة أضلاع للغرف المتداخلة، وضلع يمثل وجه الدار في وسطه الباب، وفناء في الزاوية عريض يمثل مقبرة للنفايات الحديدية والمخلفات التي قد يحتاج إليها، فيما بعد اشترى الدارة الملاصقة لداره، بعد خصومات مع جاره انتهت إلى القضاء، فقضى القاضي بأن يشتري أحدهما دار الآخر، وهكذا حصل. فتحولت الدارة الجديدة التي اشتراها إلى مساحة كبيرة للعبث واللهو، ومزرعة للبقرة وبضعة نعاج وكبش غيور على نعجاته وديك يعيش تحت كنفه حرملك من دجاجات كثيرات، ديك هجّام، يهجم على الزائر بمخالبه ومنقاره، وديوك رومية، اكثر غضبا وسعارا، إذا اقترب المرء من حماها، تتفجر بالنفاج، كأنها تخفي في أجوافها مكابس من الهواء كافية لنفخ عجلات قاطرة مقطورة... البقرة تعلقت بأختي، تهجم عليها وتتمسح بها فتغازلها أختي سعيدة بمداعباتها: ابتعدي قليلا يا بنت... دعيني حتى أضع لك الزاد. تتمسح بها البقرة ومن انفها يسيل خيط لزج من المخاط. الدجاجات بارعات بقتل العقارب، الويل للعقرب الذي يبرز للدجاج، سرعان ما تلحق به الدجاجة وتضربة ضربة منجلية بمنقارها فيسقط سلاحه السام، تسقط إبرته، بسقوطها يتحول من كائن عارم، من شوارزينغر مفتول العضل، إلى حشرة ذليلة مشلولة. بعدها، تقتله الدجاجة بسهولة المتمكن المنتصر، تجندله نقرا. احمد ابن أختي، الملقب برشّو لسواد بشرته، لم يكن يتغدى سوى بالبيض المقلي مع اللحم القديد، يعود من المدرسة ويضرب عن الطعام، لا يعجبه الكوسا محشي، ولا البرغل المطهو بالسمن الحيواني ولا الكبب المسلوقة ولا العدس المطهو باللحم... ولكن ليس من بيض. تقول له امه يائسة: دبّر حالك. فيروح باحثا عن عش دجاج، إلى أن يعثر على بيضة او كومة بيضات. تختار الدجاجة مبيضتها بعناية، كلما بنت عشا جديدا لبيضها المسروق داهمها احمد. يجلس وينتظر أحيانا البيضة وهي تبزغ من شمس مؤخرتها، فتضيء معدته، ويكاد يمد يده ليسحبها فتقوقئ محتجة. الدجاجة تقوقئ بعد كل بيضة تزغرد فرحة بالخلاص من بيضتها، او سعيدة بصوص قادم... اما قوقأة الاحتجاج فصاخبة ومتلاحقة... يعود احمد بالبيضة ساخنة ومعها مظاهرة من النقيق؟ لعبة غميضة خاسرة تلعبها الدجاجة المبتلاة مع عاشق البيض... كانت بيوت واسعة، رحبة، يمكن اللعب فيها، بالغميضة إلى درجة يحتاج فيها المغمض إلى مندل زودياك أو وَدَعْ أو تخت رمل للعثور على المختبئ. فرت كرة ان اختبئ في قاع البئر... ان اختبئ في قبر. أن أموت ولا أعود كي يطقّوا غيظا بحثا عني!! لم احظ برؤية حوش بيت زميلنا محمد خير شيخو، بخيل مثل أبيه، يجعلنا ننتظره أمام الباب، فيغيب ثم يعود بدفتر أو كتاب. فيما بعد اثري محمد خير، ولم يعد يسلم علينا، يهودي الطبع... مرة كاد أن يصدمني بسيارته، بعد أن (كبرنا وصار لنا أصدقاء في السجون والمعتقلات) او بالأحرى بعد أن (صغرنا وصار لنا أصدقاء في السجون)... صار لنا، أيضا، أصدقاء لهم سيارات ومناصب حكومية ورؤساء تحرير صحف يتكبرون علينا... توقف وزعق في وجهي وشتمني وتابع طريقه؟ بيت زميلتنا العجيبة شاهي، بيت مسوّى بالأسمنت وتتوسطه دوائر صغيرة من الطين موزعة بهندسة يبسق في وسطها شجيرات، قلت عندما زرته أول مرة مع طه خليل: هذا بيت غريب. فأثنى على ملاحظتي، وقال: هذا لأن أمها أرمنية؟ شاهي غريبة وعنوان ديوانها الشعري الوحيد الذي ستطبع على نفقتها عجيب مثلها: بلا عنوان.؟ الدارة الأغرب هي دارة المطرب الكردي المعروف رمو عبدي، مطرب حفلاته مكلفة، عندما دخلت دارته الأسمنتية، استغربت ألوان الحيطان الفاقعة والأرض المبلطة الخالية من أي عرق اخضر، يعني لو سكبت المياه في الحوش واقفل الباب لتحول إلى بركة سباحة تتشوق لعروس بحر؟ عندما دخلنا لم يكن موجودا، كان في جولة أوروبية يحيّ الحفلات للمنفيين الكرد... يحب الأكراد فنّه ويحتقرون شخصه؟؟ أول من رحب بنا هو كلب ابنته (البونجي). كل ميكرو كلب قزم اسمه بونجي. جرو مستورد من أوروبا، الكلاب عندما ترحب بالضيوف تهزّ أذنابها أو تقفز إلى الأحضان، أو تتمسح بالسيقان، هذا البونجي أين قفز يا سادة يا كرام؟ على مؤخرانتا!!. نظرت إلى خليل نظرة مستفسرة مستنكرة؟ خليل فلم يكن له صبري، ناموسه دفعه إلى شوط الجرو شوطة تراق على جوانبها الدم؟؟ خرج وهو يشتم... قلت له: بيت قرباطي، مثل محطات بيع الوقود؟ قال: قرباطي لأن رمو قرباطي؟ والأكراد يسمّون القرباطي (مرتب) وهي تسمية محرفة عن كلمة (مطرب) العربية، الطرب إحدى مهن القرباط الأساسية... تركنا ابنتهم تبتسم بخبث على الباب وتداعب جروها وتسبّنا في سرها. ليس لأننا قساة بل لأننا حمقى؟؟. دارة الشيخ عفيف الحسيني، الفقيه في الشرع والنحو وعلوم الادارات والسجل المدني والعرائض، أبو الشاعر محمدو كانت الأصغر في البلدة كلها. بقيت على حالها صغيرة، حجرته على حالها، تسبح بذكريات الخلافات الفقهية والنجف وابن تيمية... الأشجار المنتصبة في الدار: عادة كينا أو توت أو رمان أو اقاقيا... أما النباتات فهي شبّ الليل والمكنسة التي تنمو بلا بذور، والياسمين والنيلنج وكف الدب. وغالبا دالية عنب بظلال وفيرة وعناقيد تثير لعاب الدبابير.