طرابلس »السفير« قتيلان وأربعة جرحى هم حصيلة اليوم الطويل من »الشغف المحموم« لمعرفة مكان وجود الجندي الأميركي اللبناني الأصل واصف علي حسون. وإذا كان البحث عن حسون لم ينته إلا مساء أمس، مع الاعلان عن وجوده في السفارة الأميركية في عوكر والتي سينقل منها إلى ألمانيا في خلال الساعات المقبلة، فإن قضية مشاركة حسون ضمن الجيش الأميركي في العراق سجلت تداعيات دموية في طرابلس بين عائلته ومجموعة من الأشخاص في محلة جسر نهر أبو علي. ووفق المعلومات الاولية، فإن عددا من الأشخاص من سكان محلة الحارة البرانية الملاصقة لمنطقة الجسر اتهموا آل حسون بالعمالة للولايات المتحدة، الأمر الذي استفز أحد أبناء عائلة حسون المدعو محمد سعيد حسون المكنى ب»أبي بدر« والذي يملك محلاً معداً لبيع الأدوات المنزلية والسجاد، وهو على خلافات سابقة مع هؤلاء الاشخاص، فأطلق عليهم النار من رشاش حربي قرابة السادسة مساء امس وأردى شخصين هما: مصطفى حلبوني ورضوان سليم أحمد، وجرح أربعة أشخاص عرف منهم: محمد جميل الذهب، ومحمد الديك، وبديع يعقوب الذين نقلوا إلى المستشفى الاسلامي. ولم ينته الحال هنا ، بل سارع أنصار الضحايا إلى مهاجمة محل الجاني الذي لاذ بالفرار قبل أن تلقي القوى الأمنية القبض عليه لاحقا. وقد حصل اشتباك بالأيدي والسكاكين مع من بقي، وأقدم المهاجمون على رمي قنبلة يدوية على محل الجاني أدت الى إحراقه، وشمل الهجوم محلات ومنازل لأشخاص من آل حسون أشعلت النيران فيها، وتحوّل المكان الى ساحة حرب وعملت اطفائيات طرابلس والدفاع المدني على إخماد الحرائق، فيما كثفت عناصر الأجهزة الأمنية من حضورها في الزواريب والشوارع بغية تضييق الخناق على الجاني إلى أن أفلحت في ألقاء القبض عليه ليلا. وما ان وصلت أنباء الحادثة إلى آل حسون في أبي سمراء حتى سارع عدد منهم إلى قطع الطريق المؤدي إلى منزل عائلة الجندي واصف من الجهتين وبدأ الجو يتشنج ولا سيما في وجه الصحافيين الذين تعرضوا للتنكيل والمضايقات فاضطروا للمغادرة، في حين سارع الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي للتدخل والانتشار في مكان الحادثة الدموية عند جسر أبو علي وكذلك في محيط منزل عائلة حسون في أبي سمراء. واتخذت تدابير أمنية مشددة في المدينة لمنع حصول تداعيات لاحقة. الجندي حسون وكان مكان وجود واصف حسون قد شغل أمس مختلف الأوساط السياسية والأمنية والإعلامية، وتحوّل هذا المكان إلى لغز أو إلى مكان مرصود، على وقع كم هائل من المعلومات المتناقضة حول مكان وجوده بدا معها كأن هناك جهات عديدة تضخها تكهناً أو عمداً، فأمضى الصحافيون اللبنانيون والأجانب يوماً طويلاً في منطقة أبي سمراء أمام بناية الحموي التي تقطن فيها عائلة الجندي المفقود والتي بدا أن أفرادها قرروا عدم التحدث إلى وسائل الإعلام بالتزامن مع إصرارهم على التذرع بعدم معرفتهم بمكانه. لكن المفارقة أن أفراد العائلة انقلبوا على الصحافيين يوم أمس، بعد أن ساهمت وسائل الإعلام إلى حد بعيد في تظهير صورة أخرى للعائلة مغايرة لتلك التي ظهر فيها الجندي الأميركي وخففت من حدة موقف الخاطفين في العراق منه، ولجأوا إلى الجفاء في وجه الصحافيين والهروب منهم حيناً، ومحاولة إبعادهم من الحي، فضلاً عن ممارسات أخرى كانوا يتعمدونها لإبعاد الصحافيين عنهم. لكن كل ذلك لم يمنع الصحافيين من استيطان الشارع تحت شرفة منزل آل حسون طيلة ليل أمس الاول ونهار امس في محاولة للحصول على معلومات حاسمة عن مكان وجود الجندي المفقود والذي كثرت التكهنات عن المكان الذي أخفي فيه، وإن كانت كل المعلومات قد تقاطعت على وجوده في منزل العائلة الذي بقي مغلقاً في وجه كل الناس، وحتى في وجه الأجهزة الأمنية، باستثناء قلة من الأقرباء. وكان سيل المعلومات والأخبار قد انطلق منذ فجر أمس عن وجود الجندي حسون حيناً في السفارة الأميركية ومرة في السفارة الكندية لطلب اللجوء السياسي وأحياناً في طرابلس بين أهله ثم في مسقط رأسه بلدة السفيرة في جرود منطقة الضنية، لكن شقيقه سامي كان ينفي في كل مرّة كل تلك المعلومات ليؤكد أنه في مكان آمن لا نعرفه ولا نعرف متى سيأتي لكننا مطمئنون إلى أنه بخير. وكانت معلومات ترددت صباحاً ومفادها أن العائلة تلقت اتصالاً من شخص لبناني أكد لهم أن الجندي أصبح في لبنان وأنه بخير وسيحضر إليهم قريباً. وتقاطعت هذه المعلومات مع كلام شقيقه سامي، وكذلك مع معلومات السفارة الأميركية في بيروت التي أكدت أن الجندي حسون بات موجوداً في لبنان، في حين جاء كلام وزارة الخارجية اللبنانية ليؤكد معظم المعلومات المتداولة بأن الجندي أصبح بين أهله وقد اتصل وزير الخارجية جان عبيد هاتفيا بذوي حسون وقدم لهم التهاني بالإفراج عنه. إلا أن كل ذلك لم ينفع في حسم مكان وجوده ولم يدفع بعائلته إلى إصدار أي بيان يوضح حقيقة ما يجري، بل بالعكس كان بعض أفراد آل حسون يلجأون إلى التمويه لإبعاد الصحافيين مما زاد في الشكوك، في حين أكد بعض أفراد العائلة أن الجندي موجود في المنزل وأن على الصحافيين تفهّم واقع العائلة لجهة أسباب عدم الكشف عن الموضوع، خصوصاً في ظل إصرار شقيقه محمد الموجود في الولايات المتحدة على عدم تزويد الإعلام بأية معلومات قد تلحق الضرر بالعائلة وبمصالحها في لبنان أو في اميركا، وقد شوهد شقيقه سامي يغادر المنزل مراراً للتحدث عبر الانترنت من مقهى مجاور. لكن بعض أفراد العائلة لم يتوقفوا عن بث الأخبار حيث خرج »الحاج أبو رشيد« وهو رجل مسنّ، وخاطب الصحافيين قائلا لهم: »إذا كنتم تريدون معلومات فاصعدوا معي إلى بلدة السفيرة كي أعطيكم كل شيء«.. لكن أبا رشيد لم يكن يريد التحدث فعلاً. وما حاولت العائلة إخفاءه سرعان ما ظهر على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الاميركية ريتشارد باوتشر الذي أعلن أن حسون »موجود في السفارة الاميركية في بيروت« وأضاف »لقد تمكنا من جلبه في منطقة محددة في بيروت (لم يكشف النقاب عنها) بعد إجرائه اتصالات مع السلطات الأميركية واتفقنا على مكان لملاقاته وتوجهنا لجلبه وإحضاره إلى السفارة«. وقال مسؤول بارز في وزارة الدفاع الاميركية »البنتاغون« »ان حسون وصل سالما وهو في صحة جيدة في السفارة الأميركية« التي أكدت ليلا وجوده فيها على وقع التوتر الذي لف مدينة طرابلس.