As Safir Logo
المصدر:

ندرة كتّاب القصة القصيرة دليل عافية لأنها فن صعب علي حجازي: عند المغمورين إتقان ليس للكبار

حجازي القص ليس اجنبياً (علي علوش
المؤلف: جابر عناية التاريخ: 2004-07-13 رقم العدد:9842

أستاذ جامعي، وكاتب قصصي للكبار والفتيان وباحث في التراث الشعبي هو علي حجازي الذي صدر له مؤخرا »القصة القصيرة في لبنان 1950 1975 تطورها وأعلامها«. عن اصداره الجديد عموما، وعن القصة القصيرة وسواها من المواضيع الثقافية حاورته »السفير«. ÷ بحث شائك وجاد في القصة القصيرة ومراحل نموّها مع أعلامها وتطوّرها، هو فحوى كتابك »القصة القصيرة في لبنان«. في الكتاب إضاءات على عديد القصاصين المغمورين الذين لم تتناولهم أقلام النقاد، المنشغلين بالأعلام والمشهورين. هل تعتبر ان دراسة مثل دراستك كافية لإلقاء الضوء على أسماء غير مشهورة؟ { الصعوبة تتجلى دائما في كسر قاعدة الاحتكار وفي إعادة النظر بالحالة المضروبة حول الألقاب الفضفاضة. وعملية الكسر هذه تتطلب قرارا ذاتيا بالمواجهة. فقاعدة الاحتكار مع هالة الشهرة حفرتا في ذاكرتنا الثقافية أسماء قصاصين، كبرت أسماؤهم الى درجة حجبت الرؤية عن الأسماء المبدعة الأخرى التي عليها العمل كثيرا او انتظار فرصة جادة من باحث محايد لا يلتفت إلا للابداع. من هنا، عقدت العزم على جمع كل ما تيسر من أعمال القصاصين اللبنانيين، وقمت بقراءته ودراسته، فوجدت، لحسن الطالع، أسماء تشبه الدرر التي تغطيها الرمال، وأسماء أخرى خبت بعد اشتعال وصدئت بعد لمعان. فوجدت عند الياس عبود مثلا او رشاد دارغوث وتوما الخوري وغيرهم إتقانا لفن القصة القصيرة المعقد، الذي يشبه الومضة، او الاضاءة. ما لم أجده عند أسماء مشهورة أشرت إليها صراحة في الدراسة. وأسوق مثالا هنا، بعض القصاصين يطول الزمان عندهم أكثر من سنتين، في القصة القصيرة، وهذا الأمر يخرج هذا النوع عن تسميته. لأنني من القائلين بأن الزمان ميزان فصل للقصة القصيرة، ووجدت قصاصين معروفين مثل توفيق عواد ومارون عبود ووسف حبشي الأشقر، لا يقرون بمقاييس مقيدة للقصة القصيرة، فعواد وعبود يعتبرانها حكاية، مع الإشارة الى ان الثلاثة قدموا أعمالا ناضجة فنيا، وأعمالا كلاسيكية حكائية يطول فيها الزمان كثيرا. وعندما أبحث في تقنية السرد عن يوسف حبشي الأشقر مثلا، ألمح نمطين مختلفين تماما من السرد، فالأعمال الأولى في أوائل ستينيات القرن المنصرم مع أواخر الثمانينيات تشير الى الكلاسيكية، بينما تميل »المظلة والملك وهاجس الموت« الى نمط حديث وتقنية ملتزمة. ومن هنا، كانت مسؤوليتي منصبة على إظهار الحقيقة. وهكذا يمكنني الادعاء انني أنصفت كل كتاب القصة المغمورين بين 1950 و1975. ÷ نادر وقليل حضور القصاصين والقاصات، قديما وحديثا، هل من خصوصية ما، تحول بين المبدع والقصة القصيرة، هل هي صعوبتها، ام هو الترفع عنها نحو الرواية التي تشبع الكاتب والقارئ معاً؟ { ان ندرة مبدعي فن القصة القصيرة دليل عافية، لأنها من أكثر الأعمال الأدبية تعقيدا، وهي تشبه كرة النار التي لا يحسن التقاطها إلا المهرة... »فؤاد كنعان يذكّر بوجود غي دو موباسان في فرنسا وانطون تشيخوف في روسيا. مع وجود عدد كبير من الروائيين في بلديهما«. والصعوبة تكمن في عملية امتلاك ناصية السرد الفني (الزمان الومضة الحدث الذي يشبه الإشارات. فضلا عن المكان المحدد وقلة الشخصيات وحسن التقديم والتأخير (الحلم والتداعيات التذكر) مع التوقف إفساحا في المجال أمام الوصف... ان الاخلال بشرط من هذه الشروط مؤثر في فنيتها. من هنا، رأينا الكتاب يميلون عن كتابة قصة تمثل لحظة من حياة إنسان الى كتابة رواية تعبّر عن حياة الناس، عبر الدخول الى نسيج الحياة اليومية لهؤلاء الناس وتفاصيلها. والحديث عن اللحظة او الومضة يذكر بالصورة الشعرية التي تهتز لها فتصفّق فرحا او يسكنك الحزن، بعدها، فيقشعر بدنك، وتحس بدبيب نمال الحياة تسكن مساحة جلدك... إنصاف ÷ رفضت في مقدمتك ذكر الصعوبات الجمّة التي لاقيت في سبيلك إلى هذا الكتاب. هل حدثت القارئ عن بعضها؟ { بداية، فضّلت في هذه الدراسة اتباع خطة تقسيمها الى قسمين، الأول: دراسة الموضوعات، والثاني: الفنية. وعلى هذا المبدأ، قمت بالقراءة والتقميش. وبعد جهد تبيّن ان الموضوعات يمكن ان تغمط حق كتاب مشهورين، وأن لا تلمح تطور القصاصين. وقل الأمر نفسه بالنسبة الى الفنية. فعدت الى اعتماد دراسة الكتّاب كل على حدة، علّي بذلك ، أضع الأمور في نصابها. ومن هنا، برز تفاوت كبير بين واحد وآخر، وهذا الأمر لا يعتبر خللا منهجيا، على العكس، انه يعطي كل قاص قدر ما قدمه، لناحية الموضوع او الفنية. والصعوبة الثانية تكمن في اختيار منهج البحث. فكنت قررت اعتماد مصطلح غريماس Greimas الذي يفرّق بين عوامل التواصل (فعل القول) أي الراوي والمروي له والمتكلم والمخاطب وعوامل السرد (مقول القول) أي الذات والموضوع والمرسل والمرسل إليه، وهذا المصطلح ينطلق من أعمال »تنيير« (Tesniژre) و»بروب« (Propp) . ولما وجدت ان هذا المنهج لا يمكن ان يُطبَّق على دراسة القصص القصيرة للكاتب الواحد نظرا للصعوبة الكامنة في تطبيقه على أعمال قصصية عديدة. وهذا المصطلح يمكن ان يطبق على الرواية بحذر نظرا لعدد الشخصيات التي عندما تلجأ الى دراسة دوائر علاقاتها وأفعالها تقع في التكرار. لأن علاقة كل شخصية مرتبطة بغيرها من شخصيات الرواية. فعندما تحلل دور هذه الشخصية وتنتقل الى الشخصية الثانية سوف تجد نفسك مضطرا لإعادة ولتكرار أفعال الشخصية الأولى مع هذه الشخصية، وهكذا، ما ان تُكمل تحليل شخصيات الرواية حتى تكون حفظتها عن ظهر قلب، او استغنيت عن تحليل الكل لأن الجزء يفي بالغرض. وهذا هو عيب هذه الطريقة. هنا، عدت الى المنهج الذي اعتمدته في هذه الدراسة، والذي ذكرت قسميه قبل قليل. ÷ هل من أسماء أغفلها الكتاب، وهل كان بحثك حياديا. وهل من أسماء بعينها تأثرت بها وتحبها أكثر؟ أعتقد انني أنصفت القصاصين المغمورين الذين يستحقون حمل اللقب، وقمت بعملية مسح شملت الدوريات والكتب. وهناك أسماء مشهورة في عالم القصة مثل سعيد تقي الدين، نالت حقها من الدراسة، فالباحث جان دايه مثلا أصدر أكثر من بحث ودراسة في قصص سعيد تقي الدين. ثانيا: أفخر بأنني كنت محايدا في عملية البحث، لأن الانحياز إذا حصل كان للفنية ليس إلا. ثالثا: الناقد او الباحث ليس مطلوبا منه ان يحب او يكره. فعندما يصاب بهذين الداءين يفقد مصداقيته، وينغلب من عاطفته فيخسر صفته. ÷ أرى مع ذلك، ان القصة القصيرة هي خوض فن أجنبي، يبرع فيه الغرب أكثر، كما يستلزم تقنيات مختلفة منها الايجاز والتكثيف وسواه، الأمر غير المعروف عند الكتاب العرب، فما رأيك؟ { أولا مسألة الجزم بهوية أجنبية للقصة القصيرة فيها كثير من التجني. فالأمة العربية عريقة بأشكال القص المتعددة والتراث العربي غني بتعدد الفنون القصصية. فإذا فتشنا عن أفعال »روى« و»قص« و»حكى« وجدناها في معاجمنا ولغتنا. ثانيا هذه المسألة انقسم حولها دارسو القصة. فمنهم من قال بجذورها الغربية ومنهم من ردها الى جذور عربية خالصة، صُدِّرت الى الغرب واستعدناها منه. وأنا هنا، أؤكد على إنسانية الأدب. كما أثق بقدرة الكتاب العرب على الابداع في هذا الفن الصعب النماذج المتوافرة مشرقة خصوصا بعد شيوع الترجمة ونقل الكثير من القصص، الغث والسمين، الى لغتنا، وبعد انحسار المسافات بفضل وسائط الاتصال الحديثة. اليوم »وغي دي موباسان« مثلا الذي كان يعتبر مثلا للقصة القصيرة وكانت القصة القصيرة هي »موباسان«، غدا بمتناول كل فرد مع زولا وقلوبير وتشيخوف وغوغول وغيرهم... لكن الفرق يكمن في ان موباسان وزولا وفلوبير مثلا، هو ان هؤلاء انتموا الى واقعية رأت الحياة تتكون من لحظات منفصلة، القصة عند واحدهم تصوّر حدثا معينا منفصلا، لا يهتم الكاتب بما قبل وبما بعد. بينما الكتاب العرب اعتبروا القصة حاملة لقضايا كبيرة ومفصلية. فمالوا الى القصة الطويلة والرواية. هنا الفرق، الفنية حصل عليها جميع المهتمين. فالفنية تعود الى قدرة المبدع على تقديم الموضوع وإخراجه. أخلص هنا، لأقول ان الكاتب العربي لا يشكو نقصا، في هذا المجال، أبدا. إنما عملية انشغاله بتحميل القصة هموما كبيرة هي المشكلة. بإمكان القاص ان يحزئ همومه، وأن يسهر على اخراج كل هم فنيا، وفي نهاية المطاف نجد مجموعة قصص قصيرة، هي في الواقع رواية. فلو قرأنا »الخطأ« وهي مجموعة قصص للروائي والقاص الياس الديري، لوجدنا قصصا قصيرة تشكل مجتمعة رواية، قل الأمر نفسه عن فؤاد كنعان في »أولا وآخرا وبين بين«، وفي غيرها. ومجموعة »قرف« الصادرة له في العام 1947، تفتش في عناوينها، فلا تجد نصا يحمل هذا العنوان، إنما موضوعات النصوص تشي بهذه الحالة... الأمثلة كثيرة. ÷ هل تعوّل على كتّاب قصة قصيرة من الجيل الشاب في لبنان؟ هل تقرأ لهم وتتابعهم؟ { أنا من المتتبعين لأعمال المبدعين الزملاء والشبان على حد سواء، وأعمالهم تبشر بمستقبل جيد، وعملية متابعة القصاصين الشبان تبدأ من اكتشاف مواهبهم في الجامعة، حيث يتم تشجيعهم... أرضنا ولود وأنا متفائل بأبناء هذه الأمة القائمين على رصيد تراثي أدبي ضخم.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة